← Books · History of the Coptic Church after the Council of Chalcedon
الطولونيون والأخشيديون (٨٦٨ - ٩٦٩ م)
The Tulunids and Ikhshidids (868-969)
الطولونيون والأخشيديون (٨٦٨ - ٩٦٩ م)
ظلت مصر خاضعة خضوعاً تاما للخلافة العباسية طالما كانت الخلافة قوية الجانب. ولكن بدأ الضعف يدب في جسم الخلافة أثناء النزاع بين الأمين وأخيه المأمون ابني هارون الرشيد وما لبث هذا الضعف أن وضح بعد أن استعان الخليفة العباسي المعتصم - الذي كانت أمه تركية - بالأتراك في حكم الدولة. وكان من هؤلاء المماليك الأتراك طولون (أبو أحمد بن طولون)، أهداه والي بلاد ما وراء النهر (والي بخاري) للخليفة المأمون سنة ٨١٥ م وقد تحكم هؤلاء الأتراك في شئون الدولة المدنية والحربية، حتى أصبح بيدهم - منذ خلافة المتوكل على الله (٨٤٧ - ٨٦١ م) انتخاب الخلفاء وعزلهم. لذا نجد النزعة إلى الاستقلال تظهر في مصر بوضوح أثناء النزاع بين الأمين والمأمون.. وقد حكم مصر منذ سنة ٨٥٦ م حكاماً من الأتراك.
قدم أحمد بن طولون (الذي ولد في سبتبمر سنة ٨٣٥ - وهو الأبن الشرعي أو بالتبني لطولون) إلى مصر سنة ٨٦٨ م من قبل الأمير باكباك Bakbak صاحب أقطاعها (تزوج من أرملة طولون)، فوجد مصر ولاية إسلامية تامة التكوين (كان له من العمر ٣٣ سنة). ووجد الخلافة ضعيفة، فما لبث أن تحدى سلطة الخلافة، واستقل بمصر استقلالا فعلياً في واقع الأمر.. بل أكثر من هذا، فقد نجح في ضم سوريا إلى مصر، وفي تأسيس دولة طولونية دامت نحو ٣٨ سنة. وكانت هذه أول مرة تستقل فيها مصر بعد الفتح العربي.
أحمد بن طولون:
استمر أحمد بن طولون في حكم مصر ١٦ سنة، وتوفي سنة ٨٨٤، ولم يكمل الخمسين سنة من عمره.. يذكر المؤرخون المسلمون الكثير عن تقواه وفضله ومحبته للصدقة، وعدله. لكنهم يجمعون على أنه كان سريعاً جداً إلى استخدام السيف.. وقيل أنه قتل ١٨٠٠٠ (ثمانية عشر ألفاً) سواء بالسيف أو موتاً في السجن.. كان يحفظ القرآن عن ظهر قلب، بل قيل أنه كان يرتله، إذ كان ذا صوت رخيم. تعلم القرآن والفقه وأصول الدين على مذهب أبي حنيفة.. ورغم أنه تركي فما أن تولى زمام الحكم حتى أخذ في تثبيت دعائم سلطته باستمالة القلوب إليه، فخلع جباة الضرائب الدخلاء وعين بدلا منهم موظفين مصريين.. ويبدو أن مثل هذه المعاملة العادلة لم تعجب الجميع فثار العلويين غربي الاسكندرية سنة ٨٦٩. ولما خمدت ثورتهم اشعلها بقيتهم في منطقة أسنا بصعيد مصر. لكن ابن طولون نجح في الحالتين وقضى على الثوار.
وعلى الرغم مما يذكره المؤرخون عن عدله، فهناك نقطة موضع تساؤل الباحثين.. هذه النقطة هي أن أحمد بن طولون، رغم قصر المدة التي قضاها في حكم مصر (١٦ سنة)، فقد أقام من العمائر الشيء الكثير: في سنة ٨٧٠ م أسس حاضرة جديدة (عاصمة) سميت «القطائع» عند تلال يشكر في المنطقة الواقعة شمالي الفسطاط وتمتد إلى سفح جبل المقطم (سميت القطائع أو الأقسام لأن كل جنسية كالخدم واليونانيين والسودانيين أستقلت بقسم حدد لها S. Lanepoole P. 63) ومساحتها نحو ميل مربع، وأقام بها قصراً فخماً لنفسه. كما أسس مسجده المشهور الذي يحمل أسمه (لم يبدأ في بنائه قبل ٨٧٦/٨٧٧). واستغرق بنائه سنتين وأقام إلى جواره دار الامارة وهو في سبيل ذلك أمر بحرث قبور اليهود والنصارى وأختط موضعها مبنى القصر والميدان وبنى أتباعه حوله (S. lanepoole P. 63 - د. ترتون، أهل الذمة في الاسلام ص ٥٤ عن المقريزي والكندي: الولاة والقضاة). فمن أين أتي ابن طولون بالأموال الضخمة التي أنفقها في إقامة هذه المنشآت خاصة المسجد الضخم؟ لقد شك معاصروا ابن طولون من المسلمين في مصدر هذا المال لهذا السبب قال الناس بعدم جواز الصلاة فيه لأنهم لم يعرفوا أصل هذا المال أو مصدره.. ولكي يهدىء ابن طولون من روع الناس جمع (ابن طولون) الناس وألقى عليهم خطبة أقسم فيها أن ذلك الجامع لم يبن بها.. ومما أشيع في ذلك الوقت أن ابن طولون عثر على كنز استخدمه في بناء الجامع.. فقد أصلح ابن طولون مقياس النيل عند الروضة، كما أنشأ قناطر وبئر الصحراء بجهة البساتين.. ورغم كل هذه المنشآت في فترة وجيزة فقد ترك ابن طولون في خزائنه عشرة مليون ديناراً. والسؤال الذي يطرح نفسه، من أين كل هذه الأموال التي بنى بها العمائر، وخلفها بعد موته في خزائنه؟
وإجابة على هذا السؤال يقول المؤرخ الانجليزي Stanley Lanpoole في كتابه «تاريخ مصر في العصور الوسطى ص ٦٦، عن مصدر هذه الأموال» أنه أكثر من محتمل أن أحمد بن طولون كان من وقت لآخر يفرض غرامات باهظة على بطريرك الأقباط.
أحمد بن طولون والبابا شنودة الأول:
كان البطريرك المعاصر لأحمد بن طولون هو البابا شنودة الأول البطريرك ٥٥ (٨٥٩ - ٨٨٠ م). كان من بلدة البتانون، منوفية. ترهب بدير القديس أبو مقار في حبرية البابا يوساب الأول ٥٢. وصار أقنوماً للدير (ربيته). ولما تنيح البابا قزمان ٥٤ أختير الراهب شنودة ليكون بطريركاً خلفاً له.. وفي وصف هذا الأب البطريرك يقول ساويرس بن المقفع كاتب سير البطاركة «كان كلامه يشبه تواضعه» وكانت دموعه في كل حين قدام كل واحد. وإذا عزوه فيقول إذا ما تفكرت في مجد عروس المسيح التي هي البيعة وحسنها وعلوها الروحاني، ثم أذكر سيئاتي فلا أترك الحزن والبكاء بيني وبين نفسي».
