← Books · History of the Coptic Church after the Council of Chalcedon
الكنيسة القبطية في ظل الحكم الاسلامي [من ٦٤١ م]
The Coptic Church under Islamic rule (from 641)
الكنيسة القبطية في ظل الحكم الاسلامي
حالة مصر قبيل الفتح العربي:
كانت مصر حتى الفتح العربي تسير على أساس النظام الذي وضعه لها جستنيان عسكرياً وإدارياً ومدنياً.. لقد نظم هذا الامبراطور الجيش البيزنطي بمصر على أساس إلغاء القيادة الموحدة خوفاً من أن يقوم قائد جيش الاحتلال باعلان الثورة على الحكومة المركزية بالقسطنطينية والاستقلال بمصر. كما حطم جستنيان أيضاً وحدة البلاد الادارية، وقسم مصر إلى خمس دوقيات (أقسام كبرى) يحكمها خمسة محافظين يعينهم الامبراطور بمعرفته، ويكونون مسئولين أمامه مباشرة. كان هؤلاء المحافظون في البداية من الأجانب، ثم حل مكانهم وطنيون لهم ولاء ديني للقسطنطينية. وكان هؤلاء المحافظون يجمعون بين السلطتين المدنية والعسكرية.. هذا ولم تكن هناك عمليات وحدة إدارية تربط بين كل هذه الأقسام نظراً لضعف سلطة الحاكم البيزنطي المقيم بالاسكندرية.
وهكذا لم تعد مصر في القرنين السادس والسابع الميلاديين، إقليماً بيزنطياً بالمعنى الصحيح فقد كانت السلطة البيزنطية عليها ضعيفة.. كانت العلاقة بين بيزنطة ومصر علاقة مادية خالصة بمعنى أن مصر تؤدي الجزية السنوية قمحاً وغلالا وأموالا ترسل إلى القسطنطينية، ولا يعني البيزنطوين بغير ذلك، وكانت الضرائب مصدر شكوى الفلاحين بالاضافة إلى المظالم الكثيرة التي كانت تقع في جبايتها.
الفتح العربي:
كان مجىء العرب إلى مصر حدثاً على جانب كبير من الأهمية، ترتب عليه نتائج خطيرة في تشكيل تاريخ تلك المنطقة التي كانت ملتقى الشرق والغرب في العالمين القديم والوسيط. مصر - التي كانت تعتبر مخزن غلال روما، ومن بعدها بيزنطة - كانت معروفة للعرب قبل الاسلام.. فلقد وفد إلى صعيد مصر منذ أقدم العصور الكثير من التجار العرب عن طريق البحر الأحمر ووديان الصحراء الشرقية.
وقد ذكر عن عمرو بن العاص الذي قاد الحملة إلى مصر، أنه كان يقود قوافل التجارة بين بلاد العرب ووادي النيل. ويحتمل أن يكون قد زار الاسكندرية وشاهد فخامتها وثرائها... لذا لا نعجب إذا وجدنا عمرو بن العاص - بعد الحملة على بلاد الشام ومعركة اليرموك سنة ٦٣٦ وسقوط أورشليم (بيت المقدس) سنة ٦٣٨ - يلح على الخلفية عمر بن الخطاب بأن يأذن له في غزو مصر - أفخر الأقاليم البيزنطية، التي كان على دراية بها. خاصة وأن الفرس الذين استطاعوا غزو مصر مرتين، قد قهرهم العرب في موقعة القادسية سنة ٦٣٦.
وبينما كان الخليفة عمر بن الخطاب في بيت المقدس وافق - بعد تردد - أن يقوم عمرو بحملة على مصر ولكن ما أن عاد إلى المدينة حتى فكر في تأجيل قيام هذه الحملة نتيجة بعض مخاوف أخذت تساوره.. لذا نجده ينفذ رسالة عاجلة إلى قائده عمرو بن العاص قائد الحملة يأمره بالعودة إن وصلته رسالته هذه قبل عبور الحدود المصرية.. ويقال أن عمرو تَبَاطَأ في فض الرسالة لمعرفة مضمونها حتى عبر الحدود المصرية، لأنه أحس مسبقاً بمضمونها.. وكان جيش عمرو يتكون من ٤٠٠٠ مقاتل.
سلك عمرو بن العاص في فتح مصر الطريق الذي سلكه معظم غزاة مصر، وهو الطريق الموازي لساحل البحر المتوسط.. وصل إلى العريش ومنها إلى الفرما (بلوزيوم - مدينة على البحر شرقي بورسعيد الحالية)، وكانت تعتبر بوابة مصر في الجهة الشمالية الشرقية والمنفذ إلى الدلتا كانت مدينة حصينة بها كثير من الآثار القديمة وعديد من الكنائس والأديرة.. سقطت الفرما في يد العرب بعد حصار دام شهراً، فهدموا أسوارها وحصونها. وكان ذلك أوائل سنة ٦٤٠.. وبعد شهر آخر سقطت مدينة بلبيس شرق الدلتا.. كانت معركة حامية خسر فيها البيزنطيون من حاميتها ألف قتيل وثلاثة آلاف أسير، كما قتل من العرب عدد ليس بقليل.
وما لبث العرب أن صاورا أمام حصن بابليون القائم عند رأس الدلتا يشرف على الوجهين البحري والقبلي (بنى هذا الحصن الامبراطور تراجان وكان يعرف باسم قصر الشمع. ولاتزال بقايا هذا الحصن موجودة بمصر القديمة بجوار الكنيسة المعلقة).. دام حصار العرب للحصن طويلا، كانوا أثناءها يخضعون بعض الأقاليم المتاخمة.. وسرعان ما وصل مدداً عربياً بقيادة الزبير بن العوام.. تمكن العرب من الاستيلاء على قرية أم دنين (تندونياس) شمالي حصن بابليون (مكانها حالياً منطقة الأزبكية - وبالذات أولاد عنان حيث الجامع المقام باسم أولاد عنان وهدم ليحل محله جامع الفتح الذي يطل على ميدان رمسيس في قلب القاهرة).. هذا بينما دحرت حامية بيزنطة في عين شمس إلى الشمال من حصن بابليون، وبلغت قوة أخرى مدينة ممفيس (قرب مدينة البدرشين الحالية)، وغزا العرب إقليم الفيوم - وقد تم كل ذلك في غضون سنة ٦٤٠.
في ذلك الوقت عرض قيرس المسمى في المراجع العربية المقوقس (وقد أثبت المؤرخ المدقق الفريد بتلر في كتابه فتح العرب لمصر وهو أكفأ من أرخ لهذا الحدث، أن قيرس والمقوقس هما شخصية واحدة وأنه ليس قبطياً وطنياً) - وكان في ذلك الوقت محاصراً داخل الحصن عرض التفاوض وتسليم الحصن. وكان ذلك في يوم ٦ أبريل سنة ٦٤١ وكان يوافق يوم الجمعة العظيمة.. وقد استمر حصار العرب للحصن سبعة شهور.. كان عرض المقوقس تسليم الحصن على يد رسل أرسلهم إلى عمرو. فكان رد عمرو «ليس بيننا وبينكم إلا إحدى خصال ثلاث: إما أن دخلتم في الاسلام فكنتم أخواننا وكان لكم مالنا وعليكم ما علينا. وإن أبيتم فالجزية عن يد وأنتم صاغرون. وإما القتال حتى يحكم الله بيننا وبينكم».. رفض الروم الخضوع للعرب، وصمموا على مواصلة القتال. وكتب المقوقس بشروط العرب إلى الامبراطور هرقل، لكن هذا الأخير أرسل إليه والي قواد الروم يعنفهم على تخاذلهم إزاء العرب.. في أثناء ذلك استطاع الزبير ابن العوام أن يصعد إلى أعلا الحصن بواسطة سلم. وكان قد اتفق مع الجنود العرب أن يكبروا جميعاً بصوت واحد متى سمعوا تكبيره.. حدث ذلك وسط سكون الليل فظن الروم أن العرب اقتحموا الحصن، فحدث هرج ومرج وهربوا وتقدم الزبير إلى باب الحصن وفتحه.. طلب قائد حامية الحصن وكان من الروم الصلح مع العرب..
