← Books · History of the Coptic Church after the Council of Chalcedon
الفاطميون وأهل الذمة [٩٦٩ - ١١٧١ م]
The Fatimids and the dhimmis (969-1171)
الفاطميون وأهل الذمة:
امتد حكم الفاطميون في مصر إلى مائتي سنة كاملة (٩٧٢ - ١١٧١ م). وقد تقلبت سياسة الفاطميين من التسامح الكامل إلى الاضطهاد الشنيع. فبعد أن مهدوا للأقباط ولأهل الذمة بصفة عامة عصراً زاهراً، عادوا فقضوا عليهم وعلى آمالهم قضاء مبرماً. الحق أنه لم يحكم تصرفات هؤلاء الحكام والخلفاء سياسة ثابتة. لكن الأمر كان يرتبط بالاستعداد الشخصي لهؤلاء الحكام والخلفاء.
كان جوهر الصقلي الذي زحف من المغرب إلى مصر وفتحها، وأسس مدينة القاهرة عبداً يونانياً قدم هدية إلى الخليفة المعز، ولذلك يعرف باسم جوهر الرومي.. وممن عاون المعز فكان يعقوب بن كلس. وهو يهودي من بغداد اعتنق الاسلام بهدف دنيوي. قدم يعقوب هذا إلى مصر في عهد كافور الاخشيدي. ويذكر المؤرخ «ابن القلانس» أن يعقوب بن كلس كان واسع الحيلة والدهاء. ويروي أن كافور قال عنه يوماً «لو كان مسلماً لاستوزرته». فلما سمع يعقوب ذلك دخل مسجداً في يوم جمعة ونطق بالشهادتين.. وما لبث أن هرب إلى المغرب، وعاون الفاطميين على فتح مصر. وقد جعله المعز أكبر مستشاريه وعينه أميناً على بيت المال.
وفيما يختص بسياسة الخلفاء الفاطميين تجاه الأقباط وأهل الذمة سنقدم كمثال أربعة خلفاء: المعز والعزيز والحاكم بأمر الله والمنتصر.
(أ) المعز لدين الله (٩٦٩ - ٩٧٦ م)
كان من أكثر الحكام تسامحاً وأوسعهم صدراً، كما كان سياسياً محنكاً.. كان واسع العلم، وكان يعرف عدة لغات. فالى جانب العربية وحفظ الشعر العربي، فانه كان يجيد اللغات اليونانية والسودانية ولغة بربر شمال افريقيا، كما كان يتكلم السلافونية ليتحدث بها مع عبيده الذين جلبهم من شرقي أوروبا.. وبالاضافة إلى ذلك فقد كان خطيباً بارعاً إلى حد أنه كان يستذرف الدموع من عيون سامعيه. وإلى جانب هذا كان جواداً كريماً منصفاً يحب العدالة (S. Lane Poole p. 99). كما كان المعز ولوعاً بالعلوم الروحية. ولذلك كان يدعو رجال الدين من مسلمين وأقباط ويهود ليتناقشوا في حضرته بكل صراحة.. ولكن على الرغم من هذه الصفات الطيبة التي كان يتحلى بها المعز لدين الله.. فالسياسة لها مقتضياتها.. كان المعز يدرك تماماً أنه لن يستطيع حكم البلاد وهو أمام تيار العداء العام. فقد كان المصريون يعتنقون المذهب السني، ولما كان الشيعيون غير محبوبين في مصر فقد حاول أن يتقرب إلى السنيين، وذلك باظهار شيء من النفور إزاء الذميين. لذلك نجده يلغي التقليد الذي بدأه الاخشيديون من حضور الحفلات الخاصة بالنصارى. ومنع الأقباط في عيد النيروز من جمع الحسنات من العظماء، ومن عادة رش المارة بالماء العكر أو إشعال الصواريخ في هذه المناسبة. كما حرم عليهم نصب الخيام والتنزه بالزوارق في النيل بالقرب من المقياس في ليلة عيد الغطاس. وهدد بالاعدام شنقاً كل من يخالف أوامره. فكف النصارى عن الاحتفال بهذه الأعياد طيلة عهده (جاك تاجر، أقباط ومسلمون، الصفحة ١٢٠، عن ابن اياس، بدائع الزهور في واقع الدهور).
أما الأستاذ الدكتور جمال الدين سرور في كتابه الدولة الفاطمية في مصر فيقدم رأياً يخالف الرأي الأول. وهو أن بعض خلفاء الفاطميين بعد أن جاءوا إلى مصر بمذهب شيعي خالفوا به جمهور المسلمين، إنهم بحاجة إلى من يعاونهم تثبيت سلطانهم. ولما أيقنوا أنه من المتعذر عليهم الاعتماد على السنيين في مصر - وهم أنصار الدعوة العباسية - قربوا إليهم أهل الذمة وأظهروا لهم كثيراً من التسامح. واستخدموهم في أهم شئون الدولة. على أن هذه السياسة لم يتمسك بها الفاطميون. فكثيراً ما اضطروا إلى العدول عنها (الصفحة ٨٦).
(ب) العزيز بأمر الله (٩٧٦ - ٩٩٦)
جميع المؤرخون الثقاة يجمعون على أن هذا الخليفة شمل النصارى برعايته سواء الملكانيين أو اليعاقبة.. وحتى خلافة العزيز كانوا يعتبرون الوالي متسامحاً أن هو أعطى تصريحاً بترميم كنيسة أو ببنائها مقابل هدية مالية. لكن في خلافة العزيز نرى السلطة هي التي تقوم بهذا العمل وتسهر على حراسة العمال، إذا اقتضى الأمر ذلك.. ويمكن القول أن العزيز عمل على إلغاء الفوارق الاجتماعية بين المسلمين والذميين.. وبهذا يمكن القول دون مبالغة أن خلافة العزيز تعد تحولا هاماً من تاريخ مصر الاسلامية، لأن الخليفة دعا لأول مرة لمبدأ المساواة الكاملة بين المسلمين والذميين.
تزوج العزيز من مسيحية ملكانية. وأنجب منها ضمن من أنجب بنتاً أسماها «ست الملك»، كانت تتعاطف كثيراً مع المسيحيين.. وكان العزيز يحب زوجته المسيحية وأبنته حباً جماً ويأخذ بمشورتهما، حتى أنه أصدر أمراً مخالفاً للقانون ويقضي بتعيين نسيبيه (شقيقي زوجته) بطريركين ملكانيين. الأول ويدعى اريستس (Orestes) بطريركاً على بيت المقدس والآخر ارسانيوس مطراناً للقاهرة ورقي في عهد الحاكم بأمر الله بطريركاً للملكانيين بالاسكندرية.
ولا يجب أن يفهم من هذا أن شخصية العزيز كانت ضعيفة. فقد امتاز عهده بالحروب الدفاعية التي قام بها لتأمين الحدود الشرقية لامبراطوريته. وبتنظيم إدارة حازمة داخل البلاد، كما نظم بيت المال ووضعه تحت رقابة شديدة، وحدد مرتبات ثابتة لموظفيه ومنعهم منعاً باتاً من قبول الرشاوي أو الهدايا. وأمر بألا يصرف شيء إلا بمقتضى وثيقة مكتوبة (دائرة المعارف الاسلامية). وكان لمصر في عهده جيش قوي ضم عناصر تركية وزنجية، واشترك في عدة معارك ضد اليزنطيين. وبالجملة فان الخلافة الفاطمية في عهده وصلت إلى أوج عظمتها.
ولا شك أن اعتماد العزيز على الذميين وممن أسلموا ظاهرياً - كيعقوب بن كلس - أثار غضب المسلمين.. فقد ظل يعقوب بن كلس ولمدة خمس عشرة سنة ساعد العزيز الأيمن، حتى أنه حينما توفى حزن عليه العزيز حزناً شديداً وذهب إلى داره وصلى عليه وكشف عن وجهه، وبكى عليه بكاء شديداً، وأمر أن يدفن في داره بالقاهرة في قبة كان بناها لنفسه، وحضر جنازته وأغلق الدواوين. وعطل الأعمال أياماً (أقباط ومسلمون، الصفحة ١٢٣، عن ابن القلانس، ذيل في تاريخ دمشق، وسعيد بن يحيي الانطاكي).
وبعد وفاة يعقوب بن كلس سنة ٩٩١ م منح العزيز ثقته لعيسى بن نسطورس النصراني الذي ما لبث أن أصبح وزيراً. ثم ألحق بخدمته أبا المنصور طبيب المعز النصراني وأعطاه مركزاً ممتازاً.
وليس أدل على أن الاستعانة بالذميين أثارت غضب المسلمين وعبأت مشاعرهم، من أن العزيز بينما كان يتنزه يوماً في المدينة أن شخصاً شق طريقه بين الجماهير المحتشدة، وقدم للعزيز عريضة ثم اختفى.. أما فاتحة العريضة فكانت:
«بالذي أعز اليهود بمنشا٣، والنصارى بعيسى بن نسطورس، وأذل المسلمين بك».