وقد اهتم برد الضالين من الهراطقة، فاستطاع أن يقنع أقباط منطقة مريوط بخطأ معتقدهم بأن آلام المسيح بالجسد لم تكن حقيقية بل وهماً وخيالا.. وبالاضافة إلى هؤلاء المريوطيين قصد مدينة البلينا وكان أهلها قد سقطوا في بدعة تألم اللاهوت وتمكن البابا أيضاً من إقناعهم بفساد معتقدهم.
على أن المتاعب سرعان ما حلت بهذا البطريرك بسبب بعض أولاده...
(أ) حدث أن شماساً قبطياً طلب إلى البطريرك أن يرسمه أسقفاً بالسيمونية (مقابل مبلغ من المال)، فوبخه البابا ورفض رشوته، وهدده بتجريده من رتبة الشماسية إن لم يكف عن ذلك. لم يقف الأمر عند هذا الحد، بل أراد ذلك الراهب الشماس أن ينتقم لنفسه، استمال هذا الراهب الشماس إلى جانبه راهباً سورياً أتفق معه أن يقوم بدور البطريرك، وأحضر جماعة من الشهود لا يعرفون البطريرك، وأشهدهم أنه أقرض البطريرك مبلغاً من المال، وأخذ حجة.. علم أحد المؤمنين بهذه المؤامرة وأعلم بها البابا شنودة. وكان بمصر رجلا مسلماً يعتقد في البطريرك اعتقاداً جيداً فأحضره وأعلمه بما نما إلى علمه من أمر ذلك الشماس وما فعله. وطلب إليه البطريرك أن يحضر هؤلاء الشهود ويجلس هو بين الأساقفة ويطلب منهم أن يرشدوا إلى البطريرك الذين شهدوا عليه. وبطبيعة الحال لم يتعرف هؤلاء الشهود على البطريرك ولم يعلم الشماس الراهب بهذا الذي حدث. وبعد أيام مضى إلى القاضي وأخرج حجته طالباً إحضار البطريرك.. وطلب القاضي الشهود، فلما ذهب الشماس ليحضرهم لعنوه وشتموه، فرجع إلى القاضي وأعلمه أنه لم يجد شهوده. وأجل القاضي الأمر إلى الغد، فذهب البطريرك، ولكن الشماس المزور لم يتجاسر في الذهاب إلى القاضي، فصرف القاضي البطريرك، ولحقت الشماس المزور فضيحة عظيمة، واختفى مدة حضر بعدها إلى البابا شنوده وسأله الصفح بعد أن اعترف بذنبه، فقبله الأب البطريرك بعد أن نصحه من أقوال الكتب المقدسة.
وللأسف الشديد يذكر التاريخ أن بعض المسيحيين بالاسم سلكوا نفس سلوك هذا الشماس فكانوا يتهمون أخوتهم تهماً باطلة، حتى ينالوا حظوة لدى الولاة المسلمين، الذين كانوا يتخذون من تلك الوشايات الكاذبة ذريعة لاضطهاد الأقباط وسلب أموالهم.
(ب) ومن هؤلاء راهب موتور من جهة البشمور، هذا رجع في نذره وخلع زي الرهبنة وتزوج وقدم شكوى للوالي ضد البطريرك، فأعطى أمراً بخط الوالي وجماعة من الجند للقبض على البابا شنوده وبعض الأساقفة.. وبالفعل تم القبض على البطريرك وحمل إلى مصر، وكان يعاني من مرض النقرس ووضع في السجن مع الأشرار من اللصوص والقتلة.. وأمضى بالسجن أربعين يوماً.. ومن شدة ما كان يعاني من ألم كان بعض المسجونين يحملونه إلى حيث يزيل الضرورة.. أما الأساقفة الذين قبض عليهم فقد أمعن في إذلالهم فنزع عنهم ثيابهم الكهنوتية وألبسهم غيرها، وكان يهزأ بهم قدام الجميع.. أخيراً بعد الأربعين يوماً حنن الرب قلب الوالي فأطلق البابا شنودة من السجن بعد أن اتضح له كذب الشكوى.
والعجيب أن البابا شنودة - بعد كل المعاناة التي نالته بسبب هذا الراهب المرتد عن رهبنته - سامحه وأعطاه مالا ينفقه ودابة لتوصله وثلاثة أثواب.. فمضى وسكن بجوار صا الحجر وأخذ يضايق الكهنة ويؤذيهم بكثرة الشكاوى.. لكن الله انتقم منه أخيراً لأنه لم يتب، فاشتكاه بعض تجار الاسكندرية إلى واليها، فأمر بالقبض عليه وقيدوه بالسلاسل الحديد وضربوه بالعصي ثم السياط حتى قارب الموت، ثم أطلق سراحه وأخذ زوجته وأولاده وعاد إلى بلدته من أعمال البشمور.
(ج) أما أشد هذه التجارب التي تعرض لها البطريرك شنوده الأول بسبب أحد رعاياه الأقباط، فكانت شكوى من راهب بدير أبو يحنس ببرية شيهيت. كان هذا الراهب أصلا من مريوط وعرف عنه السعاية والكذب، واشتهى أن يرسمه البطريرك شماساً، ولكنه كان يعلم أن البطريرك يعرف سيرته ولذا فسوف يرفض رسامته. لذا توجه هذا الراهب إلى بعض الأراخنة الأقباط في مصر وسألهم أن يكتبوا له كتاباً إلى البطريرك يسألونه فيه رسامته شماساً.. كان البطريرك في ذلك الوقت بأعمال الشرق يعاني من مرض النقرس فمضى إليه وطلب مقابلته، فأفهمه تلاميذه بحالته الصحية وطالبوه بالانتظار، لكنه رفض وأخذ يتكلم بالشر وانصرف إلى بلدته بمريوط، وبدأ يفكر فيما يمكنه أن يفعله بالشر بالبطريرك.
ونحو سنة ٨٧١ م أسند الخليفة العباسي أحمد بن طولون ولاية الاسكندرية بالاضافة إلى مصر. وقام بزيارتها طوال شهر رمضان (يوليه - أغسطس ٨٧١ م) - وفي طريق عودته مر بمريوط. فانتهز هذا الراهب وجود أحمد بن طولون وقدم له شكوى مفادها أن البابا شنودة يأخذ غير المسيحيين ويعمدهم بالبرية ويصيرهم رهباناً.. فأمر أحمد بن طولون كاتبه أن يحقق هذه الشكوى. وتعهد الراهب بالارشاد إلى ذلك.. فمضى ذلك الراهب ومعه فارسين من الأتراك وسار معهم إلى دير أبو يحنس وقبض على راهب كانت بينهما عدواة قديمة. فأوثقاه بالحديد ودخلا به إلى مصر وهو لا يعلم السبب في ذلك.. وادعى الراهب الشاكي أمام كاتب أحمد بن طولون أن الراهب المقبوض عليه كان قبلا مسلماً. ودافع الراهب عن نفسه أنه نصراني بالمولد وأن أهل مدينته موجودون ويعرفونه أنه نصراني.. ولأن كاتب أحمد بن طولون كان شريراً ولا يخاف الله ومحباً للمال، فقد أحضر شهود زور شهدوا بأن الراهب اعترف أمامهم أنه كان غير مسيحي. فنزعوا عنه ثياب الرهبنة وألبسوه ثياب المسلمين - لكن هذا ثبت على إيمانه واحتمل كل ما أتى عليه ومنها السجن.. أما الغرض من ذلك فهو إدانة البطريرك وتغريمه مبلغاً من المال.