على أن أهم ما يخص الأقباط في شروط الهدنة:
(١) أن يدفع كل قبطي متمسك بدينه دينارين عن كل سنة بصفة جزية ويعفى الشيوخ، والنساء والصبيان وغير القادرين.
(٢) ألا يتعرض المسلمون للكنائس بسوء، وألا يتدخلوا في شئون المسيحيين.
وبعد أن تم فتح حصن بابليون، سار عمرو إلى الاسكندرية. وكان الروم قد استعدوا فيها لمعركة فاصلة مع العرب. بل لقد استعد هرقل لمباشرة هذه الحرب بنفسه، لولا أن المنية وافته. فكان لموته أكبر الأثر في إضعاف شوكة الروم.. حاصر عمرو الاسكندرية مدة أربعة عشر شهراً، بعدها سلمت المدينة.. حدث هذا في الوقت الذي كانت الامبراطورية البيزنطية يسودها النزاع والفتن الداخلية صراعاً لأجل العرش بعد موت هرقل.. وتأزمت الظروف، فلجأ البيزنطيون إلى إنهاء الحرب مع العرب المسلمين، بعقد صلح حتى يتفرغوا لمشاكلهم الداخلية.. فذهب قيرس إلى بابليون حيث طلب الصلح مع عمرو بن العاص. وبالفعل عقدت معاهدة ثانية تعرف باسم معاهدة الاسكندرية أو معاهدة بابليون الثانية، وذلك لانعقادها في بابليون وتمييزاً لها عن بابليون الأولى. وبذا اعتبر الأقباط أهل ذمة.
وعقب معاهدة الاسكندرية، امتد نفوذ العرب تدريجياً إلى باقي أقاليم مصر. وبعد أن انتهى عمرو بن العاص من فتح مصر، اتجه إلى بنتابوليس (الخمس مدن الغربية)، فسار عمرو إليها وفتحها وفرض عليها الجزية.. كما أرسل عمرو عبد الله بن سعد بن أبي سرح على رأس حملة إلى بلاد النوبة حوالي سنة ٦٤٢.
وكانت النوبة في ذلك الحين مملكة قوية مستقلة، فاستعصى غزوها على العرب. فكتب عمرو إلى عبد الله بن سعد يأمره بالرجوع. لكن عبد الله بن سعد عاود غزو النوبة في سنة ٦٥١ مدة ولايته على مصر في خلافة عثمان بن عفان. واشتدت وطأة القتال بين الجانبين وانتهت بعقد معاهدة سياسية وتجارية بين مصر ومملكة النوبة المسيحية.
عاود الروم محاولة استعادة الاسكندرية من يد العرب، فأرسلوا أسطولا كبيراً لاجلاء العرب عن مصر إجلاءاً تاما سنة ٦٤٥. وبالفعل فقد تم استيلاء الجيش البيزنطي على الاسكندرية، وزحفوا على بعض بلدان الوجه البحري. وكان ذلك في ولاية عبد الله بن سعد بن أبي سرح وخلافة عثمان بن عفان.. ولما تحرج الموقف أرسل عثمان عمرو بن العاص، الذي تمكن من استعادة الاسكندرية عنوة، وقتل قائد جيش الروم.. وكان هذا آخر عهد للروم بمصر، وبعدها استتبت أمور مصر للعرب.
أسباب انتصار العرب وفتح مصر:
إن انتصار العرب.. على قلة عددهم - على الروم الذين كانوا لهم الجيوش والحصون أمر يدعو للبحث والدهشة في آن معاً.. كيف استطاع عمرو بن العاص بجيش قوامه أربعة آلاف جندي أن يغزو مصر.. كيف استسلمت له البلاد؟
نستطيع أن نلخص الأسباب فيما يأتي تبعاً لأهميتها:
(١) المسألة الدينية المذهبية وقد عرضنا لها سابقاً.. ورأينا كيف حاول أباطرة الدولة البيزنطية أن يخضعوا أقباط مصر لمعتقدهم. واستخدموا في سبيل الوصول إلى ذلك كل الوسائل من قمع واضطهاد. وقد تبع ذلك سقوط أعداد لا تحصى من القتلى والشهداء دفاعاً عن معتقدهم القويم، على مدى مائة وتسعين عاماً هي الفترة التي من مجمع خلقيدونية سنة ٤٥١ إلى الفتح العربي لمصر سنة ٦٤١.
(٢) الحماس الديني عند الجنود العرب المسلمون، وهو لا يمكن إغفاله.. هذا الحافز الديني نراه واضحاً حتى من عهد نبي المسلمين.. فبعد أن سيطر على شبه الجزيرة العربية، أراد أن يدخل في عهود ومواثيق مع القبائل المسيحية. فكتب سنة ٦٣٠ م إلى نصارى نجران (في بلاد اليمن) يدعوهم إلى إبرام ميثاق معهم.. فأرسلت قبيلة نجران المسيحية وفداً ليفاوض محمد في الحصول على أحسن الشروط، مع إفهامه أن القبيلة لن تتنازل عن عقيدتها المسيحية مهما كان الثمن.. وفي اليوم التالي لوصول الوفد النجراني إلى مكة، قابلوا محمدا. وكان أول ما فعله أن دعاهم إلى اعتناق الاسلام. وثمة حادثة أخرى تكشف لنا أهمية هذا الحافز الديني.. يذكر ابن خلدون أنه عندما بويع عمر بن الخطاب خليفة على المسلمين، وقف يخطب في الجامع حاثاً المسلمين على فتح العراق، وقال لهم «سيروا في الأرض التي وعدكم الله بها في الكتاب أن يورثكموها».. والأمر واضح من شروط الصلح التي فرضها المسلمون على أي شعب مغلوب: إما اعتناق الاسلام، أو الجزية، أو السيف.
(٣) العامل الاقتصادي، وهو من العوامل الهامة التي كانت وراء غزوات العرب المسلمين لقد أرادوا وهم شعب فقير جداً - أن يتمتعوا بخيرات الأمصار المفتوحة.
(٤) ضعف جيش الروم المدافع عن مصر - وكذا ضعف الارادة كما أشرنا إليها آنفاً، حينما عرضنا لحالة مصر قبيل الفتح العربي.
موقف الأقباط من العرب الغزاة:
نستطيع أن نؤكد أن موقف الأقباط من العرب الغزاة كان سلبياً. بمعنى أنهم لم يتعاونوا معهم ولم يقفوا ضدهم.. وإذا كان الأمر كذلك، فمن الذي أرشد العرب في زحفهم في أرض مصر؟ يجمع الباحثون أن مرشدي العرب كانوا من اليهود.. يذكر ساويرس بن المقفع في تاريخ البطاركة أن الامبراطور هرقل رأى في منامه أن شعباً مختوناً سيثور عليه ويهزمه ويملك الأرض. فظن هرقل لأول وهله أنهم اليهود. فأمر بتعميد جميع اليهود والسامريين في كل ولايات الامبراطورية.. هذا التصرف من جانب هرقل جعل اليهود يعرضون خدماتهم على العرب، وقدموا لهم خدماتهم وأعطوهم ما يحتاجونه من معلومات، وبذلوا لهم المساعدة في سوريا ومصر.. ويقول الفريد بتلر في تاريخه عن فتح مصر «لم يكن يوجد قبطي واحد في ساحة القتال. ومن الخطأ الادعاء أن الأقباط كانوا يستطيعون في ذلك الوقت أن يجتمعوا أو يقاتلوا أو يفاوضوا العرب».