وكان من نتيجة ذلك أن العزيز - لكي يهدىء من ثائرة المسلمين - قبض على هذين الرجلين وصادرهما٤. كما استغنى العزيز عن عدد من موظفيه الأقباط.. لكن لم يلبث أن عفا عن عيسى بن نسطورس وولاه الوزارة، وأعاد عدداً من الأقباط إلى وظائفهم إما تحت ضغط زوجته المسيحية وأبنته ست الملك، وإما أنه كان يرى استحالة الاستغناء عن خدماتهم وكفاءتهم. على أنه اشترط على عيسى بن نسطورس أن يولي المسلمين في الدواوين٥.
وفي عهد العزيز نجد قمة التعاطف مع المسيحية والمسيحيين، وذلك في رفضه معاقبة من يرتد عن الاسلام ويعتنق المسيحية.. ويروي عن واحد من أكابر المسلمين يدعى «وساع» أنه اعتنق المسيحية. فقبضت عليه السلطات بتهمة الردة. لكن بعض الشخصيات الكبيرة تدخلت لصالحه، كما توسطت له زوجة العزيز لدى الخليفة، الذي أطلق سراحه دون أن يناله سوء أو أذى، واعتكف في دير بالصعيد حيث قضى بقية حياته٦.
وبالجملة فان العزيز أظهر همة عالية في نشر روح التسامح بين المسلمين والمسيحيين فكثيراً ما كان يدعو الأنبا ساويرس بن المقفع أسقف الأشمونين حول بعض نقاط العقيدة مع بعض علماء المسلمين مثل القاضي الشهير ابن النعمان٦.
ويروي يحيى بن سعيد الأنطاكي حادثاً عجيباً في نتائجه. ما كان يمكن أن ينتهي إلى ما انتهى إليه في أي وقت آخر.. عزم العزيز على غزو بلاد الروم سنة ٩٩٦ م وأمر وزيره عيسى ابن نسطورس أن يعد الأسطول. وعزم على تسييره بعد صلاة الجمعة. فاشتعلت النار في سفن الأسطول وأحرقت منها ست عشرة سفينة. وأتهم عامة الناس تجار الروم الذين يأتون بالبضائع إلى مصر بهذا الحريق. فثار عامة الناس ومعهم المغاربة، وقتلوا من هؤلاء التجار مائة وستين رجلا. ونهبت كنيسة الملاك ميخائيل الخاصة بالملكانيين بقصر الشمع، وكنيسة النسطورية. وتوجه الوزير ابن نسطورس إلى مكان النهب، ونادى بكف الأذى عن الروم. ونودى بأن يرد كل واحد من النهابة جميع ما أخذه. فرد البعض ما نهبه، وأحضر من سلم من التجار الروم من القتل. ودفع لكل واحد منهم ما اعترف أنه نهب منه. وقبض على ثلاثة وستين رجلا من النهابة واعتقلوا. وأمر العزيز باطلاق ثلثهم وقتل ثلثهم. وتم ذلك بواسطة رقاع كتب على بعضها «تضرب» وبعضها «تقتل» وبعضها «تطلق». ووضعت تحت أزار. وتقدم كل واحد منهم وأخذ رقعته. وكان ينفذ فيه حسبما يكون في الورقة٧ - وقد جرح في هذا الشغب أسقف النسطوريين جراحات أدت إلى وفاته.
(ج) الحاكم بأمر الله (٩٩٦ - ١٠٢٠)
هو من الشخصيات التي يحيط بها الغموض والتضارب في فهمها نتيجة التضارب في تصرفاته، والغموض فيها بين أقصى اليمين وأقصى اليسار.. ولما كان الحاكم بأمر الله من أكثر حكام المسلمين - بل لعله أكثرهم جميعاً - الذين أنزلوا بالأقباط صنوفاً من الاضطهادات والأهوال والتحقير الأدبي، رأينا من الضروري أن نتوقف قليلا لنتعرف على شخصيته، قبل الكلام عن تهوره واندفاعه في محاولة محو المسيحية والمسيحيين من مصر.
ولي الحاكم بأمر الله الخلافة بعد وفاة أبيه العزيز وله من العمر إحدى عشرة سنة ونصف. وقام بالوصاية عليه برجوان الصقلي، وتقلد الوساطة (وهي دون الوزارة في المركز) ابن عمار (أبو محمد الحسن بن عمار) زعيم الكتاميين وهم عصب الخلافة الفاطمية.. وتقدم الكتاميون طالبين عزل عيسى بن نسطورس وتولية زعيمهم ابن عمار. فأجاب الحاكم طلبهم وتقلد ابن عمار أمور الدولة، وأسند الخليفة إلى ابن نسطورس ديوانه الخاص. لكنه لم يتمتع طويلا بهذا المنصب، فقد تآمر عليه حاسدوه واتهموه بالعبث في أموال الدولة. وأعطى بذلك سلاحاً لخصمه ابن عمار فقبض عليه وقتله٨.
لكن الاضطراب عم البلاد خلال وصاية برجوان بسبب العداوة القائمة بينه وبين أبي عمار زعيم الكتاميين وقائد جيش الخليفة في نفس الوقت.. وما لبث ابن عمار أن قتل بعد أن هزمت القوات التركية قواته المكونة من قبائل شمال افريقيا. انفرد برجوان بالسلطة وعين الحاكم فهد بن ابراهيم وهو قبطي كاتباً له وكاتم سره ومنحه ثقته وأعطاه لقب «الرئيس» ولم يمض وقت طويل حتى لحق برجوان بخصمه، وكان ذلك بأمر الخليفة سنة ١٠٠٠ م لشعوره أن برجوان يسعى للاستئثار بالسلطة بعد أن منعه من الاتصال المباشر برجال دولته. ولما أمر الخليفة الشاب بقتل برجوان، كان ذلك سبباً في قلق الشعب وضجره، فحمله ذلك على التوجه إلى مقر الخلافة محتجين. ولم يستطع الحاكم الافلات من ثورة شعبه إلا بالبكاء والعويل واحتجاجه بشبابه وعدم خبرته بشؤون الحكم.
ولما أغتيل برجوان، أرسل الحاكم في طلب فهد بن ابراهيم القبطي، وخلع عليه أحسن الحلل وقال له «لا تقلق أبداً لما حدث».. ويقص علينا ابن القلانسي ما دار بين الحاكم وكاتم سره فهد ابن ابراهيم يقول «جلس الحاكم وقت العشاء الأخير واستدعى الحسين بن جوهر وأبي العلاء بن فهد بن ابراهيم الوزير، وتقدم إليه باحضار سائر كتاب الدواوين والأعمال، ففعل. وحضروا وأوصلهم إليه وقال لهم: أن هذا فهداً، كان أمس كاتب برجوان عندي وهو الآن وزيري. فاسمعوا له وأطيعوا، ووفوه شروطه في التقدم عليكم وتوفروا على مراعاة الأعمال وحراسة الأموال».. وقبل فهد الأرض، وقبلوها وقالوا «السمع والطاعة لمولانا». وقال لفهد «أنا حامد لك وراضي عنك وهؤلاء الكتاب خدامي، فاعرف حقوقهم وأجمل معاملتهم، واحفظ حرمتهم، وزد في واجب من يستحق الزيادة بكفايته وأمانته»٩.
وسرعان ما أصبح فهد هدفاً للدسائس، إذ خشى الحاسدون أن الثقة التي أولاه إياها الخليفة تزيد من نفوذه ونفوذ النصارى. فبدأت الوشايات ليضعفوا ثقته لدى مولاه، فاتهمه أبو طاهر وابن عداس الكاتبان باختلاس الأموال. وكانا يحملان حقداً دفيناً وعداء واضحاً للنصارى في مصر وسوريا. ولما لم يحسن الحاكم استقبالهما والاستماع إلى وشايتهما، حرضا آخرين على تقديم شكاوى مماثلة.. وإن كان الحاكم قد فهم مغزى هذه الشكاوى، لكنه - مملاأة منه للظروف - سمح باغتيال فهد. وأفهم حاشيته أنه أصدر أمره هذا تحت ضغط شديد.
ولتغطية موقفه أرسل الحاكم في طلب أولاد فهد الذي قتل، وخلع عليهم، وأمر بألا يمسهم أحد بسوء وإلا ينهب منزله. وقد أراد الحاكم بهذا التصرف أن يتحدى أبا طاهر وابن العداس اللذين أوعزا بهذه الجريمة، واللذين توصلا إلى أعلا المناصب.