ثم أرسل الكاتب جماعة من الشرطة الأتراك مع الراهب الشرير ليحضروا البطريرك، وكان مريضاً، فقبضوا عليه وأنزلوه في مركب ومعه أنبا سيمون أسقف بنا الذي كان قد رسم حديثاً وأخوه الروحاني الشماس مقارة بعد أن قيدهما. ونهب جميع ما وجد في قلاية البطريرك من الثياب والأواني والكتب المقدسة وغير ذلك.. وكانت صناديق الكتب مقفلة وظنها أن بها أموالا وذهباً وفضة. ولما اكتشف كاتب أحمد بن طولون أن الصناديق الخشبية بها كتباً ظن أن الراهب الشرير أخذ ما بها، فانقلب عليه ورفع أمره إلى الوالي. وعندما سأله عن مال البطريرك أتهم تلميذيه باخفائه. ولما أحضرهما ابن طولون أعلماه أن البطريرك يصرف المال على البيع (الكنائس) والمحتاجين وأنه لا يدخر مالا. فأمر الوالي بضرب الشماس مقارة حتى سال دمه.. لكن البطريرك صلب على جسده وللوقت.. زال عنه الألم وأقام البابا شنوده وتلميذاه في الحبس ثلاثين يوماً. فدفع عنهم أراخنة مصر مالا كثيراً وأفرج عنهم. وصلى البابا بدموع من أجل الراهب الشرير وطلب له المغفرة. وطلب منه بعض الأراخنة أن يتركهم يقتصوا من هذا الراهب فمنعهم.
أما الراهب الذي من دير أبو يحنس لما تأكدوا بطلان الشكوى ضده، أطلقوه من السجن بعد أن فاز بأكليل الاعتراف الحسن وعاد إلى ديره.
أما الراهب المزور فهرب إلى مريوط ومنها إلى البرية المقدسة وأخذ يعذب الآباء الرهبان وصار عثرة كبيرة. وعرف خبره عند بعض التجار المشهورين المسلمين الذين كانوا يترددون على الأديرة ليبتاعوا منها الحصر وغيرها، وشاهدوا ما كان يفعله بالرهبان. فقاموا بابلاغ والي الاسكندرية بظلمه، فأرسل والي مريوط للقبض عليه هو وأخ علماني كان له، وظل في الحبس مدة سنة.. وانتهى أمره بأن أصيب بمرض الجزام (كان هذا أخر ما كتبه الأنبا ساويرس بن المقفع من تاريخ البطاركة ولم يكمل الثمان سنوات الأخيرة من سيرة البابا شنودة ٥٢).
(د) ويخبرنا المسعودي في كتابه مروج الذهب ومعادن الجوهر أن أحمد بن طولون علم في سنة ٨٧٣/٨٧٤ م أن رجلا قبطياً بصعيد مصر له من العمر مائة وثلاثين سنة، عرف عنه العلم الواسع والاطلاع الكبير، وأنه ساح في بلدان عديدة وشاهد المماليك ووعى الكثير من المعارف ومصدره ولاسيما عن مصر ونيلها. فأمر بأحضاره فحملوه إليه فاذا هو رجل تبدو عليه دلائل الهرم لكن لاتزال حواسه سليمة وعقله صحيحاً. وعلم أحمد بن طولون منه أن سر صحته يرجع إلى اعتداله في مأكله ومشربه طوال حياته وأنه لم يشرب الخمر ولا يتأنق في الطعام ولا يلبس إلا البسيط من الثياب.. وأنه كان يحرص على نظافة بدنه ولا يميل مع شهوات نفسه. ولما أراد أن يحمله على تناول شيء من لذيذ المأكل والمشرب أبى.. سأله عن منابع النيل فقال «أعتقد أن منابع النيل مستقرة في قمم الجبال الشامخة حيث توجد بحيرة واسعة وحيث يستوي الليل والنهار على مدار السنة. وقد أطلق العلماء على هذه المنطقة اسم «الخط المستقيم».. والمقصود بذلك خط الأستواء وقد أعجب ابن طولون بأجوبة هذا الشيخ القبطي وبسعة معلوماته فأذن له بالعودة إلى بلاده.. والعجيب أن الباحثين الأوروبيين لم يعرفوا منابع النيل إلا بعد ذلك بنحو تسعة قرون.
(هـ) ومما يذكر عن أحمد بن طولون أنه كان كثيراً ما يتردد علي دير القصير (دير ملكاني شرقي طره واندثر) ويعتكف في صوامعه للتأمل. وقد استفاد الرهبان من هذه العلاقة ولما تقدموا إليه بالشكوى من ثقل الجزية المفروضة عليهم منحهم بعض الامتيازات وكف أيدي رجاله عنهم.
(و) أخيراً تنيح البابا شنودة بسلام في ٢٤ برمودة سنة ٥٩٦ ش (١٩ أبريل ٨٨٠ م) بعد أن ظل على الكرسي البطريركي إحدى وعشرين عاماً وشهرين وإحدى عشرة يوماً وهو آخر من سكن الاسكندرية من الآباء البطاركة. وقد دفن بكنيسيتها المرقسية.
البابا خائيل الثالث (ميخائيل الأول) ٥٦: (٨٨٠ - ٩٠٧)
كانت أخر سيرة من سير الآباء البطاركة دونها الأنبا ساويرس أسقف الاشمونيين هي سيرة البابا شنودة ٥٥ (باستثناء الثماني سنوات الأخيرة منها).. ومن الذين أكملوا كتابة السير بعده الأنبا ميخائيل أسقف مدينة تانيس، الذي كتب لنا سيرة البابا خائيل الثالث. كتبها بعد نحو مائة وخمسين سنة من نياحته.. وعلى الرغم من أنه قضى على الكرسي المرقسي نحو سبع وعشرين سنة فان ما وصلنا من أخبار عنه تعتبر قليلة. وفي بدء سيرته يذكر الأنبا ميخائيل أسقف تانيس عنه العبارة الآتية، يقول «وكان (الأنبا خائيل) ذا خصال ثلاثة جميلة تشبه الذهب المسبوك في النار، لأجل التجارب التي لحقته وصبر عليها».. وتعتبر هذه العبارة تلخيصاً للآلام والضيقات التي احتملها مدة بطريركيته.
١ - توجه البابا البطريرك ومعه الآباء الأساقفة إلى جهة تدعى دنوشر لتكريس بيعتها التى على أسم الشهيد بطلومايس، وكانت تتبع كنسياً أسقف سخا (بجوار كفر الشيخ).. الذي يوصف بأنه كان شريراً.. وبعد أن اجتمع الشعب لم يحضر أسقف سخا لأنه كان منشغلا باعداد الطعام للحاضرين. وأرسلوا إليه للحضور فلم يحضر لنفس السبب.. فسأل الجميع البابا البطريرك في تقديم الحمل. وبالفعل تم ذلك. وما لبث أن حضر الأسقف. وتملكه الغضب لما رأى البطريرك قد قدم الحمل بدون حضوره، وقال له بغضب «من جعل لك أن تفعل هذا في كرسي بغير أمري ولا حضوري». ثم تقدم إلى الهيكل وأخذ الحمل وكسره وألقاه على الأرض.. ولما كان الحمل لم تتلى عليه صلوات التقديس، قدموا حملا آخر وأكملوا القداس.. وفي اليوم التالي عقد البطريرك مجمعاً من الأساقفة» وقطعوا ذلك الأسقف وقدموا غيره».