لم يستقبل الأقباط العرب كمحررين لبلادهم. فلقد كان الأقباط يجهلون كل شيء عن نواياهم وهل سيرغمهم العرب على اعتناق دين جديد هو الاسلام؟. ونحن قد رأينا كيف أن الأقباط وقفوا أمام الامبراطور البيزنطي والدولة، وأبوا أن يقبلوا مجرد عقيدة جديدة في نطاق المسيحية فهل يعقل أنهم رحبوا بأمة جديدة تدين بدين جديد، لو أحسوا أنهم سيرغموا على اعتناق الاسلام، وما يتبع ذلك من متاعب ومظالم؟. يضاف إلى ذلك أن العرب لم يحاولوا قط أن يطمئنوا الشعب المصري على نواياهم، إذ كانوا يجهلون اللغتين اليونانية والقبطية. ومع أنهم على عكس الفرس - قاتلوا بشيء من الرفق، ولم يقوموا بأعمال تخريبية منظمة، أو باراقة دماء كثيرة، إلا أنهم تمادوا في بعض الأحيان في اقتراف أعمال مشينة وحركات قمع دامية، ما لم يساعدهم على كسب ثقة الشعب وتعاطفهم معهم.
يذكر الأسقف يوحنا النقيوسي في تاريخه - وهو المصدر الوحيد المعاصر للفتح العربي - أمثلة لما عمله العرب الغزاة، فيقول أن «عمرا» أمر بالقاء القبض على القضاة الرومان، وتكبيل أيديهم وأقدامهم بسلاسل حديدية وأوتاد خشبية. واغتصب الأموال وضاعف الضرائب المفروضة على الفلاحين وكان يضطرهم أن يحضروا علف الخيل. كما أنه اقترف كثيراً من أعمال العنف».. أما عن حماس العرب الديني للاسلام فيقول «عندما كان المسلمون يدخلون المدن، ومعهم الأقباط الذين ارتدوا عن المسيحية، كانوا يستولون على أملاك المسيحين الفارين، ويسمون خدام المسيح أعداء الله».. وهكذا نستطيع القول أن الأقباط لم يرحبوا بالعرب ويستقبلوهم كمحررين.. ويقول ساويرس بن المقفع في تاريخه «من بعد أن ملك عمرو مصر بثلاث سنين، ملك المسلمون مدينة الاسكندرية وهدموا سورها وأحرقوا بيعاً كثيرة بالنار، وبيعة مار مرقس التي هي مبنية على البحر حيث كان جسده موضوعاً... أحرقوا هذا الموضع بالنار وما حوله من الديارات».
وإن كنا نذكر مظالم العرب الفاتحين، فلابد - إنصافاً للحقيقة - أن نقول أن هذه المظالم لم تكن عامة وشاملة خاصة في الفترة الأولى للفتح العربي. فقد اكتشف البروفسور جروهمان وثيقتين برديتين يرجع تاريخهما إلى سنة ٢٢ هـ (٦٤٢ م). مكتوبتين باليونانية وملحق بهما نص آخر باللغة العربية. والوثيقة الأولى عبارة عن إيصال حرره على نفسه أحد أمراء الجند ويدعى الأمير عبد الله بأنه استلم خمساً وستين نعجة لاطعام الجند الذين معه وقد حررها الشماس يوحنا مسجل العقود في اليوم الثلاثين من شهر برمودة من السنة المذكورة أولا. وقد جاء بظهر الورقة ما يلي «شهادة بتسليم النعاج للمحاربين ولغيرهم ممن قدموا البلاد. وهذا خصماً عن جزية التوقيت الأول».. أما الوثيقة الثانية فنصها «باسم الله. أنا الأمير عبد الله أكتب إليكم يا أمناء تجار مدينة بسوفتس، وأرجوا أن تبيعوا إلى عمر بن أصلع لفرقة القوطة علفاً بثلاث دراهم ذهبية، كل واحد منها «بعروورين» وإلى كل جندي غذاء من ثلاثة أصناف».. ويعلق الأستاذ جروهمان على الوثيقتين بقوله «إن هذه المعاملة إزاء شعب مغلوب قلما نراها من شعب منتصر».
يقول الدكتور محمد حسين هيكل (باشا) في كتابه الفاروق عمر ج ٢، بعد دراسة مستفيضة لعصر الخلفاء الراشدين، مستنداً إلى المصادر العربية «لا شك في أن القبط لم يعاونوا الروم في قتال العرب، إلا بالقدر الذي يضطرهم إليه خضوعهم كارهين لسلطات قيصر وأعماله. ولكن لا شك كذلك في أنهم لم يعاونوا العرب، إلا أن تكون معاونات فردية. أما فيما عدا ذلك، فقد وقف شعب مصر من الفريقين المتحاربين موقف المتفرج شديد التطلع».
إنه لا يوجد نص واحد في المصادر القديمة يشير إلى أن الأقباط قدموا أية مساعدة لجيش عمرو حتى وقت حصارهم لحصن بابليون - أي في المرحلة الأولى للغزو العربي.
حريق مكتبة الاسكندرية:
ويتصل بموضوع فتح العرب، اتهام القائد العربي عمرو بن العاص بحرق مكتبة الاسكندرية الشهيرة بتصريح من الخليفة عمر بن الخطاب.. وتقول المصادر التي ذكرت ذلك أن عمرواً أرسل للخليفة يأخذ رأيه فكان رد عمر كالآتي «وأما ما ذكرت من أمر الكتب فاذا كان ما جاء بها يوافق ما جاء في كتاب الله (القرآن) فلا حاجة لنا به. وإذا خالفه فلا أرب لنا فيه وأحرقها». فلما استلم عمرو هذا الكتاب، أمر بالكتب فوزعت على حمامات الاسكندرية العامة لتوقد بها. فكانوا يوقدون منها لمدة ستة أشهر. والحق أن هناك من يتحمس وينفي بشدة هذه القصة ويعتبرها مختلقة ولا أساس لها من الصحة.
كان أول من ذكر القصة كتابة هو الرحالة الفارسي عبد اللطيف البغدادي الذي تخرج من المدرسة النظامية ببغداد، وجاء إلى مصر حيث قضى عدة سنوات يدرس الأزهر، ثم ذهب إلى دمشق مع صلاح الدين الأيوبي. ولما عاد إلى بغداد مسقط رأسه كتب مذكرات عن رحلته في كتاب أسماه أخبار مصر (توفي سنة ١٢٣١ م)، وأبو الفرج بن العبري (توفى سنة ١٢٨٦ م) في كتابه «مختصر تاريخ الدول» - أي بعد الفتح العربي بنحو ستة قرون.. ويبدو مما ذكره عبد اللطيف البغدادي - وقد كتب كتابه حوالي سنة ١٢٠٠ م - أن قصة حريق مكتبة الاسكندرية على يد عمرو كانت شائعة ومتداولة في أيامه.. حتى أنه قال «وهناك كانت تقوم المكتبة التي أحرقها عمرو بن العاص بأمر عمر».. لكن أحداً ممن كتبوا قبل ذلك، لم يذكر هذا الخبر.. فمثلاً يوحنا النقيوسي في القرن السابع أغفل هذا الخبر. ويرى الفريق المعارض لقصة حريق عمرو للمكتبة أسباباً أخرى كثيرة لعدم تصديق هذه القصة لا داعي للخوض في ذكرها.. وإن كان موضوع حرق عمرو لمكتبة الاسكندرية، لم يتمكن العلماء حتى الآن من البت فيه بصفة قاطعة، لكن لا نستطيع أن نختم كلامنا عن هذه المكتبة دون أن نقول أن ثلاثة من المؤرخين الكنسيين القدامى وهم سوزومين وثيودريت وروفينوس ذكروا أن المكتبة كانت لاتزال موجودة في القرنين الرابع والخامس.. ويذكر كيرلس مقار بطريرك الأقباط الكاثوليك وكان رئيساً للمجمع العلمي المصري بالانتداب في بحث له عن سرابيوم الاسكندرية مستنداً إلى شهادات الأقدمين «أن مكتبة السرابيوم التي كانت في القرن الرابع المكتبة العظمى بالاسكندرية لم تحرق بأمر يوبيانوس (جوفيان) سنة ٣٦٤ م، ولا خربت بأمر ثاوفيلس الكبير سنة ٣٩١ م، بل ظلت قائمة مع المكتبات الأخرى في القرن الخامس وحتى آخر القرن السادس». يضاف إلى ذلك أن للعرب سابقة حرق جميع كتب الفرس بالقائها في الماء والنار. هذه الحقيقة التي ذكرها بن خلدون في مقدمته.. الأمر الذي يرجح الرأي القائل بحرق تلك المكتبة العظيمة على يد عمرو بن العاص بأمر الخليفة عمر بن الخطاب.