ملامح من شخصية الحاكم بأمر الله:
قبض الحاكم على زمام الأمور في البلاد وهو دون السادسة عشر من عمره. وأخذ يصدر تعليمات ومراسيم تثير الدهشة والأسى والضحك في وقت معاً.. ومهما قيل في تبرير هذه التصرفات فانه من الواضح التضارب الشديد وعدم الاستقرار الفعلي فيها.. ومن أمثلة هذه التصرفات:
حرص الحاكم على التجول ليلا في مدينتي القاهرة والفسطاط للوقوف على أحوال الناس وكان له حب للظلام، ولكي يتيسر له تحقيق هذه الغاية، أمر بتعليق المصابيح على جميع الحوانيت والمحلات التجارية في جميع الظروف.. وبناء على أمره حدث تغيير جذري في حياة الناس، فانقلب نهارهم ليلا، وليلهم نهاراً، يزاولون فيه الأعمال والمعاملات التجارية. كان يعشق الظلام ويحب التجول في الطرقات ليلا، ليلة بعد أخرى١٠.
ولما بلغه أن بعض الناس استغلوا إضاءة الشوارع والطرقات ليلا للعبث والمجون، فرض قوانين شديدة. فمنع الناس من الخروج ليلا ابتداء من وقت صلاة العشاء. كما نهى الرجال عن الجلوس في الحوانيت. ثم أصدر أمراً بحظر التجول في الطرقات من بعد العشاء حتى مطلع الفجر. ثم اتبع ذلك باصدار قوانين تحرم على الناس فتح محلاتهم التجارية ليلا.
ولما رأى الحاكم أن أوامره السابقة لم تضع حداً للفوضى الاجتماعية التي سادت البلاد. أصدر سنة ١٠٠٥ م قوانين جديدة منها منع النساء من الظهور سافرات ومن السير خلف الجنازات. واتبع ذلك بأمر سنة ١٠٠٦ م بمنع خروج النساء إلى الأسواق والحمامات. كما حظر عليهن التطلع من نوافذ البيوت والوقوف فوق أسطح المنازل. وبلغ حرص الحاكم على تنفيذ أوامره أن منع صانعي الأحذية من صنع الأخفاف للنساء حتى يتعذر عليهن الخروج من بيوتهن. وكان من أثر هذه السياسة التي اتبعها الحاكم إزاء النساء أن اعتكفن في بيوتهن. ويحاول بعض المدافعين عن الحاكم بأمر الله أن يعللوا أمثال هذه التصرفات بانها «بدافع الشعور الديني وإصلاح الأخلاق وتطهير نفوس المجتمع من الرذائل»١١.. ولكننا لا نوافق على هذا الرأي. ونقول أنه إن كانت تصرفات الحاكم هذه هي بدافع الشعور الديني، فهي نوع من الهوس الديني. فلم يحدث في كل التاريخ الاسلامي إن كان حاكماً مسلماً أصدر مثل هذه القوانين.
كما حرم الحاكم أنشطة اللهو على شواطىء الخليج المصري بالقاهرة. فأمر بسد أبواب الدور التي تقع على الخليج والطاقات المطلة عليه.. وفرض قيوداً على بعض أنواع المآكل والمشارب ومن أمثلة ذلك أنه منع بيع الزبيب واستيراده حتى لا يصنع خمراً. كما منع شراء أكثر من أربعة أرطال من العنب دفعة واحدة خشية استعمالها في صنع النبيذ. وأعقب ذلك أمراً أصدره باتلاف شجر الكروم ومنع أكل الملوخية.
وفيما يتعلق بالمأكولات أمر بمنع عجن الخبز بالأرجل. وألا يصطاد الصيادون سمكاً بغير قشر. وأنذر المخالفين بالعقاب الشديد. ونهى عن ذبح البقر إلا في عيد الأضحى. وأمر ألا يخزن أحد من المؤون أكثر من حاجته. وجعل القتل عقوبة للمخالف.
حرص الحاكم على الاشراف بنفسه على تنفيذ أوامره، والتزم بذلك طوال عهده. لكنه لجأ إلى إنزال العقوبات الصارمة بمن يعصى أوامره، رغبة منه في فرض هيبته على رعاياه وتأييد حكمه. فاذا أظهر فريق من الناس تذمراً، أسرع إلى التخلص منهم.. وقد تعرض لقسوة الحاكم أقرب الناس إليه من الوزراء والكتاب، فلم يأمن رجال الدولة من العمال والطوائف المختلفة على حياتهم، فالتمسوا منه أماناً سنة ١٠٠٦ م، فأجابهم إلى طلبهم، وأصدر أماناً أمنهم فيه على حياتهم.
ويذكر عن الحاكم أنه على الرغم من سياسة العنف التي اتبعها، فانه كان متقشفاً في حياته، واتبع في ذلك بعض المظاهر العامة مثل منع الناس من ذكر عبارة «سيدنا ومولانا» في المكاتبات التي توجه إليه. وألا يقبل أحد الأرض بين يديه. وأمر ألا يصلى عليه أحد في الخطب الدينية والمكاتبات والمحادثات الرسمية. وكان من المعتاد أن يصلي الخطيب على الخليفة كما يصلي على النبي في خطبة الجمعة. ونهى عن إقامة الزينات في طريقه وهو ذاهب للصلاة١٢.
ومن الأمور التي تذكر عن الحاكم أنه حذا حذو أسلافه المعز والعزيز في الاهتمام برصد النجوم لمعرفة الغيب. فصار يشجع الفلكيين والمنجمين ويغدق عليهم. فأخذ المنجمون يسيطرون على عقول الكثيرين، حتى اضطر الحاكم سنة ١٠١٤ م إلى تحريم مهنة التنجيم. لكنه ظل هو حريصاً على رصد النجوم، وأقام له مرصداً خاصاً بالجبل المقطم.
ومن الأمور التي تذكر عنه أنه شغف بالتطلع إلى معرفة أخبار رعاياه. ولكي يوهم الناس أنه واقف على أفعالهم، اتخذ له جواسيس يطوفون بالأسواق والدور، يجمعون الأخبار ويرفعونها إليه في تقارير. وهكذا صار في نظر رعاياه كمن يعلم الغيب.
وفد إلى مصر بعض الفرس واعتنقوا المذهب الشيعي الفاطمي، وتطرفوا في الدعوة له ومن بينهم شخص يدعى حمزة بن على الزوزني، الذي وفد إلى مصر سنة ١٠١٥ م. وأخذ ينشر سراً الدعوة إلى تأليه الحاكم.
وما لبث أن جهر بهذه الدعوة سنة ١٠١٨ م فاجتمع إليه طائفة من متطرفي الشيعة الاسماعيلية. فاحتضنه الحاكم بأمر الله.. لكن مسلمي مصر السنيين أعلنوا غضبهم علناً وثار بعضهم بعد أن أعلن واحد من هؤلاء الدعاة «تأليه الحاكم» في جامع عمرو بن العاص. وقد انتهى الأمر بقتل هذا الداعية.
وكان من بين الدعاة إلى تأليه الحاكم شخص يدعى محمد بن اسماعيل الدرزي. فاحتضنه الحاكم وقربه. أعلن الدرزي مذهبه في الجامع الأزهر فأثار سخط المصريين السنيين وكذا المعتدلين من الشيعة، فأخذوا يتعقبونه حتى علموا أنه ملتجىء بقصر الخليفة، فذهبوا إلى الخليفة الحاكم بأمر الله وطالبوه بتسليمه. فظل يماطلهم حتى دبر له أمر الفرار إلى الشام بعد أن أمده باموال. وهناك أخذ ينشر دعوة تأليه الحاكم، فاستمال له أنصاراً أصبحوا يعرفون باسم الدروز.. أما الحاكم بأمر الله فقد استاء من اعتراض رعاياه خاصة من الفسطاط الذين قتلوا داعية تأليهه، فانتقم منهم بحرق مدينة الفسطاط.
أما عن نهاية حكم الحاكم، فان الغموض يكتنفها. لقد اختفى فجأة بعد أن شوهد يقصد جبل المقطم، وقد تعددت الآراء.. لكن من بين هذه الآراء أن الحاكم بأمر الله - رغبة منه في إحاطة نفسه بسياج من التقديس، بقصد جعل رعاياه طوع إرادته - انتهى إلى ما انتهى إليه. ولعله أراد أن يجعل من نفسه المهدي الذي يعتقد الاسماعيلية (من فرق الشيعة). أنه سيظهر في آخر الأيام ليملأ الأرض عدلا وأمناً.. ولا شك أن عقيدة تأليه الحاكم بأمر الله، قد استمدت من معتقدات متطرفي الشيعة، الذين يعتقدون أن على بن أبي طالب وخلفاءه من الأئمة ليسوا بشراً عاديين، وبعض هذه الطوائف الشيعية تعتقد بعدم موت على بن أبي طالب وأنه سيعود إلى الأرض ليحكم بالعدل.. وبعض متطرفي الشيعة ببلاد فارس (ايران) يقدسون بعض أحفاد على ويعتبرونهم حكاماً معصومين (الخوميني - آية الله - روح الله..).