٢ - أراد ذلك الأسقف المقطوع أن ينتقم لنفسه فاتصل بأحمد بن طولون وقدم وشاية ضده أن البطريرك لديه مال كثير. وكان ابن طولون يعد لحملة عسكرية على بلاد الشام أواخر سنة ٨٨٢، فأرسل واستدعى البطريرك وطالبه بالأموال قائلا «وأنتم يا مقدمي النصارى.. ما تحتاجون إلى ذهب ولا فضة إلا خبز تأكلوه وثوب تلبسوه. وقد عرفت أن لك مال كثير وآنية لا تحصى من ذهب وفضة وديباج وأنواع حرير للبيع». فسكت البطريرك ثم قال له بسكينة وتواضع «أن مملكتكم ليس فيها ظلم. وأنتم قوم تعرفون الحق وأنا إنسان ضعيف لا أملك ذهباً ولا فضة ولا شيء مما سعى به إليك. وعظمتك تعلم أننا قوم مأمورون أن لا نكنز على الأرض ولا نهتم بغد. والآن فأنا بين يديك أفعل ما تريد فسلطانك على جسدي وروحي بيد خالقها».. فما كان من أحمد بن طولون إلا أن غضب وأمر بحبسه.
٣ - ظل البطريرك في الحبس مدة سنة (إلى أواخر سنة ٨٨٣ م) حاول أثناءها إثنان من كتبة ابن طولون الأقباط وهما بسوس وأبرام ولدي موسى، أن يأخذا البطريرك إلى منزلهما فرفض ابن طولون.. وحاول كاتب قبطي أخر يسمى يؤنس والتجأ إلى أم أحمد بن طولون وكلمها في طول مدة حبس البطريرك. ثم مضى إلى أحمد بن علي المادرائي عامل الخراج، وكان كاتباً عنده، وكلمه في الأمر وطلب مساعدته.. فذهب عامل الخراج إلى الوالي وكلمه فأمر بأحضار هذا الكاتب وولده، وكتب لهما بتسليم البطريرك على ما يتقرر عليه دفعه.. حينئذ أخرج البطريرك من الحبس إلى دار عامل الخراج، فتقرر تغريمه بعشرين ألف دينار، يدفع نصفها بعد شهر، والنصف الآخر بعد أربعة شهور. وأقر الكاتب وولده كتابة بضمانهما للمال.
٤ - مضى البطريرك إلى كنيسة السيدة العذراء بقصر الشمع (قصرية الريحان). وأقام فيها عشرين يوماً لم يتمكن من جمع شيء من العشرة آلاف دينار المقرر دفعها كدفعة أولى، وكان يلتقي بالأراخنة. وهو في قلق وأحصوا الكراسي الخالية من الأساقفة فوجدوها عشرة، فأقاموا لها عشرة أساقفة مقابل مبالغ من المال.
وأحضر الكاتب وولده اللذان ضمنا البطريرك ألفي دينار، وأقرضهم عامل الخراج ألف دينار واقترضوا من كتاب مسلمين سبعة آلاف دينار، وحملوا العشرة آلاف دينار إلى أحمد بن طولون عند انقضاء الشهر.. أما العشرة آلاف قيمة القسط الثاني بعد أربعة شهور فقد ضمن البطريرك فيه الكاتب القبطي وولده وأنبا باخوم أسقف طما وتلميذ آخر.
واجتمع الأب البطريرك مع السنودس (أعضاء المجمع المقدس) وتشاوروا في موضوع المبالغ المقترضة وما بقى للوالي، وقر رأيهم أن يرسلوا إلى كراسيهم ويأخذوا من كل من يتقدم إلى رتب الكهنوت مالا مقابل الرسامة وواضح أن هذه السيمونية ضد وصية الرسل وقوانين الكنيسة.
ومضى البطريرك إلى أديرة وادي النطرون وفرض مبالغ على الرهبان.. ثم مضى إلى الاسكندرية ليبيع عقارات وقف الكنائس. لكن الكهنة اشترطوا عليه أن يعطيهم ألف دينار كل سنة يتكفل بها ومن يأتي بعده من البطاركة وحرروا صكاً بذلك. وبالفعل باع هذه الأوقاف. فاستطاع من كل ذلك بالاضافة إلى الصدقات أن يتحصل على عشرة آلاف دينار وهو مقدار ما اقترضه في القسط الأول. ويقى عليه العشرة آلاف دينار قيمة القسط الثاني وإزاء هذه الضيقة المالية باع البطريرك كنيسة لليهود (كانت أصلا كنيس لليهود) بقصر الشمع المجاور للكنيسة المعلقة (ومازالت في أيديهم إلى اليوم) - كما باعهم قطعة من الأرض بأرض الحبش وهي التي يستخدمها اليهود إلى اليوم مقابر لهم شرقي منطقة البساتين.. وظل البطريرك في ضيق شديد بسبب العشرة آلاف دينار الباقية عليه.
وبارشاد من الله قصد مدينة تانيس (أندثرت ومكانها بحيرة المنزلة غربي قبلي بورسعيد ليأخذ شيئاً من صدقات النصارى هناك. وبعد أن أقام بتانيس يوماً واحداً حضر إليه جماعة ليتباركوا منه ويستفسروا عن أحواله، وإذا راهب مستور الوجه نحيف الجسم زري المنظر وبعد أن دخل وسط الجموع لأخذ بركة البطريرك، جلس إلى جانب التلاميذ وقال لأحدهم لماذا أبونا البطريرك قلق بسبب ما هو مطلوب منه.. أمض إليه وقل له بعد أربعين يوماً يمزق الرب عنه الخط ولا يطلب منه مال بل يترك له» فتقدم التلميذ وأعلم البطريرك، وطلب هذا الراهب، لكنهم لم يجدوه في المدينة كلها وبحثوا عنه حتى في البلاد المجاورة فلم يجدوه.. وفي تمام الأربعين يوماً مات أحمد بن طولون في ١٠ مايو سنة ٨٨٤ م وجلس أبنه خمارويه موضعه، وعندئذ أخرج الوزير أحمد بن علي المادرائي الصك وسلمه ليوحنا المليجي كاتبه، وأنفذ وأحضر البطريرك من تانيس. ونزل في بيعة السيدة العذراء بقصر الشمع حيث كان يقيم أولا وأحضر الأراخنة عنده، وأحضروا الصك فمزقة بيده، «وعاد إلى قلايته يمجد الله، حزيناً على ما انحل من قانون البيعة وعلى ما يأتي بعده على كرسيه من حال الشرطونية».