عودة البابا بنيامين:
كان البابا بنيامين البطريرك ٣٨ هارباً من قيرس (المقوقس) البطريرك الملكاني وبعد الهزيمة التي مني بها الروم، ورحيل جيشهم عن مصر، غدا القبط في مأمن من الخوف، وبدأوا يشعرون بالحرية الدينية.. ولما علم عمرو باختفاء البابا القبطي بنيامين نتيجة الظروف التي كان يمر بها الأقباط، كتب كتاب أمان للبابا بنيامين يقول فيه «الموضع الذي فيه بنيامين بطرك النصارى القبط له العهد والأمان والسلامة من الله فليحضر آمناً مطمئناً ويدبر حال بيعته وسياسة طائفته».. ويقال أن الذي سعى في عودة البابا بنيامين أحد الأقباط ويدعى سنوتيوس (شنودة) وكان بين قادة الجيش الروماني. كما يقال أن عمرو في طريق عودته بعد فتح الاسكندرية خرج للقائه رهبان وادي النطرون فلما رأى طاعتهم، سلمهم كتاب الأمان للبابا.
لم يلبث عهد الأمان أن بلغ البابا بنيامين فخرج من مخبئه وعاد إلى الاسكندرية ودخلها دخول الظافرين، وفرح الناس برجوعه فرحاً عظيماً بعد أن ظل غائباً مدة ثلاثة عشر عاماً.. منها عشرة أعوام قبل الفتح العربي، وثلاثة أعوام في حكم المسلمين. وكان البابا بنيامين في هذه المدة يتنقل خفية، غالباً بين الكنائس والأديرة الممتدة على طول وادي النيل.. وكان البابا بنيامين ذا هيئة جميلة تلوح عليها إمارات الوقار والجلال. كما كان عذب المنطق في تؤدة ورزانة.. وكان لكل ذلك أثر عظيم في نفس عمرو بن العاص حينما ذهب إليه البابا والتقى به، حتى أنه قال لاصحابه «أن في جميع الكور التي ملكناها إلى الآن ما رأيت رجل الله يشبه هذا». ثم التفت إليه عمرو وقال له «جميع بيعك ورجالك اضبطهم ودبر أحوالهم. وإذا أنت صليت علي حتى أمضى إلى الغرب والخمس مدن وأملكها مثل مصر وأعود إليك سالماً بسرعة، فعلت لك ما تطلب مني». فدعا له البابا بنيامين وقال له كلاماً طيباً أعجبه والحاضرين ثم انصرف من عنده مكرماً مبجلا.
وكان لرجوع البابا بنيامين إلى مقر كرسيه وممارسته نشاطه الرعوي ثانية أن رجع كثيرون ممن انضموا إلى الخلقيدونيين بوسائل القمع والارهاب.. يقول ساويرس بن المقفع «لما جلس هذا الأب الروحاني بنيامين البطرك في شعبه دفعة أخرى بنغمة المسيح ورحمته، فرحت به كورة مصر كلها، وجذب إليه أكثر الناس الذين أضلهم هرقل الملك المخالف. وكان يجذبهم للرجوع إلى الامانة المستقيمة بسكينة ووعظ وملاطفة وتعزية. وكثير ممن هرب إلى الغرب والخمس مدن خوفاً من هرقل الملك المخالف، لما سمعوا بظهور راعيهم، عادوا إليه بفرح ونالوا إكليل الاعتراف. وكذلك الأساقفة الذين خالفوا أمانته دعاهم أن يعودوا إلى الأمانة الأرثوذكسية. فمنهم من عاد بدموع غزيرة، ومنهم من لم يعد حياء من الناس أن يشهر عندهم بأنه كان مخالفاً للامانة، فبقي على كفره إلى أن مات».
كل ذلك حدا بالمؤرخ بتلر أن يقول عن البطريرك بنيامين «ولقد كان لعودة بنيامين أثر عظيم في حل عقدة مذهب القبط وتفريج كربته، إن لم تكن عودته قد تداركت تلك الملة قبل الضياع والهلاك إذ لم يكن قبط مصر في وقت من الأوقات أشد حاجة منهم في ذلك الوقت إلى ذي رأي حصيف وخلق متين يقودهم ويلي أمرهم».
وبعد أن نجح البابا بنيامين في جمع القبط الأرثوذكس ولم شملهم، اتجهت همته إلى إصلاح ما تهدم من الأديرة ولاسيما ما كان منها في وادي النطرون، وقد لحقها التخريب الكثير منذ أوائل القرن السابع على يد الفرس والخلقيدونيين... ومن ذلك زيارته برية شيهيت وتكريسه لبيعة جديدة بدير القديس أبو مقار، حيث رأى السيد المسيح يكرس الهيكل بنفسه، كما ظهر أيضاً القديس أبو مقار.
كم كان عدد القبط وقت الفتح العربي؟
المؤرخون المسيحيون والمسلمون الأوائل، ممن أرخوا الفتح العربي في مصر في شبه إجماع على أن عدد من فرضت عليهم الجزية دينارين بحسب معاهدتي بابليون والاسكندرية بلغوا ستمائة آلاف ألف (ستة ملايين). وذلك لأن مقدار الجزية وحدها (بخلاف الضرائب الأخرى على الأرض وخلافه كانت تسمى الخراج)، التي جمعت منهم بلغت اثني عشر ألف ألف دينار (اثنى عشر مليوناً).. ومعلوم أن الجزية كانت تقرر على الذكور ممن تبلغ أعمارهم من ١٥ إلى ٦٠ سنة، ويعفى منها النساء والشيوخ والصبيان والمعوقين غير القادرين والرهبان.. واضح أن من كانت تنطبق عليهم شروط دفع الجزية كانوا حوالي ربع سكان مصر من القبط على الأقل.. فاذا أضفنا إلى هؤلاء الذين فرضت عليهم الجزية، عدد من أعفوا منها من النساء والشيوخ والصبيان والمعوقين والرهبان بأعدادهم الهائلة، فكم يبلغ عدد سكان مصر من القبط في ذلك الوقت.. نعتقد أن عددهم كان لا يمكن أن يقل عن خمسة وعشرين مليوناً هذا وإن كان المؤرخ الانجليزي ستانلي لين بول يقول إن ابن عبد الحكم يقدر دافعي الجزية (ضريبة الرأس) من ستة إلى ثمانية ملايين نسمة فاذا كان الأمر كذلك فالعدد يرتفع إلى نحو ثلاثين مليون قبطي. (ستانلي لينبول، تاريخ مصر العصور الوسطى ص ١٩).