الحاكم بأمر الله وأقباط مصر
ليس الحاكم بأمر الله هو وحده المسئول عن الأحداث الدامية والفظائع التي تعرض لهما الأقباط في عهده. لكن يشترك معه في المسئولية بعض الدساسين الذين عملوا على التخلص من النفوذ الذي ناله الذميون في عهد العزيز. واستغلوا صغر سن الخليفة وميله إلى سفك الدماء لتحقيق مآربهم.
١ - تأتي أولى المآسي حينما قتل عيسى بن نسطورس وزير العزيز. وتأتي ثانية المآسي حينما قتل فهد بن ابراهيم بعد أن قربه إليه وأعطاه الثقة ثم قتله في النهاية إرضاء لبعض المتعصبين بعد أن استمر في خدمته نحو ست سنوات. ولم تكن الوشايات الكاذبة تستهدف فهد وحده، بل الأقباط جميعاً.
ويذكر تاريخ البطاركة أن سبب قتل فهد هو أن الحاكم طالبه بالاسلام، فلما لم يوافقه أمر بقطع رأسه وحرق جسده لمدة ثلاثة أيام، ومع ذلك لم يحترق الجسد، بل بقيت يده اليمني وكأن النار لم تقربها.. وقيل عن فهد أنه كان رحوماً جداً ولا يرد سائلا. وهذه اليد اليمني التي كانت تمتد بالخير هي التي ظهرت فيها المعجزة وكأن النار لم تقربها١٣. كان أحد الأسباب الرئيسية لقيام الحروب الصليبية. وتقول الرواية أن الكاتب الذي نسخ هذا الأمر الخاص - بهدم الكنيسة - كان نصرانياً نسطورياً يعرف بابن شيرين وأنه من شدة الحزن مات كمداً بعد أيام قليلة١٥.
٣ - وفي عام ١٠٠٩ م صدرت أوامر مشددة تقضي بالغاء الأعياد المسيحية ومنع الاحتفال بها في أنحاء البلاد. وصودرت أوقاف الكنائس والأديرة لحساب بيت مال المسلمين١٦. ومنع أيضاً ضرب النواقيس كما نزعت الصلبان من قباب ومنارات الكنائس. ووصل به الأمر إلى أنه طلب إلى المسيحيين الأقباط أن يقوموا بمحو وشم الصليب من أيديهم.. وفي سنة ١٠١١ م صدر الأمر أن يعلق النصارى حول أعناقهم صلباناً من الخشب طول الصليب ذراع ووزنه خمسة أرطال.. وفي سنة ١٠١٣ م صدر أمر بهدم وسلب الكنائس والأديرة الموجودة في الأراضي المصرية بدون استثناء. ويقال أن عدد ما هدم من الكنائس والأديرة في ذلك الحين بلغ ٣٠٠٠٠ (ثلاثون ألفاً)١٥.. وخير الحاكم الأقباط بين اعتناق الاسلام أو الخروج من مصر١٦.
ومما زاد الحالة سوء ووحشية، الرعاع والسوقة - الذين في حقد وشماتة، أخذوا ينفذون إرادة مولاهم الحاكم بأمر الله، فلم يهدموا الكنائس فقط بل محوها محواً كاملا، ووصلت بهم ثورة الانتقام إلى نبش قبور النصارى واستخراج عظام الموتى لاستخدامها وقوداً للحمامات.
ومن قبيل التحقير الأدبى أصدر الحاكم أمراً إلى المكاريين والنوتية بأن يرفضوا نقل الذميين.. وأخيراً وضع الحاكم أهل الذمة للخيار بين أمرين: إما الموت وإما الارتداد عن دينهم.. وكانت النتيجة أن أسلم عدد كبير، بينما هجر البعض دورهم سراً ولجأوا إلى المناطق التابعة للامبراطورية البيزنطية.. وهناك فريق ثالث أخفوا إيمانهم، وكانوا يجتمعون في أماكن خاصة أخفوا بها الأواني المقدسة التي أفلتت من المصادرة والنهب والسلب١٧.
ويصف لنا المؤرخ يحيى بن سعيد الأنطاكي المتوفي سنة ١٠٦٦ م - وبدأ كتابة تاريخه بعد اختفاء الحاكم بأمر الله بفترة وجيزة - مشهداً وقع بالقاهرة سنة ١٠١٢ م، ويدل على مدى اليأس الذي ملك قلوب الأقباط إزاء اضطهادات الحاكم الوحشية الجنونية يقول:
«اجتمع سائر من بمصر من الكتاب والعمال والأطباء وغيرهم مع أساقفتهم وكهنتهم، وتوجهوا إلى قصره (الحاكم)، وكشفوا عن رؤوسهم في باب القاهرة ومشوا حفاة، باكين مستغيثين إليه، يسألونه العفو والصفح. ولم يزالوا في طريقهم يقبلون التراب إلى أن وصلوا إلى مقره وهم في تلك الحال. فانفذ إليهم أحد أصحابه، وأخذ منهم ورقة كانوا قد كتبوها يلتمسون عفوه عنهم، وإزالة سخطه، فأعاد إليهم الرسول ورد عليهم رداً جميلا»١٨.
لم يتحمل أقباط مصر من الاضطهاد، منذ دخول العرب مصر، أكثر ولا أسوأ مما تحملوه في عهد الحاكم بأمر الله. ونحن نسجل هنا ما دونه المؤرخ المسلم المقريزي عن وحشية الحاكم في معاملته للأقباط، يقول:
«قدم اليعاقبة (الأقباط) زخارياس بطريركاً، فأقام ثماني عشرين سنة، منها في البلايا مع الحاكم بأمر الله تسع سنين. فاعتقله منها ثلاثة أشهر، وأمر به فألقى للسباع هو وسوسنة النوبي فلم تضره.. وفي بطريركيته نزل بالنصارى شدائد لم يعهدوا مثلها. وذلك أن كثيراً منهم كان قد تمكن في أعمال الدولة حتى صاروا كالوزراء. وتعاظموا لاتساع أحوالهم وكثرة أموالهم، فاشتد بأسهم وتزايد ضررهم ومكايدتهم للمسلمين. فأغضب الحاكم بأمر الله ذلك، وكان لا يملك نفسه إذا غضب».
وبعد أن عدد المقريزي ألواناً من أنواع الاضهادات التي أشرنا إليها سابقاً يقول:
«وأخذ (الحاكم بأمر الله) في هدم الكنائس كلها وأباح ما فيها، وهو محبس عليها (موقوف عليها) للناس، نهباً وإقطاعاً. فهدمت بأسرها، ونهب جميع أمتعتها، وأقطع أحباسها (أوقافها)، وبنى في مواضعها المساجد. وأذن بالصلاة في كنيسة شنودة بمصر، وأحيط بكنيسة المعلقة في قصر الشمع.. وكتب إلى ولاة الأعمال بتمكين المسلمين من هدم الكنائس والديارات (الأديرة)، فعم الهدم فيها من سنة ٤٠٣ هـ (سنة ١٠١٣ م). ذكر من يوثق به في ذلك أن الذي هدم إلى آخر سنة ٤٠٥ هـ (١٠١٥ م) بمصر والشام وأعمالهما من الهياكل نيف وثلاثون ألف بيعة، ونهب ما فيها من آلات الذهب والفضة، وقبض على أوقافها، وكانت أوقافها جليلة.. فاجتمعوا بأسرهم تحت القصر من القاهرة، واستغاثوا ولاذوا بعفو أمير المؤمنين حتى أعفوا من النفي. وفي هذه الحوادث أسلم كثير من النصارى»١٩.
لقد استمر اضطهاد الحاكم للأقباط تسع سنين، كانت الثلاثة الأخيرة منها أشد هولا، إذ أمر بابطال العبادة في جميع الكنائس ماعدا الأديرة الكائنة في الجبال. فكان الشعب يقدمون رشوة لحكام الأقاليم ليسمحوا لهم بممارسة شعائر العبادة في البيوت سراً، ويقدسون ويتناولون الأفخارستيا سراً.. وهال الحاكم عدم تنفيذ أمره بالدقة الكاملة، فاتجه إلى محو المسيحية من كل دولته. وضيق على الكهنة، وهرب عدداً كبيراً منهم إلى الأديرة النائية فتتبعهم وقتلهم.
٤ - وإن كان كثيرون قد أكرهوا على اعتناق الاسلام، وبالفعل أسلم عدد كبير منهم، لكن كثيرين أيضاً جاهروا بايمانهم المسيحي ولم يخشوا بطش الحاكم، ومن هؤلاء الشماس بقيرة الرشيدي أحد رؤساء كتاب الديوان.