٥ - وحدث لما اشتدت العلة على أحمد بن طولون والتي مات بسببها، أحضر خواصه وقال لهم «استهدوا لنا الدعاء من الناس كافة وسلوهم الخروج إلى الجبل والتضرع إلى الله جل اسمه بالمسألة له في عافيته لنا. فشاع هذا القول منه في الناس، فخرج المسلمون بالمصاحف إلى سفح الجبل وتضرعوا إلى الله في أمره بنيات خالصة لمحبتهم له.. فلما رأى اليهود والنصارى ذلك من المسلمين، خرج الفريقان النصارى معهم الأناجيل، واليهود معهم التوراه.. وارتفعت لهم ضجة عظيمة هائلة حتى سمعها في قصره، فبكى لذلك» (سيرة أحمد بن طولون للبلوي - ترتون، أهل الذمة في الاسلام ١٧٥ عن الكندي الولاة والقضاة).
٦ - وعاصر البابا خائيل الثالث خمارويه بن أحمد بن طولون (٨٨٤ - ٨٩٥ م)، وكان شخصاً آخر خلاف أبيه. ولما سمع بخبر وادي النطرون سار إليه، ودخل إلى بيعة القديس أبو مقار ونظر جسده المقدس وسأل عنه، فقيل له هذا جسد صاحب هذه البيعة فأمر بحله من كفنه، وأمسك شعر لحيته، ففتح القديس عينيه في وجهه فوقع على ظهره، وظل ساعة مغشياً عليه لا ينطق، فحملوه إلى خيمته، وأخذوا من زيت قنديل أبو مقار ومسحوا به جبينه.. وحدثت آية أخرى مع خمارويه في هذه البيعة. ففيما هو يجتاز باب الأسكنا من بحريه بجانب القوصرة، أبصر صورة الشهيد تادروس وهي تنظر إلى الغرب وكان في يد خمارويه حزمة ريحان فرمى بها الصورة، وقال خذها يا فارس الشجعان. فخرجت يد من الصورة وأخذت حزمة الريحان، وظلت في يده حتى أبصرها كل أحد. فخاف خمارويه بن أحمد بن طولون جداً وبهت من هذه العجائب وأمر أن تعمل علامة في تلك الصورة تسجيلا لم حدث، فصوروا في يده صليب آخر.. ويبدو أن هاتين المعجزتين جعلتاه يراعي النصارى ولاسيما الأساقفة والرهبان (تاريخ البطاركة، مجلد ٢ ج ٢ ص ٧٧).
٧ - وكان خمارويه يتردد على دير القصير بالجبل الشرقي (شرقي طره)، وكان يعجب بصورة للسيدة العذراء حاملة المسيح والملائكة عن يمينها ويسارها وصور التلاميذ الاثنى عشر. وبنى خمارويه في أعلا الدير غرفة ليقيم فيها جعل لها أربعة طاقات إلى أربع جهات (الشابشتي: الديارات ص ٢٨٤ - أبو صالح الأرمني، كنائس وأديرة مصر، ورقة ٤٩ (أ)). يرجح أن هذا الدير هو دير القصير وبناه أركاديوس الأمبراطور ابن ثيؤدوسيوس فوق قبر معلمه أرسانيوس - والتسمية - القصير نسبة إلى يحنس القصير).
٨ - وتنيح البابا خائيل في ٢٠ برمهات سنة ٦٢٣ ش الموافق ١٦ مارس ٩٠٧ م بعد أن جلس على الكرسي المرقسي نحو ٢٧ سنة وأغلب الظن أنه مدفون في ناحية شباس الشهداء (مركز دسوق، محافظة كفر الشيخ) - وذلك أستنباطاً من إشارة يوردها أبو المكارم في كتابه الكنائس والديارات، أن جسد أنبا خائيل البطريرك (دون تحديد) ببيعة الشهيد جورجيوس بناحية شباس الشهداء.
البابا غبريال الأول ٥٧: (٩٠٩ - ٩٢٠)
١ - يسجل البلوي الذي كتب «سيرة ابن طولون» - والذي يبدو أنه عاصر ذلك العهد أن ابن طولون لم يكن يعامل جميع طبقات الشعب على قدم المساواة. فكان يفضل الأتراك الذي هو منهم - على بقية المسلمين، والملكيين (الروم الخلقيدونيين) على سائر النصارى. ونعلم مما ذكره المؤرخ البلوي أن ابن طولون كان يتردد على دير القصير ويعتكف في صومعة من صوامعه للتأمل.. وفي عهد ابنه خمارويه الذي خلفه زاد التعاطف مع المسيحيين وحذا حذو أبيه بالتردد على دير القصير.. وجاء في تاريخ البطاركة أن خمارويه كان صديقاً للأنبا باخوم أسقف طما، بل أن خمارويه كان قد أئتمنه على الدفاع عن حدود مصر الغربية في منطقته. وكان الأسقف أهلا لهذه الثقة فعين ثلثمائة جندي يحسنون الرماية بالنشاب لهذه الحراسة.. كما أعد لهم معديات في عدة نقط لسهولة الانتقال من ضفة إلى أخرى. وعين لهم أوقات الحراسة بالتناوب حتى يكون على أهبة الاستعداد لمراقبة أي تحركات للعدو.
٢ - أشرنا في النقطة السابقة تفضيل أحمد بن طولون للملكيين وكذا ابنه خمارويه على سائر النصارى. ومن هنا فقد استطاع الخلقيدونيين أن يقيموا لهم أسقفاً نصبوه بطريركاً للأسكندرية بعد أن ظلوا قرنين كاملين من الزمان عاجزين عن إقامة بطريرك لهم.. ولاشك أن الكنيسة القبطية استراحت مدة هذين القرنين من أعمال الشغب. فما أن أقاموا لهم بطريركاً حتى بدأت المشاغبات من جديد خصوصاً وأن الكرسي المرقسي بعد نياحة البابا خائيل ٥٦ - صل شاغراً مدة سنتين وشهرين بسبب ظروف البلاد.
٣ - أستطاع الأنبا باخوم أسقف طما وصديق خمارويه أن يقنعه أن إقامة بطريرك للخلقيدونيين لن يخدم مصر، إذ من المحتمل أن يكون هذا البطريرك الدخيل جاسوساً لصالح الأمبراطور البيزنطي ويكون هذا تمهيداً لغزو جديد للبلاد.. سر خمارويه من وطنية وإخلاص أسقف طما وخوله حق الذهاب إلى الاسكندرية واتخاذ ما يراه صالحاً للبلاد وللأقباط.. فأخذ الأسقف رسالة من خمارويه إلى والي الاسكندرية. وهناك نجح في خلع الأسقف الخلقيدوني وستة من أساقفته.. وبعدها اتفق مع عدد من أساقفة الكنيسة على التوجه إلى برية شيهيت للبحث عن راهب يصلح للبطريركية.
٤ - في هذه الأثناء أغتيل خمارويه في أثناء زيارته لدمشق سنة ٨٩٥ م بسبب مؤامرات الحريم، ذلك أن خمارويه رغم عدالته وهمته كان ولوعاً بالنساء فجمع العديد منهن في قصوره الباذخة ويبدو أن الحسد أكل قلوب البعض منهن فتآمرن على قتله. وكان حادث إغتيال خمارويه بداية سلسلة من الاغتيالات والمؤمرات والاضطرابات١.