الشريعة الاسلامية وأهل الذمة:
كان العرب بحكم بيئتهم الأولى يجهلون فن الحكم.. والقرآن بتعليماته فيما يجب اتباعه حيال أهل الذمة، جعل مهمة الحكام في الأراضي المحتلة شيئاً صعباً. فقد اضطر هؤلاء الحكام بحكم الظروف إما إلى تجاهل بعض تعليمات القرآن والحديث، وإما إلى تفسيرها حسب أهوائهم.. وهكذا تعرضت هذه المبادىء، منذ بداية الفتوح العربية، لبعض التعليقات الخطيرة، فازدادت الفوارق بين المبدأ الذي كان يشتد أحياناً على أهل الذمة ويذلهم، وبين تطبيقه.. لذا وجب علينا أن نستعرض بايجاز الشريعة الاسلامية إزاء أهل الذمة، لاسيما فيما يتعلق بتشغيلهم في الادارة الاسلامية وبزيهم الخارجي وإقامة كنائسهم، حتى نتمكن من فهم الأحداث التي أحاقت بالقبط.
أهل الذمة في القرآن:
تحدث القرآن أكثر من مرة عن أهل الذمة تارة بأسلوب واضح، وتارة أخرى بأسلوب يحتاج إلى بعض التعليقات.. فمثلا:
- "لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء" (آل عمران: ٢٧).
- "يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض. ومن يتولهم منكم فانه منهم. إن الله لا يهدي القوم الظالمين» (المائدة: ٥٠).
- "كيف وإن يظهروا عليكم لا يرقبوا فيكم إلا ولا ذمة يرضونكم بأفواههم، وتأبى قلوبهم وأكثرهم فاسقون» (التوبة: ٧).
يقول دكتور ترتون في كتابه أهل الذمة في الاسلام: "من المتفق عليه تاريخياً أنه ورد في الحديث النبوي «لا يجتمع دينان في بلاد العرب» مما حمل عمر بن الخطاب على طرد جميع اليهود والنصارى من شبه الجزيرة العربية باعتبارها دار الاسلام دون سواه من الأديان. وقد خلت بلاد الحجاز من الذميين نتيجة طردهم منها.. على أنه لم يؤد هذا المفهوم إلى إخراج الذميين من بلاد اليمن.. على أية الحالات فنحن نرى تضارباً في تطبيق هذا الاتجاه.. ففي حياة محمد كان هناك نصراني اسمه موهب يسكن مكه ذاتها. لكن عمر في خلافته حرم دخول المدينة على غير المسلمين من الأسر الذكور البالغين. ولم يستثن من هذا التحريم سوى شخص يدعى أبو لؤلؤة لأنه كان صانعاً ماهراً.. ويبدو أنه الاحتياج إلى بعض النصارى كان يلزم الحكام المسلمين بالسماح بدخول البلاد المحرمة. هكذا فعل عثمان بن عفان ومعاوية بن أبي سفيان الذي لما أرسل ابنه يزيد مع الحج استصحب يزيد معه طبيبه النصراني أبا الحكم. كما أرسل الخليفة عبد الملك بن مروان أحد المهندسين الروم المسيحيين إلى مكة لعمل هندسي عقب أحد الفيضانات التي هددت الكعبة.. وأرسل الوليد بن عبد الملك بن مروان ثمانين صانعاً من الروم والقبط لاعادة مسجد محمد.. كما اشترك كثير من العمال الذميين في بناء المساجد". (أهل الذمة في الاسلام ص ٢٠٣، ٢٠٤).
أهل الذمة وعهد عمر:
خضع أهل الذمة أيضاً لشروط عمر التي تعرف باسم عهد عمر. ذكرها القلقشندي (١٣٥٥ - ١٤١٨) في كتابه «صبح الأعشى».. ونحن نذكرها هنا لأن بعض ولاة مصر المسلمين رجعوا إليها أحياناً. هذه الشروط المنسوبة لعمر بن الخطاب وضعت أولا في صورة خطاب حرره أهل سوريا، ورفعوه للخليفة عمر ليصدق عليه.. وهذا هو نص الخطاب كما أورده القلقشندي:
"هذا كتاب لعبد الله عمر أمير المؤمنين من نصارى مدينة...
"إنكم لما قدمتم علينا سألناكم الأمان لأنفسنا وذرارينا وأموالنا وأهل ملتنا. وشرطنا لكم على أنفسنا أن لا نحدث في مدينتنا ولا فيما حولها قلاية ولا صومعة راهب، ولا نجدد ما خرب منها، ديراً ولا كنيسة.. ولا نمنع كنائسنا أن ينزلها أحد من المسلمين ثلاث ليال نطعمهم ولا نأوى في منازلنا ولا كنائسنا جاسوساً. ولا نكتم غشاً للمسلمين. ولا نعلم أولادنا القرآن. ولا نظهر شركاً ولا ندعو إليه أحد. ولا نمنع من ذوي قرابتنا الدخول في الاسلام إن أرادوه. وأن نوقر المسلمين ونقوم لهم في مجالسنا إذا أرادوا الجلوس. ولا نتشبه بهم في شيء في لباسهم، في قلنسوة ولا عمامة ولا نعلين ولا فرق شعر. ولا نتكلم بكلامهم ولا نتكنى بكنيتهم، ولا نركب السروج. ولا نتقلد السيوف. ولا نتخذ شيئاً من السلاح ولا نحمله معنا. ولا ننقش على خواتمنا بالعربية، ولا نبيع الخمور. وأن نجز مقادم رؤوسنا وأن نلزم ديننا حيث ما كنا. وأن نشد زنانير على أوساطنا وأن لا نظهر الصليب على كنائسنا، ولا في شيء من طرق المسلمين وأسواقهم. ولا نضرب بنواقيسنا في كنائسنا إلا ضرباً خفيفاً. ولا نرفع أصواتنا بالقراءة في كنائسنا ولا في شيء من حضرة المسلمين. ولا شعانين ولا نرفع مع موتانا ولا نظهر النيران معهم في شيء من طرق المسلمين ولا أسواقهم ولا نجاورهم بموتانا. ولا نتخذ من الرقيق ما يجري عليه سهام المسلمين، ولا نطلع عليهم في منازلهم".
"قال عبد الرحمن بن غنم: فلما أتيت عمر بالكتاب زاد عليه: و لا نضرب أحداً من المسلمين. شرطنا ذلك على أنفسنا وأهل ملتنا، وقبلنا عليه الأمان. فان نحن خالفنا عن شيء مما شرطناه لكم وضمناه على أنفسنا، فلا ذمة لنا، وقد حل لكم منا ما يحل لأهل المعاندة والشقاق".
وقام القلقشندي بعد ذلك بتلخيص الشروط المفروضة على أهل الذمة وهي:
الجزية والضيافة، والانقياد لأحكامنا، وأن لا يركبوا الحمير بأن يجعل الراكب رجليه من جانب واحدة. وأن ينزلوا المسلمين صدر المجلس وصدر الطريق. والتمييز عن المسلمين في اللبس وانهم لا يرفعون ما يبنونه على جيرانهم من المسلمين. وأنهم لا يحدثون كنيسة ولا بيعة فيما أحدثه المسلمون من البلاد.
إن موضوع عهد عمر محل نقاش من جهة صحة نسبته إليه.. لكن الأمر الذي لا يمكن إنكاره أو تجاهله هو أن بعض الخلفاء والولاة وفقهاء المسلمين ساروا على نفس الخط الواضح نحو الذميين في عهد عمر طوال الحكم الاسلامي.
ومن جهة مصر، فان عمرو بن العاص كان في بادىء الأمر، قد صالح أقباط مصر على مبدأ الجزية الذي أشرنا إليه. لكن المؤرخ المقريزي يذكر أن عمر بن الخطاب ما لبث أن كتب لواليه على مصر عمرو بن العاص "أن أختم في رقاب أهل الذمة بالرصاص، وليظهروا مناطقهم، ويجزوا نواصيهم، ويركبوا على الأكف عرضاً، ولا تضرب الجزية إلا على من جرت عليه الموسى دون النساء والولدان. ولا تدعهم يتشبهون بالمسلمين في ملبوسهم".