ترك خدمة الديوان وحمل صليبه ومضى إلى قصر الحاكم، وصاح على بابه «المسيح ابن الله» فلما سمع الحاكم صوته أمر باحضاره، وطلب إليه أن يجحد إيمانه المسيحي ويعتنق الاسلام، فرفض، وكان كالصخرة القوية التي لا تضطرب. وكان كلما خاطبه زاد صياحه وقال «المسيح ابن الله». فأمر بأن يقيد بالقيود الحديدية ويلقى في السجن. رغم هذه القيود الحديدية كان دائماً قائماً للصلاة ووجهه إلى الشرق يصلي «مع ثقل الحديد الذي هو مغلول به».. وزاره إنسان في السجن، وقال له متنبئاً أن يخبر أسرته أنه قبل مغيب شمس ذلك اليوم سيكون معهم في المنزل، وبالفعل أفرج عنه الحاكم في ذات اليوم، وكتب بأن لا يعترض أحد بقيرة الرشيدي في بيع أو شراء ولا في أمر من الأمور.
فلما خرج من السجن طاف على النصارى الذين تملكهم الخوف وطمأنهم أنه بعد ثلاثة أيام تزول عنهم الشدة. وفي اليوم الرابع تم ما قاله، وأصدر الحاكم أمراً بأن يتعامل المسلمون مع النصارى في البيع والشراء، وصرح لهم بمغادرة مصر إن أرادوا إلى بلاد الروم أو الحبشة أو النوبة أو غيرها. وكانوا قبل ذلك ممنوعين من ذلك.. ترك بقيرة الديوان وتفرغ لافتقاد المحبوسين وحمل ما يحتاجون إليه. وكان يرعى الفقراء والمعوزين وكان رحيماً جداً. وكان يصوم يومياً حتى المساء، ويمضي معظم الليل في الصلاة.. ومما يذكر عن محبته للرحمة أنه في أحد الأيام اشترى خبزاً كعادته ووزعه على «المستورين والفقراء» حتى أنه لم يبق لنفسه سوى رغيفاً واحداً. فجلس ليتناول إفطاره بهذا الرغيف فشكر ومد يده ليأكل فسمع الباب يدق. فقال لغلامه أبصر الباب، فخرج الغلام فوجد إنساناً مستوراً، فقال له قل للشيخ بقيرة نسيتني اليوم وما عندي ما أفطر به، فدخل الغلام إليه وأعلمه ما قاله الرجل، فدفع له الرغيف وبات طاوياً إلى الليل ثاني يوم.
وحدث أن إنسان جليل القدر في قومه غنياً جداً وأضنى عليه الدهر وافتقر وفقد ماله حتى لم يبق له شيء إلا الثياب التي تستر جسده. وعلم الشماس بقيرة بظروف هذا الانسان فأنفذ إليه عشرة أرادب قمح مع غلامه. ولم يكن هذا الرجل موجوداً فأفرغ الغلام القمح أمام زوجته وقال لها أنه مرسل من عند بقيرة الرشيدي الكاتب. فلما عاد الرجل وسمع بذلك انزعج جداً لافتضاح أمره وبدأ يبكي. فهدأت زوجته من خاطره وطلبت إليه أن يقوم ليصلي، وأن يرد القمح لصاحبه في اليوم التالي.. «فلما نام تلك الليلة رأى في منامه السيد المسيح قايم أمامه، فقال له لماذا أنت وجع القلب. فقال له يا سيد كيف لا يوجعني قلبي وأنا من بعد ذاك الغنى والرحمة التي كانت لي.. وقد انتهى بي الأمر إلى هذا الفقر حتى صرت أتصدق. والاصلح لي أن أموت بالجوع أفضل من هذا. فقال له لا تحزن فان هذا القمح ما هو لأحد بل هو لي. وأنا أنفذته لك على يد وكيلي. قال له يا سيد ما جائني لك وكيل بل بقيرة الرشيدي أنفذه لي. فقال له الرب كأنك ما علمت إلى الآن أن بقيرة وكيلي. فلما سمع هذا استيقظ وأعلم زوجته بالمنام وطاب قلبيهما»٢٠.
٥ - ولم يقتصر الأمر عل المجاهرة بالايمان المسيحي رغم بطش الحاكم وجبروته، بل أن كثيرين جاهروا علانية بطلب العودة إلى مسيحيتهم.. يقول كاتب تاريخ البطاركة «بعد ذلك وقف له جماعة من النصارى الذين أسلموا، فقال لهم ماذا تريدون. قالوا له تعيدنا إلى ديننا. فقال لكل واحد منهم أين زنارك وصليبك وغيارك، فأخرجهم له من تحت ثيابه. فأمرهم بلباسهم بين يديه. وأنفذ مع كل واحد ركابي يكتب له سجل يكون بيده بأن لا يعترض. فعادوا كثيرين ممن أسلموا إلى دينهم٢١.
وكان ممن أسلم راهب اسمه بيمين عاد إلى مسيحيته، وأعطاه الله نعمة في عيني الحاكم بأمر الله. فسأل الحاكم أن يمكنه من عمارة دير خارج مصر على اسم الشهيد مرقوريوس وهو دير شهران٢٢ (المعروف حالياً باسم دير الأنبا برسوم العريان ببلدة المعصرة القريبة من حلوان). وصرح له الحاكم بذلك، وبناه وسكنه مع رهبان آخرين.. وتطور الأمر وصار للراهب بيمين هذا دالة عند الحاكم بأمر الله. وكان يتردد كثيراً على هذا الدير «ويقيم هناك، ويأكل من طعامهم الحقير. وكان كل من له حاجة عند الحاكم يمضي إلى بيمين الراهب يخاطبه عليها وقت حضوره عنده فيقضيها له»٢٣.. بل أن بيمين توسط بين البطريرك الأنبا زخارياس وبين الحاكم، وكان البطريرك في ذلك الوقت في دير أبي مقار بوادي النطرون، وسنشير إلى ذلك في سيرة هذا البطريرك، وكان قد أمضى به تسع سنوات.
٦ - ولا يمكن أن ننهي كلامنا عن الحاكم بأمر الله دون أن نشير إلى الضربة القاسمة التي تلقتها اللغة القبطية على يديه. فقد أصدر أوامر مشددة بابطال استخدام اللغة القبطية نهائياً (لا في دواوين الدولة، فهذا قد حدث منذ سنة ٧٠٥ أو سنة ٧٠٦ م في خلافة الوليد بن عبد الملك الأموي، وولاية واليه على مصر عبد الله بن عبد الملك الذي كان يمقت النصارى مقتاً شديداً وأمر باستخدام اللغة العربية لغة رسمية في الدواوين).. لكن ما فعله الحاكم هو أنه أصدر أوامر مشددة بابطال استخدام اللغة القبطية نهائياً في المنازل والطرقات العامة، ومعاقبة كل من يستعملها بقطع لسانه، وضيق على الأولاد والبنات والسيدات بالبيوت، بالأمر بقطع لسان كل سيدة تتكلم القبطية مع أولادها وأطفالها. وكان الحاكم في موقفه من اللغة القبطية قدوة لبعض الحكام الطغاة الذين جاءوا بعده.
٧ - أخيراً بعد أن سفك دماء زكية كالأنهار، وبلغ عدد من قتلهم ثمانية عشر ألف إنسان٢٤، وبعد أن ادعى الألوهية، عاد وأظهر سماحة نحو الأقباط، وسمح لهم بالتعييد علانية، بل حثهم على إعادة بناء كنائسهم وأديرتهم وزيادة رهبانهم، وأصدر أماناً لهم جاء فيه «بسم الله الرحمن الرحيم، هذا كتاب من عبد الله ووليه المنصور أبي علي الامام الحاكم بأمر الله أمير المؤمنين ابن العزيز بالله.. لجماعة النصارى بمصر، عندما أنهوا إليه الخوف الذي لحقهم والجزع الذي هالهم.. وإجابتهم إلى ما سألوا فيه من كتب أمان لهم.. فأنتم جميعاً آمنون بأمان الله وأمان نبيه وأمان أمير المؤمنين على بن أبي طالب. هذا أمان على نفوسكم ودمائكم وأولادكم وأموالكم وأملاككم، وما تحويه أيديكم أماناً صريحاً ثابتاً»٢٥.
المستنصر بالله (١٠٣٥ - ١٠٩٤ م)
حكم مصر مدة طويلة بلغت نحو ستين سنة، إذ ارتقى الخلافة وهو بعد صبي في السابعة من عمره. وفي زمانه حلت بمصر أيام سود عرفت في التاريخ باسم «الشدة العظمى»، استمرت سبع سنوات (١٠٦٦ - ١٠٧٢ م) بسبب انقطاع ماء النيل. فحدثت مجاعات وانتشرت الأوبئة، وترتب على ذلك قيام الحروب الأهلية في مصر نتيجة الغلاء الفاحش وندرة القوت وكانت أقصى أوقات الشدة بين سنتي ١٠٦٩ و ١٠٧٠ م.. وقيل أن الموت كان يحصد كل يوم عشرة آلاف نفس. وأكل الناس القطط والكلاب. وخطف الناس بعضهم بعضاً. وبيع لحم الانسان عند القصابين.. وأكل الناس الجيف. وحصد الطاعون الناس حصداً ذريعاً. كما حدثت مصادمات بين الجند الأتراك والسودانيين الذين كانت تناصرهم أم الخليفة المستنصر، والتي كانت جارية سوداء ابتعاها أبوه الخليفة الظاهر (١٠٢٠ - ١٠٣٦ م) من تاجر يهودي.. ولكن الغلبة كانت للجند الأتراك.. وقد نهب الجنود المرتزقة قصر الخليفة نفسه، وجردوه من ثروته، فاضطر الخليفة أن يفترش حصيرة في قصره الذي أصبح خالياً من كل أثاث. ضربت الفوضى أطنابها في البلاد فكثر تغيير الوزراء واستبدالهم بغيرهم حتى تقلب على الوزارة نحو خمسة وثلاثون وزيراً في مدة اثنتي عشرة سنة. ولم تكن هذه التقلبات تزيد الأعمال إلا ارتباكاً والبلاد اختلالا٢٦.