٥ - رغم هذه الظروف والقلاقل استمر الأساقفة وأراخنة الشعب في مشاوراتهم لانتخاب البطريرك الجديد. وقد استقر رأيهم على الراهب غبريال من دير أبو مقار وكان معروفاً عنه محبته للوحدة.. وقد تنبأ أحد شيوخ الدير ويعرف باسم دورثاوس بأنه سيترك الوحدة وتم ذلك برسامته بطريركاً في ٢١ بشنس سنة ٦٢٥ ش، ١٦ مايو سنة ٩٠٩ م.. ويبدو أن حنينه للوحدة جعله يقضي معظم أيام حبريته في برية شيهيت، لا يغادرها إلا للضرورة. لكن هل كان لظروف البلاد الأمنية دخل في اعتكاف البطريرك في البرية؟ ربما. فلقد ساد البلاد المصرية حالة من الاضطراب والفوضى لأكثر من سبب: فابن خمارويه الأكبر عند مقتل أبيه كان صبياً في الرابعة عشرة من عمره. وهيهات في هذه السن إمكان حمل المسؤولية، فضلا عن أنه نشأ مدللا. وثمة سبب ثان هو أن حكومة الخلافة في بغداد كانت تريد القضاء على الأسرة الطولونية لما أحرزته من نفوذ وثروة.
٦ - ولم يقتصر غضب حكومة الخلافة ببغداد على الطولونيين وحدهم، بل امتد إلى المصريين فضاعفت الضرائب عليهم.. وذكر المقريزي أن الوزير علي بن عيسى وفد إلى مصر وقرر فرض ضرائب على الأساقفة والرهبان والعجزة من الأقباط. فذهب وفد قبطي إلى بغداد وقدموا التماساً إلى الخليفة باعفائهم، وبالفعل قبل التماسهم وبعث برسالة إلى وزيره في مصر يخبره فيها بما قرره.
٧ - ومما يذكره تاريخ البطاركة عن هذا الأب البطريرك أنه وهو في شيخوخته ثارت عليه أوجاعه الجنسية وقصد إلى أحد شيوخ دير أبو مقار واعترف أمامه بما يعاني منه فكانت نصيحته له «أن هذه النفس لا يذلها إلا التواضع والهوان».. فكان في كل مساء بعد أن يأوي الرهبان إلى قلاليهم ينظف جميع دورات المياه بالدير. وداوم على ذلك حتى نظر الله إلى اتضاعه ورفع عنه القتال.
وأخيراً تنيح البابا غبريال في ٢١ أمشير سنة ٦٣٦ ش / ١٥ فبراير سنة ٩٢٠ م بعد أن جلس على الكرسي المرقسي عشرة سنوات وتسعة شهور، ودفن بدير القديس أبي مقار ببرية شيهيت.
الأوضاع في ظل الطولونيين والاخشيديين:
بوفاة خمارويه أوائل سنة ٨٩٦ م أخذت الدولة الطولونية في الضعف والانحلال وتولى زمامها أفراد من البيت الطولوني تعوزهم الحنكة السياسية.. بعد خمارويه تولى ابنه أبو العساكر حبش (٨٩٥ - ٨٩٧) فلم يرض عنه الجند وخلعوه. تولى بعده أخوه أبو موسى هارون (٨٩٧ - ٩٠٥) وهو في الرابعة عشرة من عمره، فلم يكن يصلح بطبيعة الحال للولاية.. وإذ بدا واضحاً ضعف الطولونيين بعث الخليفة العباسي المكتفي بقائده محمد بن سليمان الكاتب لاسترداد مصر. فهزم الأسطول المصري وفر هارون بن خمارويه حيث قتله عماه شيبان وعدى. لكن الجند لم يرضوا عن عملهما. ولم عين شيبان والياً على مصر، رفضوا الاعتراف به وكاتبوا محمد بن سليمان، فنزل الفسطاط ومنها إلى القطائع عاصمة الطولونيين سنة ٩٠٥ م وأشعل فيها النار فالتهمت الدور والمساجد والحمامات والأسواق والبساتين. وهكذا قضي على الدولة الطولونية وخربت القطائع حاضرتهم ولم يبق منها غير مسجد ابن طولون. وقد نال الأقباط من ذلك شدائد كثيرة نتيجة نهب جنده بعض المدن واستباحتهم المحرقات.
وبسقوط الطولونيون سنة ٩٠٥ م عادت مصر إلى عهد التبعية المطلقة للعباسيين. لكن الاضطرابات الداخلية لم تتوقف بسبب ضعف الخلفاء العباسيين.. وظل الأمر كذلك حتى قيام دولة الاخشيديين بعد ثلاثين سنة (٩٣٥ - ٩٦٩ م).
وعلى وجه العموم لم يشر المؤرخون المسيحيون إلى تسامح الاخشيديين، مثلما أشاروا إلى تسامح الطولونيين. إنهم يتهمون محمد بن طفج الاخشيدي مؤسس هذه الأسرة أنه حينما عجز عن دفع مرتبات الجند، اضطهد الأقباط وابتز منهم أموالا كثيرة، مما أضطرهم إلى تصفية بعض ممتلكات الكنائس.. لكن يبدو أن هذه الضغوط كانت عامة فيذكر تاريخ البطاركة سيرة أنبا مينا الثاني البطريرك ٦١ (٩٥٦ - ٩٧٤ م)، أنه حدث غلاء شديد في مصر استمر سبع سنين متوالية بسبب نقص فيضان النيل ثلاث سنوات متوالية بالاضافة إلى هجوم النوبيين على مصر.. «وكان غلاء عظيم في جميع أرض مصر حتى أن كورة مصر خلت من الناس لكثرة الموت والجوع الذي كان. وخربت عدة من كراسي الأساقفة لخلوها من الناس. ولم يقم لها أساقفة، بل أضيفت إلى الكراسي العامرة المجاورة لها».
وتقول دكتورة سيدة اسماعيل كاشف في كتابها (مصر في عصر الاخشيديين).. «ولا نسمع في العصر الاخشيدي شيئاً عن التزام أهل الذمة بالقوانين الخاصة بمخالفة هيئتهم هيئة المسلمين في اللباس والركوب.. وكانت العلاقات بين المسلمين وأهل الذمة في العصر الاخشيدي طيبة في معظم الأحيان. وكانت المشاغبات بين الفريقين تنشأ حين يقصد الشعب أن يحارب سيطرة أهل الذمة على الشؤون المالية في البلاد. وحين ينتصر البيزنطيون على المسلمين في أطراف الشام، وحين يحتج المسلمون على السماح للمسيحيين بتعمير الكنائس. ومن ذلك ما يروى عن هياج العامة وتخريب الكنائس في مصر حين ورد الخبر بأن البيزنطيين دخلوا الشام سنة ٩٦٠ م، وقتلوا وخربوا. ولما غزا الامبراطور البيزنطي نيقيفور فوكاس جزيرة أقريطش (كريت) في العام التالي، وخرب ما فيها من المساجد وسبى من أهلها خلقاً كثيراً. ووصل خبر ذلك إلى مصر، وثار العامة وخربوا إحدى الكنائس في مصر القديمة».
نعم لقد تخللت حكم كافور الاخشيدي حروب شنها الامبراطور اليزنطي «نيقيفور فوكاس» على حدود سوريا الشمالية فأصاب فيها نصراً كبيراً.. لكن من الانصاف القول أنه بالرغم من أن الأغلبية في مصر كانت تحقد على هذا العمل كل الحقد.. وبالرغم من أن الشعب كان يثير الشغب بعد كل موقعة يشترك فيها اليزنطيون، ويهاجم النصارى ويخرب بعض كنائسهم، إلا أن هذه المظاهرات لم تشجعها السلطات الحاكمة التي كانت تلجأ في الحال إلى القوة لاخمادها.. بل على العكس أصدر الخليفة سنة ٩٥٢ م مرسوماً لتهدئة النفوس في أنحاء الامبراطورية الاسلامية أعلن فيها رفع الجزية عن الأساقفة والرهبان والعلمانيين المعوزين.