الأقباط والنظام المالي:
اهتمت الخلافة الاسلامية عقب فتح مصر مباشرة باستغلالها وجباية أموالها. وتشهد المكاتبات التي دارت بين الخليفة عمر بن الخطاب وعمرو بن العاص عقب فتح مصر على أن الخليفة كان يريد جباية نفس القدر الذي كان يجبيه الروم من مصر (ابن الحكم: فتوح مصر وأخبارها).. وينسب لعمرو بن العاص أنه قال لأقباط مصر بعد الفتح "أن من كتمني كنزاً عنده فقدرت عليه قتلته"، ويذكر ابن الحكم أن عمرو قتل أحد أثرياء الصعيد ويدعى بطرس، فكان ذلك سبباً في أن يخرج الأقباط كنوزهم خوفاً من القتل.
هل كان هذا نوعاً من الاغتصاب من جانب عمرو بن العاص لصالحه، أم كان ذلك لتقدير الجزية أم للاسهام في نفقات الدولة.. الخ. كل هذا يعسر علينا استخلاصه من المصادر التي بين أيدينا... لكن ما هو واضح أن الأقباط سرعان ما عادوا إلى المعاناة من كثرة ما فرض عليهم من ضرائب، تماماً كما كانوا في زمن الروم، إذ أن الأعباء المالية التي تطلبتها الخلافة كانت كثيرة وأصبح مطلوب عنهم توفير المال اللازم لبيت مال المسلمين وللمنتفعين من الولاة والموظفين (دكتورة سيدة كاشف، مصر في عصر الولاة ص ١٢٢، ١٢٣). وتقول دكتورة سيدة كاشف "يظهر أن العنصر المالي الرئيسي الذي كان يهتم به العرب هو الجزية، ولذا كانت الجزية سبباً في إسلام كثير من الأقباط الذين أرادوا التخلص منها. وهذا طبعاً معناه نقص دخل الدولة. وربما حدا هذا بالخلفاء إلى مضاعفة مقدار الجزية على من تبقى من الأقباط على دينه، حتى لقد قيل أن الخليفة عمر بن عبد العزيز أرسل إلى حيان بن شريح عامله على خراج مصر، أن يجعل جزية موتى القبط على أحيائهم.. والملاحظ أن الأعباء المالية أخذت تزداد تدريجاً على الأقباط مما اضطر الكثيرين إلى التحول إلى الدين الاسلامي فراراً منها. وعندما كثر عدد الأقباط الذين دخلوا في الاسلام، كثر العبء المالي على من بقي على دينه منهم.. كذلك بدأ والي مصر عبد العزيز بن مروان سنة (٦٨٥ - ٧٠٥) فرض الجزية على الرهبان، إذ أمر باحصاء جميع الرهبان في كل الكور، وفي وادي النطرون وسائر الأماكن، وفرض ديناراً جزية على كل راهب. وأمر ألا يترهب أحد بعد من أحصاه. وكانت هذه أول جزية أخذت من الرهبان.
وفي خلافة الوليد بن عبد الملك وأثناء ولاية أخيه عبد الله بن عبد الملك (٧٠٥ - ٧٠٩) زادت الأعباء المالية على الأقباط، وقد أسلم عدد منهم. لكن من ناحية أخرى قامت في عهده حركة مقاومة سلبية ضد سياسة العرب المالية من جانب الذين لم يرضوا بتغيير دينهم بسبب الأعباء المالية. فأخذ بعض الأفراد يهربون إلى مناطق مختلفة غير تلك التي كانوا مقيدين فيها.. غير أن هذا الوالي تشدد في قمع تلك الحركة التي كانت تهدد باثارة الفوضى في مصر فضلا عن تأثيرها في مالية الدولة، فأمر بوسم الغرباء الذين وجدوا في الأقاليم المختلفة على أيديهم وجباههم وأرسلهم إلى مواضع مختلفة. وقد استمرت حركة الهروب من ولاية قرة بن شريك الذي خلف عبد الله بن عبد الملك (٧٠٩ - ٧١٤)، بل أنها اتخذت في عهده شكلا واسعاً فكانت أسرات بأسرها رجالا ونساءاً وأطفالا تهرب من مكان إلى مكان لا تستقر في مكان معين وذلك فراراً من دفع الضرائب.. وفي خلافة سليمان بن عبد الملك (٧١٥ - ٧١٧)، كان متولي خراج مصر أسامة بن زيد التنوخي. وقد اشتد أسامة في طلب الخراج والجزية وأمر عماله ألا يتوانوا في جمع الضرائب فأسلم الكثيرون في عهده كي يتخلصوا من الأعباء المالية. ولكن حركة الهروب استمرت من جانب الأقباط الذين أثقلتهم الأعباء المالية. وقد أمر أسامة ألا يأوى أحد غريباً في الكنائس أو الفنادق أو السواحل.. وقد عمل أسامة بن زيد إحصاء ثانياً للرهبان بعد الاحصاء الذي تم في عهد عبد العزيز بن مروان، وجبى منهم الجزية كما أمر الرهبان ألا يقبلوا في الرهبنة من يأتي إليهم بعد ذلك. وأمر أسامة بوسم كل راهب بحلقة حديد في يده اليسرى كان يكتب عليها اسم بيعته وديره وتاريخه. أما من وجد هارباً أو غير موسوم فقد كان يلقى عقاباً قاسياً) (دكتورة سيدة كاشف ٢١٢٣ - ١٢٨).
وبسبب الحاجة إلى المال كان بعض الخلفاء والولاة يستمرون على جمع الجزية حتى ممن يسلمون ولا شك أن معظم الذين اعتنقوا الاسلام من الأقباط كان بسبب التهرب من دفع الجزية وليس حباً في الاسلام كدين. حدث في ولاية حفص بن الوليد الثالثة على مصر سنة ٧٤٥ م من قبل الخليفة مروان بن محمود، عندما أعلن إعفاء كل من يسلم من الجزية، اعتنق نحو أربعة وعشرين ألفاً من الأقباط الدين الاسلامي. كذلك عندما قرر الخليفة العباسي أبو العباس السفاح أن يعفي من الجزية كل من يعتنق الدين الاسلامي ويقيم شعائره، تخلى كثير من المسيحين عن دينهم واعتنقوا الدين الاسلامي بسبب فداحة الجزية والأعباء الملقاة عليهم (سيدة كاشف ١٢٩).
أهل الذمة ووظائف الدولة:
لم يشمل عهد عمر مسألة استخدام أهل الذمة، لأن القرآن أجاب على ذلك بالنفي. وقد تمسك عمر طوال مدة خلافته بأحكام القرآن.. وقد أورد لنا الفقيه بن النقاش خطيب مسجد بن طولون في القرن التاسع الميلادي عدة أمثلة لما اتبعه الخليفة عمر.
"قال أبو موسى الأشعري للخليفة: استخدمت رجلا نصرانياً. فأجابه الخليفة: ماذا فعلت أيها الرجل؟ إن الله سيعاقبك. ألم تدرك معنى قول الله تعالى: «يا أيها الذين آمنوا، لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم بعض، ومن يتولهم منكم فانه منهم أن الله لا يهدي القوم الظالمين (المائدة: ٥٠). فقلت يا أمير المؤمنين، استخدمته وتركت جانباً عقيدته. فأجاب عمر: ليس هذا عذراً، ولن أشرف أبداً الذين احتقرهم الله. ولن أرفع أبداً الذين وضعهم الله في حالة دنيئة. ولن اقترب من الذين أبعدهم الله منه» وكتب إلى الخليفة عمر أحد قواده ليستعلم بخصوص إدخال الكفار في الوظائف العامة فقال: «أن الأموال التي تدفقت على الخزينة بكثرة، ولا يستطيع غيرهم أن يقوم بالأعمال الحسابية قل لي حينئذ ما يستحسن عمله».. فأجاب عمر «لا تشركوا الكفار في أعمالكم. لا تعطوهم ما حرمه الله عليهم. ولا تضعوا ثروتكم في أيديهم. ولا تنسوا هذه المبادىء التي يجب أن يسير عليها كل رجل». وكتب الخليفة إلى أحد قواده: أن الذي يستخدم كاتباً نصرانياً، يجب ألا يشاطره في أو يكن له عاطفة أو يجلسه بجانبه أو يستشيره، لأن النبي والخليفة أمرا بألا يستخدم الذميين في الوظائف".