١ - وكان للمستنصر وزير سيء التدبير يسمى محمد اليازوري، كان شديد الكراهية للمسيحيين عامة وللأقباط خاصة. لميل الخليفة إليهم، فكان يترقب فرصة للايقاع بهم وكان ذلك في حبرية البابا خرستوذولوس ٦٦.. واتفق أن شخصاً يسمى عبد الوهاب أبا الحسين عين قاضياً على الاسكندرية، وكان يتوقع أن ينال شيئاً من الأقباط على يد بطريركهم على سبيل العطية. فلما يأس من أن ينال مراده، وعلم مشاعر الكراهية التي كانت في نفس الوزير اليازوري من نحو الأقباط، وشى بالبطريرك عنده وادعى عليه أنه ظلم أناساً واغتصب أموالهم وبنى بها قصراً شامخاً وكنائس في ناحية يقال لها دمرو حتى صارت القسطنطينية الثانية٢٧، وأنه يحتقر الاسلام.
فأرسل الوزير على الفور رجالا وأمرهم بهدم كنائس تلك الجبهة، وقيل أنه كان بها سبعة عشرة كنيسة.. ومما يذكر أن البطريرك أنبا خرستوذولوس كان قد بنى له داراً لاقامته نقش على بابه البسملة المسيحية «باسم الأب والأبن والروح القدس الاله الواحد». فكان أول ما فعله مندوب الوزير اليازوري أنه كشط كلمات هذه البسملة التي على الباب. ولما رأى البطريرك ذلك قال له في شجاعة وصراحة «إذا كشطته من على الباب فما تقدر أن تكشطه من قلبي» (تاريخ البطاركة، المجلد الثاني - ج ٣، الصفحة ١٧٦).
وتعمد مضايقة النصارى فصار يثير خواطر المسلمين عليهم ويحرضهم على التحزب ضدهم، ولكنه لم يجد منهم إلا الاعراض لأن الناس كانوا في شغل شاغل بسبب الضيق الذي كانت تعاني منه البلاد نتيجة القحط والوباء.. ولما لم يجد فائدة من هذه السياسة قبض على البطريرك وبعض أساقفة الوجه البحري واعتقلهم وأرسلهم إلى القاهرة مدعياً عليهم دعاوى باطلة لا أساس لها.. أما الخليفة المستنصر فرغم تمويهات الوزير لم يجد عليهم ما يوجب هذه الاهانة، فأخلى سبيلهم وطيب خاطرهم وصرفهم إلى مراكزهم، فشق هذا على الوزير ولشدة غيظة أمر بقفل جميع الكنائس المسيحية في أنحاء البلاد. ثار المسيحيين جميعاً على اختلاف مذاهبهم وتجمهروا، وكادت تحدث فتنة لولا أن تدخل الخليفة، فقبض على هذا الوزير المستبد ونفاه إلى جهة تانيس. وبعد قليل قتله لأنه كان يهيج المسلمين عليه وينسبه إليه أموراً كاذبة. وقيل أنه مات ميتة شنيعة بعد مرض عضال٢٨.
٢ - ومن أمثلة مظالم اليازوري للأقباط وانتهازه كل فرصة ليغتصب منهم المال، اتهامه البطريرك ٦٦ خرستوذولوس بتحريض ملك النوبة المسيحي بعدم القيام بواجباته نحو الخليفة الفاطمي، ومن ثم ألقى اليازوري القبض على البطريرك دون أي تحقيق، ووقع عليه غرامة مائة دينار. ولما جيء بالبطريرك إلى القاهرة أرسل إلى «عبد الله» محافظ منطقة مصر السفلى، الذي اقتنع ببرائته، فذهب إلى اليازوري وأخذ منه في الحال تصريحاً باطلاق سراحه٢٩.
٣ - كان رأس القديس مرقس الانجيلي محفوظاً في الاسكندرية بمنزل أبي يحيى بن زكريا. فلما مرض يحيى مرضه الأخير، اجتمع عشرة من أراخنة الأقباط وأبدوا مخاوفهم في حالة موت يحيى بن زكريا أن توضع ممتلكاته وأمواله تحت الحراسة وأن تقع الذخيرة المقدسة - رأس مار مرقس - في أيدي المسلمين. فاتفقوا على نقل الصندوق الذي كان يحوي الرأس المقدس إلى منزل أبي الفتح والد المؤرخ الذي أتم تاريخ البطاركة. ولما كان أبو الفتح قد سبق وذاق نير الاضطهاد والتغريم. فخشى أن يغضب عليه الخليفة، ورفض حفظ الذخيرة المقدسة لديه. وعنئذ نقل رأس مار مرقس إلى منزل سرور بن مطروح الذي كان يقيم بمنزل مقابل أبو الفتح. ثم أتى القس سيمون الذي كان كاهناً لبيعة مار مرقس وطلب أن يأخذ الرأس المقدسة ويقوم على خدمتها هو وأخوه. فلما بلغ الوزير اليازوري هذه الأخبار أمر بالقبض على أبي الفتح وعلى جميع النصارى الذين اشتركوا في نقل الصندوق. وحتم «كوكب الدولة» محافظ الاسكندرية أن يعاد إليه رأس القديس مار مرقس ومعه مبلغ العشرة آلاف دينار التي ادعى أنها كانت مع الرأس.
ونجح المقبوض عليهم في نيل الافراج عن أنفسهم ماعدا أبو الفتح الذي أرسل إلى الفسطاط حيث اعتقلته السلطات ليضطر إلى دفع المبلغ الذي حدده المحافظ. (وقال المحافظ أن الروم أبدوا الاستعداد لدفع عشرة آلاف دينار مقابل الرأس).. فظل أبو الفتح في الحبس سبعة وثلاثين يوماً. وكان يقول في نفسه أن ما ناله من ضيق هو بسبب رفضه أخذ رأس مار مرقس ورده من باب داره. وكان حارس السجن رجلا مسلماً يدعى بركات فقال لأبي الفتح في صبيحة اليوم السابع الثلاثين «يا شيخ أبو الفتح رأيت الساعة انسان شاب بلحية سوداء على جبينه ضربة ووقف على هذا الباب وهو يقول يا أبو الفتح بن مفرج أنا مرقس الانجيلي، قد ربحت نفسك بصبرك. وكلام آخر غير هذا ما فهمته وخذ هذه تخلص. ورمى من يده اليمني حصاة لها ثلاثة رؤوس وقال إلى ثلاثة أيام تتخلص. فقال له والدي أئتني بضوء حتى أبصر ما قلت. فأتاه الضوء لأنه كان سجن مظلم، فوجد الحصاة مطروحة قدامه. فأخذها وتأملها وقبلها وشدها على ذراعه.. وبعد نظر السجان لهذا المنام بثلاثة أيام أنفذ مضاد الدولة.. وقرر حاله على خمسمائة دينار سوى مائة دينار أخرى لأصحابه لتمام ستمائة دينار. وقام بها وأفرج عنه ووصل إلى الاسكندرية وأخذ الرأس وقبلها كأنه لم يصبه شيء٣٠.
٤ - وقد مد بعض المسلمين يد المساعدة أحياناً إلى الأقباط.. وسبق أن أشرنا إلى ما قام به «عبد الدولة» مع البطريرك وكيف أفرج عنه بعد أن اقتنع ببراءته.
وهناك أيضاً «حصن الدولة» الذي كان والياً على الاسكندرية، وكان يحب النصارى. فلما أصدر الوزير البازوري أمره باغلاق كنائس الاسكندرية ومصادرة كل ما فيها من نفائس وفرض غرامة على نصارى المدينة تبلغ عشرة آلاف دينار، ما كان من هذا الوالي «حصن الدولة» إلا أن أرسل في طلب «موهوب بن منصور» مؤرخ سير البطاركة وخاله «صدقة بن سرور» - وكانا يخدمانه - وقال لهما «هذا كتاب الوزير البازوري قد وصل بغلق البيع والقبض على جميع مالها ومطالبة جميع النصارى بالاسكندرية بعشرة آلاف دينار. ويجب أن تمضوا الساعة وتنقلوا جميع ما في بيعكم من آلات وكساوي وغيرها..» وبالفعل أغلقت جميع الكنائس في اليوم التالي.. وانتهى الأمر بأن دفعوا ألفي دينار - ولما شكوا له بحرمانهم من الصلاة بسبب غلق الكنائس، سلمهم مفتاح كنيسة مار جرجس التي كانت أصلا بيت انيانوس ثاني البطاركة. وقال لهم «امضوا وافتحوا هذه الكنيسة وصلوا فيها سراً وادعو لي»، أخذوا المفتاح ومضوا إلى الكنيسة وحاولوا فتح بابها لمدة ست ساعات من الساعة الثالثة حتى التاسعة دون جدوى «فبكينا وتضرعنا وقلنا يا رب قد عرفنا أنك أغلقتها لأجل خطايانا وأثامنا فارحمنا واعف عنا فانفتح لنا الباب فدخلنا وقدسنا وتقربنا»٣١.