ويؤكد هذا الكلام ما ذكره المؤرخ الانجليزي ستانلي لين بول من أن المصريين ظلوا على ولائهم لكافور الاخشيدي، حتى في الوقت الذي أغار فيه النوبيون على مصر، وذلك لما امتاز به من عدل وإنصاف جعله يسوي بين رعاياه علي اختلاف أديانهم ومذاهبهم (pp.87, 88).
البابا قسما الثالث Kocma البطريرك ٥٨: (٩٢٠ - ٩٣٢ م)
بعد نياحة البابا غبريال الأول، ظل الكرسي البطريركي شاغراً لمدة أربعة عشرة يوماً فقط، وأجمع الأساقفة والأراخنة على رسامة الراهب قزمان بطريركاً في يوم ٤ برمهات ٦٣٦ ش / ٢٨ فبراير سنة ٩٢٠ م.
ولعل أهم حدث في عهده هو ما يتصل ببلاد الحبشة.. فقد رسم مطراناً يدعى بطرس على بلاد الحبشة ولما أحس ملك الحبشة بدنو أجله أستدعى المطران وسلمه ولديه وكانا قاصرين، وأوصاه بأن يربياهما، وعند بلوغهما سن الرشد، يتوج من يراه صالحاً بصرف النظر عن الأكبر أو الأصغر. وبحسب ما ارتآه المطران توج الأصغر ملكاً.. وحدث أن ذهب إلى الأنبا بطرس راهبان من دير أنبا أنطونيوس هما مينا وبقطر وطلبا منه مبلغاً من المال فلم يعطهما شيئاً، لأنهما كانا دوارين.. فأرادا الانتقام من الأنبا بطرس. فلبس أحدهما وهو مينا ثياب الأسقفية وتظاهر بقطر بأنه تلميذه، وكتبوا رسالة مزورة نسبوها للبطريرك الأنبا قسما، يقول فيها أن الأنبا بطرس مطران مزور لم يرسمه ولم يرسله، وأن المطران الشرعي الذي رسمه هو مينا. وطلب في الرسالة أن يبعدوا بطرس ويجلسوا مينا. كما قال أنه لا يوافق على تتويج الابن الأصغر دون الأكبر وهذا غير سليم.
مضى مينا وبقطر إلى ابن الملك الأكبر وقرأ الرسالة المزورة المنسوبة للبطريرك وأعلنها بين الحبش ورتب لمحاربة أخيه الأصغر الذي هو الملك الشرعي.. وتمكن من أخيه الأصغر ونفاه كما نفى المطران الأنبا بطرس وأجلس مينا عوضاً عنه.. وما لبث أن دب الخلاف بين الراهبين المزورين، فنهب بقطر قلاية المطرانية وأخذ جميع ما فيها وهرب، وانتهى به الأمر أنه أسلم بعد ما بذر كل ما نهبه.
وما أن نمت هذه الاخبار إلى البطريرك الأنبا قسما حتى أصدر حرماً لمينا وقطعه من الكهنوت فلما علم الملك ذلك حتى قتل المطران المزور مينا.. وكان نتيجة ذلك أن الأنبا قسما رفض أن يرسم لهم مطراناً بقية أيام بطريركيته، لأنه لما أراد أن يعيد الأنبا بطرس المطران الشرعي وجده قد تنيح.. وحذا حذو الأنبا قسما في عدم رسامة مطران للحبشة البطاركة الخمسة الذين تولوا بعده.
أخيراً تنيح الأنبا قسما في ٣ برمهات سنة ٦٤٨ش / ٢٧ فبراير سنة ٩٣٢ م بعد أن أمضى على الكرسي اثنا عشر عاماً.
البابا مكاريوس الأول (مقار الشبراوي) ٥٩: (٩٣٢ - ٩٥٣ م)
بعد شهر واحد من خلو الكرسي البطريركي وقع الاختيار على الراهب مقارة من دير أبي مقار ليصبح البطريرك التاسع والخمسين على كرسي مار مرقس، وقد رسم في أول برمودة سنة ٦٤٨ ش الموافق ٢٧ مارس سنة ٩٣٢ م.. وهو من قرية شبرا قبالة بالقرب من مدينة قويسنا.
ومن القصص الجميلة التي تدل على معنى عميق أن هذا البطريرك في إحدى جولاته الرعوية عرج على بلدته ليرى أمه وكانت قد شاخت.. وصل إلى القرية ومعه الأساقفة مع الأراخنة.. وطير الناس خبر قدوم البطريرك إلى أمه التي كانت جالسة تغزل في بيتها.. لكنها لم تحرك ساكناً وبقيت هي في شغلها تبكي بكاء عظيماً.. ولما دخل البيت لم تقم للقائه بل ظلت تبكي وهو قائم أمامها حتى خجل أمام الحاضرين، ظن أنها لم تعرفه وهو ولدها، لكنها قالت له: «أما أنا فعارفة بك يا ولدي. وأما أنت فما تعرف ما صرت إليه. وأنت مسرور بما نلته. وأنا حزينة عليك. فليت لو أتوني بك محمولا على نعش ميتاً ولا تدخل على بهذا المجد الفارغ. لا تنظر يا ولدي إلى ما نلته وتفرح، بل أبكي واحزن لأن هذا الشعب كله الذي يمجدك أنت مطلوب بخطاياهم».. كم هي بليغة هذه الكلمات وتعبر عن الوعي الروحي الذي كان في الناس الذين من بينهم هذه الأم العجوز.
وظل هذا البطريرك على الكرسي نحو عشرين سنة وتنيح بسلام ودفن بدير أبو مقار.
البابا ثاؤفانيوس، البطريرك ٦٠: (٩٥٢ - ٩٥٦ م)
كانت رسامته محنة على الكنيسة القبطية - ترهب بدير أبو مقار. وأختير بطريركاً بعد خلو الكرسي نحو أربعة شهور.. ورسم بطريركاً في أول مسرى ٦٦٨ ش / ٢٥ يوليه ٩٥٢ م وكان شيخاً مسناً.
مر بنا في سيرة البابا خائيل الثالث أنه بسبب الضيقة المالية التي كان فيها نتيجة ضغوط أحمد بن طولون أنه باع أوقاف الكنائس بالاسكندرية، واشترط الكهنة عليه أن يعطيهم ألف دينار كل سنة - وهذا الأمر يسري عليه والبطاركة الذين يأتون بعده.. وبالفعل كان هذا البطريرك ثاوفانيوس يدفع هذا المبلغ.. لكنه أراد أن يتوقف عن الدفع في أحد السنين، فتخاصم معه الكهنة وقالوا له «إنما أنت أجل منا بهذه الثياب والاسكيم ونحن ألبسناك إياها وهي لنا. فاما أن توفينا ما هو مستقر لنا عليك وعلى من كان قبلك. وإلا فأعطنا ثيابنا».. فتملكه الغضب ونزع الثياب والاسكيم ورماها في وجوههم وقال لهم «إن كانت لكم خذوها فما لي بها حاجة».. يقول تاريخ البطاركة أنه «لما نزعها عنه ورماها لهم نزل عليه روح نجس فخبطه حتى صار مكبل بالحديد بقية أيام حياته».. والأخبار متضاربة في كيف انتهت حياة هذا البطريرك.. أنما الثابت أنه أصيب بخبل في عقله. وقيل أنه صار يجدف. وكانت مدة بطريركته نحو أربع سنين ونصف - وتنيح في ١٠ كيهك سنة ٧٦٣ ش ك سنة ٩٥٦ م.