وتلقى الخليفة عمر رسالة من معاوية بن أبي سفيان يقول فيها «يا أمير المؤمنين إني استخدم في ولايتي نصرانياً لا أستطيع بدونه أن أجمع الخراج. ولكن أردت قبل أن يقوم بهذا العمل أن انتظر أوامركم» فأجاب الخليفة «أدعو الله أن يقيني هذا الشر، قرأت الرسالة التي وجهتها إلي بخصوص النصراني. واعلم أن هذا النصراني قد توفي والسلام».
أما رأي الفقية النقاش، فلم يكن أقل صراحة من رأي عمر رغم الفاصل الزمني بينهما (نحو ٢٣٠ سنة) لقد سئل الفقية «ما هو رأي علماء الاسلام، وهم قادة الشعوب، فيما يختص باستخدام الذميين وبالاستعانة بهم بصفة كتاب لدى الأمراء، لادارة البلد أو لجباية الخراج؟ أهو عمل شرعي أم محرم فأجاب ابن النقاش: «اعلم أن الشرع لا يسمح باستخدام الذميين. وهذا رأي جميع المسلمين. أما العلماء، فقد افتوا بعدم استخدام الذميين، فحرموه بتاتاً أو أعربوا على الأقل عن عدم رضائهم لأنهم يقولون: لا عهد بيننا وبين النبي. ويمكن تطبيق هذا الكلام على أقباط مصر الذين يعتقدون أنهم غير مرتبطين بعهد مع المسلمين. فان قيل أن الآيات التي ذكرتها تتعلق فقط بشعور الصداقة نحو النصاري، بينما أن المسألة تتعلق باستخدامهم في الوظائف العامة، أقول: لا يستخدم الانسان إلا من يثق فيه.. وعلى أي حال، فان الله تعالى حل المشكلة الخاصة بالذميين حلا قاطعاً إذ قال «من يتولهم منكم فانه منهم».
وقد كره عمر بن عبد العزيز الخليفة الأموي أن تكون يد الذمي هي العليا فيكون له السلطات على المسلمين، وحاول منع ذلك.. فأرسل إلى الولاة عن هذا الخصوص رسالة يقول فيها «أما بعد، فان الله عز وجل أكرم بالاسلام أهله، وشرفهم وأعزهم، وضرب الذلة والصغار على من خالفهم. وجعلهم خير أمة أخرجت للناس. فلا تولين أمور المسلمين أحداً من أهل الذمة، فتبسط أيديهم وألسنتهم، وتذلهم بعد أن أعزهم الله، وتهينهم بعد أن أكرمهم الله تعالى وتعرضهم لكيدهم والاستطالة عليهم».. لذلك فقد عزل عمر بن عبد العزيز جماعة من العمال القبط بمصر، واستبدل بهم عمالا مسلمين. والواقع انه كان شديد التمسك بتطبيق ذلك المبدأ في جميع نواحي الدولة الاسلامية لأنه كتب ذات مرة يقول «أن من أراد أن يقيم في مملكته وبلاده فليكن على دين محمد مثله، ومن لا يريد فليخرج عنها». (الكندي: لكتاب الولاية والقضاء، ابن عبد الحكم: سيرة عمر بن عبد العزيز، الكامل في التاريخ لابن الأثير، ساويرس بن المقفع: تاريخ البطاركة صفحة ٣٢٦).
أهل الذمة وقيود الزي:
عرض عمر لهذه القيود بصفة عامة، ثم «جاء الفقهاء ليفسروا ما قاله عمر. يقول أبو يوسف قاضي بغداد في «كتاب الخراج» عن «القيود المفروضة على أزياء أهل الذمة» ينبغي أن تختم رقابهم في وقت جباية جزية رؤوسهم حتى يفرغ من عرضهم. ثم تكسر الخواتيم كما فعل بهم عثمان بن حنيف ان سألوا كسرها. وأن يتقدم في أن لا يترك أحد منهم يتشبه بالمسلمين في لباسه ولا في مركبه، ولا في هيئته. ويؤخذوا بأن يجعلوا في أوساطهم الزنارات مثل الخيط الغليظ يعقده في وسطه كل واحد منهم.. وبأن تكون قلانسهم مضربة، وأن يتخذوا على سروجهم في موضع القرابيس مثل الرمانة من خشب. وبأن يجعلوا شراك نعالهم مثنية. ولا يحذوا على حذو المسلمين. وتمنع نساؤهم من ركوب الرحائل ويمنعوا من أن يحدثوا بناء بيعة لهم أو كنيسة.. فمر عمالك أن يتخذوا أهل الذمة بهذا الزي. هكذا كان عمر بن الخطاب.. أمر عماله أن يأخذوا أهل الذمة بهذا الزي وقال حتى يعرف زيهم من زي المسلمين».
أهل الذمة ودية من يقتل منهم:
هناك تضارب كبير بين الفقهاء في هذا الأمر.. يقال أن كلا من محمد وعمر بن الخطاب أباح دم المسلمين الذين يقتلون النصارى اغتيالا. والمأثور عن محمد أنه أشار إلى أن من قتل ذمياً فلن يشم رائحة الجنة.. لكن على بن أبي طالب قال «لا يقتل مؤمن بكافر». وقد دعاه إلى هذا القول وجود فكرة ضد قتل المسلم لقتله ذمياً.
ويقال أن كلا من أبي بكر وعمر وعثمان طالب فدية كاملة غير منقوصة كما في حالة المسلم تماماً. ولكن مالك بن أنس يقول بأن دية الذمي نصف دية المسلم سواء كان القتل عمداً أو خطأ.. ويرى الأمام الشافعي أن دية الذمي ثلث دية المسلم في العمد والخطأ.. وقيل أن دية الذمي المقتول زمن محمد كانت نصف دية المسلم.
وإذا قتل رجل من المسلمين في أرض أهل الذمة التزم أهلها الذميون بديته إذا لم يعرف قاتلوه أو لم يستطع القبض عليهم (أهل الذمة في الاسلام صفحة ٢٠٧ - ٢١٠).
الاسلام والمرتد:
الفقهاء المسلمون متفقون على أن الموت هو جزاء الردة عن الاسلام، وهم في ذلك متمسكون بالحديث القائل يقتل من بدل دينه.. ويصر البعض على قتل المرتد مهما كانت الظروف التي دعت إلى ردته، على حين يرى البعض الآخر أن يستتاب. فان استتاب ولم يصر على ردته فلا يجوز قتله.. وطبعاً هذا الكلام ينطبق على الذمي الذي يعتنق الاسلام تحت أي ظروف وبعدها أحس بخطئه وأراد العودة إلى دينه. وإن كان الفقهاء متفقون على قتل المرتد، لكنهم يختلفون في المدة التي ينفذ بعدها الحد.. فمنهم من يقول يجب قتل المرتد في الحال، والبعض يرون أن يمهل ثلاثة أيام للاستتابة، فان تاب قبلت توبته.. سئل عمر بن الخطاب رأيه في رجل أسلم ثم ارتد ثم أراد العودة هل يقبل إسلامه، قال "إقبلوه منه، وقدموا له الاسلام فان قبله إتركوه وإن لم يقبله فاقطعوا رقبته".. وأخذ رأي عمر بن عبد العزيز الخليفة الأموي في أمر يهودي أسلم ثم ارتد فقال "ادعه إلى الاسلام فان أسلم أخلوا سبيله، وإن أبى اقتلوه" (أهل الذمة في الاسلام صفحة ٢١١ - ٢١٦).