٥ - عمت الفوضى البلاد بعد وفاة البازوري. وانتهز رجال قبيلة البربر المعروفة باسم «اللواتة» فرصة ضعف المستنصر وهزيمة جيشه أمام قوات القائد التركي «ناصر الدولة»، فألقوا القبض على البطريرك خرستوذولوس. وبعد أن أذاقوه ألوان العذاب، ونهبوا داره وأخذوا أموال كثيرة كانت برسم مار مرقس والقديس مقار. فأسرع أبو الطيب الزراوي أحد الأقباط إلى كاتم سر ناصر الدولة يرجوه أن يفاوض قبيلة اللواتة من أجل إطلاق سراح البطريرك. وبالفعل تمكن من إطلاق سراحه بعد أن دفع فدية قدرها ثلاثة آلاف دينار.. غير أن هذا الاتفاق لم يضع حداً لأعمال السلب التي كانت تقوم بها هذه القبيلة. فقد اجتاحت الوجه البحري ونهبت أديرة وادي النطرون، وقتلت معظم رهبانها، ومزقت شمل الباقين، وارتكبوا فظائع بشعة فنهبوا البلاد «وقتلوا أهلها وهتكوا أعراض النساء، وذبحوا الأولاد على بطون أمهاتهم وعلى ظهور آبائهم، ونهبوا الكنائس وخربوها، وكشطوا وجوه صور القديسين٣٢.
٦ - ومما زاد الأمور سوءاً وصعوبة انتشار المجاعة لمدة سبع سنوات (١٠٦٦ - ١٠٧٢ م) بسبب انقطاع ماء النيل كما أشرنا قبلا، وأخذ ناصر الدولة قائد القوات التركية يتحدى الخليفة. فلم يكن من الخليفة إلا أن استدعى بدر الجمالي (الذي كان عبداً أرمنياً ثم أسلم) من عند الأمير السوري جمال الدولة بن عمار، وقد اشتهر بدر الجمالي بقوة شكيمته وحدة ذكائه وحسن إدارته. وكان يعتمد على قوة من الأرمن وبعض الفرق المحلية.. ولم يقبل بدر الجمالي الحضور إلى مصر إلا بعد أن أملى شروطه على الخليفة وتتخلص في ضرورة استبدال الجنود الأتراك بجنود من سوريا حتى يضمن للبلاد الأمن والسلام.. وافق الخليفة على هذه الشروط وسلمه الخليفة براءة مزينة بالألقاب الآتية «السيد الأجل أمير الجيوش سيف الاسلام ناصر الامام كافل قضاة المسلمين وهادي دعاة المؤمنين».
وبدأ بدر الجمالي عمله باغتيال أمراء الأتراك أثناء مأدبة أعدها لتكريمهم. فلما خلا الجو من المعارضين أخذ يعمل بكل ما أوتي من نشاط لانماء موارد البلاد والمحافظة على الأمن داخل البلاد وخارجها.
ومن الطبيعي أن تميل العلاقات بين المسلمين والنصارى إلى الاعتدال في ظل حكومة حكيمة. وكان النصارى ينظرون بعين الرضى إلى هذا الأرمني الذي حكم البلاد حكماً مطلقاً، ذلك لأنهم كانوا يعتبرونه رغم اعتناقه الاسلام، واحداً منهم. كما كان هو أيضاً يشملهم بعطفه ويفصل بالعدل في الشكاوى المقدمة منهم. ولم يترددوا في طلب تحكيمه في منازعاتهم الدينية البحتة، ويؤيد ذلك حادث وقع في سنة ١٠٨٢ م، فقد تقدم إلى بدر الجمالي خمسة أساقفة من الأقباط ومعهم واحد من أعيان الأقباط يشكون إليه البطريرك كيرلس الثاني (١٠٧٨ - ١٠٦٢ م). وكان المحرض على ذلك يوحنا بن الظالم أسقف سخا. فرأى بدر الجمالي أنه ليس من شأنه أن يفصل في مثل هذه الشكوى. لكنه أمر البطريرك بعقد مجمع عام من أساقفة مصر كلها. وبالفعل اجتمع ٤٧ أسقفاً وحضره بدر الجمالي. وبعد أن حثهم الوزير بالوئام والاتحاد، طلب إليهم أن يحترموا رئيسهم الديني. وأوصاهم بعدم جمع الأموال وتكديسها، وأبان لهم صرف الايرادات المحتملة على أسقفياتهم في أوجه البر. ثم صرفهم بعد أن سلم كل واحد منهم جوازاً يحميهم من كل ظلم٣٣.
لكن لا ينبغي فهم عطف الوزير بدر الجمالي على النصارى بأنه كان تحيزاً أو ممالاءة. فقد شكا له بعض التجار المسلمون أن بقطر أسقف النوبة هدم مسجداً. فما كان منه إلا أن أمر في الحال بالقبض على البطريرك خرستوذولوس ٦٦ وحمله مسئولية هذا العمل.. أضف إلى ذلك أن بدر الجمالي أصدر مرسوماً سنة ٤٧٩ هـ يأمر فيه النصارى واليهود أن يتمنطقوا بزنار أسود وأن يدفعوا ضريبة استثنائية قدرها دينار وثلث عن كل فرد٣٣.
توفى الوزير بدر الجمالي سنة ١٠٩٤، تعين الخليفة تلقائياً الأفضل بن بدر وزيراً ومنح لقب «شاهنشاه».. وبعد وفاة بدر الجمالي ببضعة شهور توفى الخليفة المستنصر، ونشبت أول حرب صليبية في حكومة الأفضل وشاهنشاه وسنتكلم عنها فيما بعد.
(هـ) نهاية الدولة الفاطمية:
بوفاة المستنصر بدأ عصر الضعف في الدولة الفاطمية، وتميز بازدياد نفوذ الوزراء الذين استعان بهم الخلفاء الضعاف مثل شاور وأسد الدين شيركوه وصلاح الدين.
وانتهى الحكم الفاطمي بالخليفة الفاطمي العاضد (١١٦٠ - ١١٧١ م)، وفي عهده حدثت كارثة شديدة للأقباط، هذه الكارثة هي حرق مدينة الفسطاط القديمة - وكان أغلب سكانها من الأقباط، وكان ذلك سنة ١١٦٨ م بواسطة شاور وزير العاضد، وذلك لكي يحول دون وقوعها في أيدي عموري صاحب إمارة أورشليم اللاتينية الذي كان يهدف إلى استخدامها كقاعدة لغزو مصر كلها. وقرر شاور أن يقضي على تطلعات الغزو الصليبي بصب عشرين ألف برميل من المواد الملتهبة على مدينة الفسطاط ذات الموقع الاستراتيجي. واستخدم رجاله عشرة آلاف مشعل ليشعلوا فيها النيران التي استمرت متوهجة لمدة خمسين يوماً. وبين عشية وضحاها أصبح أقباط الفسطاط معدمين، وخسروا كل شيء. ولا شك أن هذه كانت إحدى الكوارث الجانبية التي حلت بالأقباط نتيجة الحروب الصليبية.
حياة الأقباط الاجتماعية:
من المفيد ونحن نختم كلامنا عن الفاطميين الذين استمر حكمهم لمصر لمدة مائتي سنة أن نتكلم عن حياة الأقباط الاجتماعية واحتفالاتهم بأعيادهم.
خلف الفاطميون حضارة زاهرة من نواحي مختلفة. يكفي أن نذكر أن مدينة القاهرة عاصمة البلاد حتى اليوم أنشأها الفاطميون.. يقول الدكتور على ابراهيم حسن «يمكن القول أن تقدم الفنون في العصر الفاطمي يرجع بوجه خاص إلى مهارة الصناع الأقباط. ويتبين ذلك بسهولة من الصور الجميلة والمجموعات الفنية في دور الآثار. فان من بينها التحف العجيبة والآثاث والملابس وقطع البللور. وزادت أهمية القبط حين اتضحت قدرتهم في الطب. فقد اتخذ الخلفاء أطبائهم من بينهم. ومنهم سهل بن كيسال الذي تمتع بعطف الخليفة العزيز. وكذلك أبو الفتح سهل بن مقشر الطبيب الخاص للعزيز والحاكم»٣٤.