البابا مينا الثاني ٦١: (٩٥٦ - ٩٧٤ م)
يبدو أن الكرسي البطريركي لم يظل شاغراً ولا يوماً واحداً بعد البطريرك ثاوفانيوس، فقد تنيح في العاشر من كيهك ورسم خلفه البابا مينا الثاني في ١١ كيهك - وهو أحد رهبان دير أبو مقار. قبل رهبنته أرغم على الزواج بغير إرادته وكان طائعاً لوالديه - وظلا في عفة الثلاثة أيام التالية للزواج، وكان ينصح زوجته ببطلان العالم.. ولما قبلت كلامه اتفقا على أن تجلس هي في البيت وينطلق هو إلى برية شيهيت على أن تحفظ هذا السر.
وبنياحة البطريرك ثاوفانيوس وقع اختيار الأساقفة والأراخنة على رسامته خلفاً له.. لكن أمر زواجه الشكلي السابق عرف بعد رسامته وأحس الأساقفة أنهم وقعوا في حرج مخالفين لقوانين الكنيسة.
ولما أحس هو بالأمر أرسل واستدعى زوجته وطلب إليها أن تعرفهم بالسر الذي بينهما فأخبرتهم بحقيقة الأمر فمجدوا الله.
وقد عاصر هذا البابا حكم الاخشيديين ووصول الفاطميين.
وقد اتسمت الفترات الأخيرة من حكم الاخشيديين بضيق الحياة وحدث غلاء شديد في مصر استمر سبع سنين متوالية بسبب نقص فيضان النيل ثلاث سنوات متوالية سنة ٩٦٧ بالاضافة إلى هجوم النوبيين على مصر.. وترتب على ذلك حدوث المجاعات، ويذكر أبو المحاسن في كتابه «النجوم الزاهرة» أنه نتيجة المجاعة التي اجتاحت البلاد إذ ذاك أكل الناس الجيف والكلاب. وقيل أن المجاعة والأوبئة أهلكت أكثر من ستمائة ألف نسمة في الفسطاط وما حولها. وبدأ الناس يهجرون البلاد إلى بلاد أخرى أكثر رخاء.
وبوفاة كافور الاخشيدي سنة ٩٦٨ م أختار الجند ورجال البلاط أبنه وكان صبياً لم يبلغ الحادية عشرة من العمر.. وهكذا وقعت البلاد في فوضى وضعف واضطراب بسبب ضعف الاخشيديين وكذلك العباسيين. وانتهز الفاطميون الذين أسسوا دولتهم في بلاد المغرب هذه الفرصة للهجوم على مصر.. وأرسل الخليفة الفاطمي المعز لدين الله جيشاً بقيادة جوهر الصقلي لفتح مصر وكان ذلك سنة ٩٦٩ م. وكان قوام هذا الجيش أكثر من مائة ألف مقاتل مسلحين ومعهم ألف جمل وأعداد كبيرة من الأحصنة Horses.
ومما هو جدير بالذكر، أن جوهر الصقلي هو الذي أسس مدينة القاهرة لتصبح حاضرة للفاطميين، وبنى فيها المسجد الجامع وهو الجامع الأزهر الذي مازال برسالته قائماً وباقياً إلى الآن.
وجد الفاطميون كل شيء مهيئاً في مصر، ولم يتحرك أحد من المصريين ليقف في وجه الغازي الجديد سوى البشموريين الذين انضموا إلى الاخشيديين. لكن جوهر الصقلي سحق هذه الثورة بسرعة عجيبة وبطش بالاخشيديين بطشاً عنيفاً. وكان في ذلك درس لمن تسول له نفسه القيام بثورة أخرى.
وبعث جوهر برسول إلى جرجس ملك النوبة يذكره بالجزية التي فرضت على أسلافه. وعرض عليه إمكان الاعفاء من الجزية إن هو اعتنق الاسلام. فرد عليه الملك النوبي بارسال المبلغ المطلوب.
كان الخليفة المعز يتمتع بصفات شخصية طيبة واحتذى به قائده جوهر، فأحسن معاملة المصريين وعاملهم بالعدل والانصاف ولم يميز بين مسلم وقبطي. وأبقى على الوزير القبطي أبو اليمن قزمان بن مينا الذي ظل في الوزارة طيلة حكم كافور الذي امتد إلى اثنتين وعشرين سنة.. بل أنه أنس إليه وخوله سلطة أوسع مما كان يتمتع بها في عهد كافور.
وقامت محاولات ضد الفاطميين في مصر من خارجها. ومن أمثلة ذلك تحالف حكام سوريا مع أمير العراق حينما قاموا بجيوش أفلحوا في الوصول إلى مشارف القاهرة التي حاصروها لمدة شهرين. لكن جوهر استطاع أن يردهم على أعقابهم.. وكذلك المحاولة الثانية للسوريين والتي انتهت إلى لا شيء. وكان ذلك بفضل وصول الخليفة المعز لدين الله الفاطمي إلى مصر سنة ٩٧٢ م، في موكب حافل بين وزرائه وقادة جيشه وجنوده.. وقد سار الجنود خلفه يحملون توابيت أسلافه الذين رأى بفراسته أن تضمهم أرض مصر أثباتاً لأصالته الوراثية (S. Lane Poole p. 108).
ويذكر كتاب تاريخ البطاركة عن الأنبا مينا الثاني أنه «في هذا كله كان مقيماً بالريف. فلما اشتد الغلاء انتقل وسكن في ضيعة من أعمال تيدا تعرف بمحلة دانيال حتى أن امرأة رئيسة من أهل بلقونة غنية خائفة من الله اسمها دينا أقامت بقية أيام الغلاء تقوم بالبطريرك وتلاميذه ومن يخصه. وأقام سنة لم يدخل إلى الاسكندرية ولا إلى وادي هبيب ليرفع الميرون. حينئذ بنى مذبحاً لطيفاً في محلة دانيال على اسم القديس مار مرقس..».
وأخيراً تنيح البابا البطريرك أنبا مينا الثاني في ١٦ هاتور سنة ٦٩١ ش / ١٣ نوفمبر سنة ٩٧٤ م بعد أن أمضى على الكرسي نحو ثمانية عشر عاماً، وكان الرخاء قد عاد إلى البلاد.
- (١) Lane Poole, A History of Egypt, p. 75.
From History of the Coptic Church after the Council of Chalcedon, parts 1 and 2, by Anba Youannis, Bishop of Gharbiya, edited by Amir Nasr, a special edition for the students of the Clerical College.
يُنشر هذا النص بإذن من إيبارشية الغربية.
Published with the permission of the Diocese of Gharbiya.