لقد كانت معظم الصناعات والحرف بيد الأقباط. فكان منهم الصناع المهرة كالصباغ والجواهرجية والنجارين وأرباب الحياكة والصباغة والبنائين والحدادين والمهندسين والنقاشين، وصناع الورق.
ومازالت آثار صناعاتهم باقية في الآثار القديمة بكنائس حارة زويلة وحارة الروم ومصر القديمة خاصة كنيستي المعلقة وأبو سيفين.
أما عن الأعياد القبطية فقد أسهب الكتاب والمؤرخون المسلمون في الكلام عنها.. يقول الدكتور علي ابراهيم حسن أن «الخلفاء الفاطميين احتفلوا بأعياد الأقباط بكثير من مظاهر الأبهة والعظمة.. مشاركة لهم في شعورهم الديني وأهمها ليلة الغطاس والنوروز وخميس العهد. وكانت ليلة الغطاس من أعظم الاحتفالات التي اشترك في إحيائها المسلمون. فقد كان الناس يسهرون طول الليل، وتسرج المشاعل وتدق الطبول وتقام الملاهي، ويظهر الأهالي بأعظم مباهج السرور والغبطة.. كذلك احتفل الفاطميون بالنوروز بكثير من مظاهر الأبهة والعظمة، وكان من المعتاد إذا حل عيد النوروز أن توزع على الناس الملابس والنقود وكذلك البطيخ والرمان والموز والتمر والسفرجن والهريسة المصنوعة من لحوم الدجاج والضأن والبقر.. وقيل أن الفاطميين اتخذوا أميراً سموه «أمير النوروز»، مهمته الخروج في موكب حافل في ذلك العيد لتوزيع الهدايا على رجال الدولة على اختلاف درجاتهم. أما خميس العهد فهو أحد الأعياد التي بقيت في عهد الفاطميين مشاركة منهم للنصارى في شعورهم الديني.. وكان الاحتفال بهذا العيد يمتاز بالهدايا التي ينالها كبار الموظفين وغيرهم من الرجال المشهورين»٣٥. ونضيف إلى ذلك أن الحكومة في عهد الفاطميين كانت تسك خمسائة دينار ذهب بمناسبة خميس العهد، وكان هذا المبلغ يوزع على جميع أرباب الرسوم.
ومن الأعياد التي كان يحتفل بها احتفالا عظيماً في عهد الفاطميين عيد الميلاد. ويذكر المؤرخ المقريزي أن الدولة كانت توزع الحلويات القاهرية وأنواع مختلفة من الأطعمة عل أرباب الدولة أصحاب السيوف والأقلام.. وكانت تباع فيه الشموع المزهرة بالأصباغ والتماثيل البديعة فلا يبقى أحد من الناس أعلاهم وأدناهم حتى يشترى من ذلك لأولاده وأهله. وكانوا يسمونها الفوانيس وأحدها فانوس ويعلقون منها في الأسواق بالحوانيت شيئاً يخرج عن الحد في الكثرة والملاحة»٣٦.
- (٣) هو منشأ بن ابراهيم الفرار، عينه العزيز والياً على بلاد الشام (انظر: دكتور جمال سرور، الدولة الفاطمية بمصر، الصفحة ٨٧).
- (٤) أدم متز، ج ١، الصفحة ١١٤ عن الكامل في التاريخ لابن الأثير.
- (٥) دكتور جمال سرور، الدولة الفاطمية الصفحة ٨٧ - أقباط ومسلمون، الصفحة ١٢٤.
- (٦) Stanly Lane Poole, History of Egypt in the Middle Ages p. 119، وأقباط ومسلمون، الصفحة ١٢٥.
- (٧) أقباط ومسلمون، ص ١٢٥، ١٢٦ - ويروي المقريزي القصة باختصار (أدم متز ج ١ من الحضارة الأمية)، الصفحة ١١٤.
- (٨) دكتور جمال سرور، الدولة الفاطمية في مصر، ص ٨٧ (عن تاريخ يحيى بن سعيد الأنطاكي).
- (٩) أقباط ومسلمون ص ١٢٧، ١٢٨ (عن ابن القلانسي - ذيل تاريخ دمشق).
- (١٠) Stanly Lane-Poole, History of Egypt in the Hiddle-the Middle ages pp. 125, 126.
- (١١) دكتور جمال سرور، الدولة الفاطمية في مصر، الصفحة ٩٢.
- (١٢) دكتور جمال سرور، الدولة الفاطمية في مصر، ص ٩٤، ٩٥.
- (١٣) سيرة الأنبا زخارياس البطريرك ٦٤، تاريخ البطاركة، المجلد الثاني، ج٢، الصفحة ١٢٣.
- (١٥) أقباط ومسلمون، ص ١٢٩، ١٣٠.
- (١٦) دكتور قاسم عبده قاسم، أهل الذمة في مصر - العصور الوسطى، الصفحة ٥٦.
- (١٧) أقباط ومسلمون، ص ١٣٠، ١٣١.
- (١٨) الأنطاكي - عن أقباط ومسلمون، الصفحة ١٣١.
- (١٩) المقريزي، الخطط، ج ٤، الصفحات من ٣٩٨ إلى ٤٠٠.
- (٢٠) سيرة الأنبا زخارياس البطريرك ٦٤، تاريخ البطاركة، المجلد الثاني، ج٢، الصفحات من ١٢٨ إلى ١٣١.
- (٢١) سيرة الأنبا زخارياس البطريرك ٦٤، تاريخ البطاركة، المجلد الثاني، ج٢، الصفحة ١٣٥.
- (٢٢) هي اسم البلدة التي كان بها الدير وكانت عامرة وآهلة ثم تخربت.
- (٢٣) سيرة الأنبا زخارياس البطريرك ٦٤، تاريخ البطاركة، المجلد الثاني، ج٢، الصفحة ١٣٥.
- (٢٤) سيرة الأنبا زخارياس البطريرك ٦٤، تاريخ البطاركة، المجلد الثاني، ج٢، الصفحة ١٢١.
- (٢٥) دكتور جمال سرور، الدولة الفاطمية في مصر، ص ٨٨، ٨٩ - عن تاريخ يحيى بن سعيد الأنطاكي.
- (٢٦) دكتور على ابراهيم حسن، مصر في العصور الوسطى، الصفحة ١٢٠.
- (٢٧) اسمها الأصلي دمرو الكنائس وهي تتبع مركز المحلة الكبرى - محمد رمزي، القاموس الجغرافي، القسم الثاني - ج ٢، الصفحة ١٩. وقد اتخذ بعض البطاركة دمرو مركزاً لرئاستهم بعد أن انتقل الكرسي من الاسكندرية. آخر بطريرك كان مقره الاسكندرية هو البابا شنودة الأول ٥٥، بعد ذلك اتخذ دمرو مقراً للكرسي وأقام إقامة دائمة أو مؤقتة البطاركة: مكاريوس الأول ٥٩، وفيلوثاوس ٦٣، وزخارياس ٦٤، وشنودة الثاني ٦٥، وخرستوذولوس ٦٦، وهو آخر من أقام بها بعدها انتقل إلى الكنيسة المعلقة بمصر القديمة.
- (٢٨) يعقوب نخلة رفيلة، تاريخ الأمة القبطة، ص ١٣٢، ١٣٣ - تاريخ البطاركة، المجلد الثاني، ج ٣، الصفحة ١٧٦ - سيرة أنبا خرستوذولوس.
- (٢٩) أقباط ومسلمون، الصفحة ١٣٨.
- (٣٠) تاريخ البطاركة، المجلد الثاني، ج ٣، الصفحات من ١٧٤ إلى ١٧٦ - أقباط ومسلمون، ص ١٣٨، ١٣٩.
- (٣١) تاريخ البطاركة، المجلد الثاني، ج ٣، ص ١٧٨، ١٧٩ - أقباط ومسلمون، ص ١٣٩، ١٤٠.
- (٣٢) تاريخ البطاركة، المجلد الثاني، ج ٣، ص ١٨٣، ١٨٤ - أقباط ومسلمون، الصفحة ١٤٠.
- (٣٣) أقباط ومسلمون، ص ١٤١، ١٤٢.
- (٣٤) دكتور علي ابراهيم حسن، مصر في العصور الوسطى، الصفحة ٤٨٠.
- (٣٥) دكتور علي ابراهيم حسن، مصر في العصور الوسطى، ص ٤٨٦، ٤٨٧.
- (٣٦) المقريزي، الخطط عن أقباط ومسلمون، الصفحة ١٤٩.
From History of the Coptic Church after the Council of Chalcedon, parts 1 and 2, by Anba Youannis, Bishop of Gharbiya, edited by Amir Nasr, a special edition for the students of the Clerical College.
يُنشر هذا النص بإذن من إيبارشية الغربية.
Published with the permission of the Diocese of Gharbiya.