الاسلام وشهادة الذمي:
يكاد يكون هناك إجماع بين فقهاء المسلمين بعدم جواز شهادة ذمي لمسلم لا في سفر ولا في حضر ويقال أن عمر بن عبد العزيز كان أول من أخذ بهذا الرأي. وبعض المصادر تظهر مدى التزمت في هذه الحالة. فيرفض أبو حنيفة ومالك والشافعي شهادة الذمي في حالة مسلم مرض مرض الموت وهو في سفره وأراد أن يوصى فلم يجد أحداً من المسلمين يتخذه شاهداً فأوصى وصيته لذمي ومع ذلك يرفض هؤلاء الفقهاء شهادة الذمي حتى في هذه الحالة. (أهل الذمة في الاسلام صفحة ٢١٧).
آراء إسلامية معتدلة بخصوص أهل الذمة في الاسلام
على أنه من المفيد أن نشير هنا - بعد أن عرضنا لموضوع أهل الذمة في الشريعة الاسلامية - إلى ما كتبه مؤخراً الدكتور محمد عمارة في كتاب الهلال عدد فبراير سنة ١٩٧٩ بعنوان «الاسلام والوحدة والوطنية».. والكاتب تخرج في الأزهر ودار العلوم، وحصل على الماجستير والدكتوراه في العلوم الاسلامية.. يقول:
أولا - الجزية:
لقد ألقى في فكر أمة الاسلام وتراثها، الفكري والتاريخي، بفعل الممارسات السياسية والادارية، التي لم تكن أبداً إسلامية، وبسبب منحها التبرير والمباركة من الفقهاء ورؤساء الدين، ألقى في فكر أمة الاسلام وعقلها، أن أهل الشرائع الأخرى من أهل الذمة وأصحاب الكتاب، هم رعايا من الدرجة الثانية، وفي أحسن الأحوال فهم ليسوا مع المسلمين على قدم المساواة في الحقوق والواجبات.. وكان وجوب «الجزية» عليهم، وإعطاؤهم لها وهم صاغرون أهم فارق، شكلا ومضموناً، يقيم جدار التفرقة باسم الدين.
صحيح أن القرآن الكريم قد تحدث عن هذه الجزية في موطن واحد وآية واحدة فقال «قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الأخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله، ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب، حتى تعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون» (سورة التوبة: ٢٩).
وصحيح كذلك أن حكاماً مسلمين لا يرقى الشك إلى التزامهم بتعاليم الاسلام - ومنهم عمر بن الخطاب - حصلوا الجزية من أهل الكتاب.. بل لقد تحدثت مصادر التاريخ عن أن الرسول، قد عقد صلحاً مع نصارى نجران، ومجوس البحرين، وفيه نص على دفعهم الجزية للدولة الاسلامية.
ولكن هناك روايات ومأثورات كثيرة في موضوع الجزية هذا، تحتاج إلى تمحيص ودراسة وتصحيح وعلى ضوء نتائج هذا التمحيص والتصحيح، سنجد أن أغلب التطبيقات في تاريخنا لهذا الأمر هي سياسة ومظالم لا علاقة لها بالاسلام.
فالشائع مثلا أن الجزية هي ضريبة يدفعها أهل الذمة والكتاب، غير المسلمين، الذين يعيشون في ديار الاسلام، وأن سبب وجوبها عليهم هو عدم تدينهم بشريعة الاسلام، وهذا هو رأي علماء المذهب المالكي الذين قالوا أن الجزية قد وجبت على أهل الكتاب «بدلا عن القتل بسبب الكفر».. فكأن اختلاف الشريعة هو سبب وجوبها، ومن ثم فهي دائمة الوجوب ومستحقة الدفع طالما بقي هذا الاختلاف.
لكن هذا الشائع ليس هو الصحيح.. إذ لو كان سبب الجزية هو الاختلاف في الدين لوجبت على كل المخالفين، بينما أمرها ليس كذلك فهي لا تجب إلا على القادرين على القتال من الرجال ولا تجب على الشيوخ ولا النساء ولا العجزة ولا المرضى من أهل الكتاب.. وهؤلاء جميعاً مخالفون للمسلمين في الشريعة (الدين)، ومع ذلك لا تجب عليهم الجزية.. كما أنها لا تجب على الرهبان، وهم من هم مخالفة في الدين. فليس الخلاف في الدين هو سبب وجوبها، وإنما هي «ضريبة جندية» أو بدل الخدمة العسكرية» بتعبيرنا الحديث»، فرضتها الدولة الاسلامية على القادرين على حمل السلاح والقتال، ممن هم في سن الجندية وطور القدرة عليها، في نظير إعفائهم من هذه الجزية لاعتبارات «أمن» اقتضتها ظروف خاصة ببعض المجتمعات التي فتحتها جيوش المسلمين، عندما اقتضت اعتبارات الأمن هذه، أن يكون الجيش جميعه في تلك البلاد مؤلفاً من العرب المسلمين. ويشهد لذلك ما قاله غير المالكة من الفقهاء، من أنها وجبت «بدلا عن النصر والجهاد».
فلم تكن الجزية إذاً ضريبة دينية، علة وجوبها هي المخالفة في الدين، بل كانت بدلا من الجندية عندما اقتضت ضرورات الأمن قصر الجندية على المسلمين. فلما زالت هذه الضرورة، وكلما تخلفت سقطت هذه الضريبة، وقامت المساواة الحقة والحقيقية بين المواطنين على اختلاف الشرائع والمذاهب والأديان.. واليوم وبعد التطور الذي بلغته الأمة والذي ساوى بين أبنائها جميعاً في شرف الجندية، وتأدية ضريبة الدم والذود عن الوطن، هل هناك مبرر لبقايا فكر أو حديث - مجرد فكر أو حديث - عن هذه الجزية تظل معششة في عقول متخلفة، ظانة أو زاعمة أن سقوط هذه الجزية هو تعطيل لحكم من أحكام الله!.
ثانياً - الزي الخاص:
ولقد ترسبت في قناعة العامة، وقطاع من الخاصة، أن الاسلام قد دعا إلى تمييز أهل الكتاب عن المسلمين بزي خاص. وعلى الرغم من أن الاسلام - وخاصة في قرآنه الكريم - لم يعرض لقضية الأزياء والأشكال لا بالنسبة للمسلمين ولا بالنسبة لغيرهم، لاهتمامه بالجوهر والمقاصد أكثر من الظواهر والأشكال، إلا أن ما شهده تاريخنا وسجله حول زي أهل الكتاب وأهل الذمة من مراسيم قد صدرت تحدد لهم التزيي بزي خاص، ثم تعطل تنفيذه هذا بالرشوة أو الجاه أو مرور الزمن، ثم العودة إليها ثانياً.. وهكذا أن ما شهده التاريخ في هذا المجال قد رسب في القناعات والأفكار، أن هذا الأمر هو دين، أو على الأقل وثيق بالدين.. ولقد أسهم في هذا الخلط، خلط السياسة وأوامرها بالدين وشريعته.
إن أئمة وفقهاء أجلاء قد تحدثوا عن وجوب تمييز أهل الذمة بزي خاص، ورووا أن فقهاء أجلاء قد التزموا ذلك في مجتمعاتهم التي حكموها.. وعلى سبيل المثال فها هو القاضي أبو يوسف [١١٣ - ١٨٢ هـ (٧٣١ - ٩٨ م)] يكتب في كتاب الخراج طالباً من الخليفة هارون الرشيد الالتزام بذلك مع أهل الكتاب والذمة «فلا يترك أحد منهم يتشبه بالمسلمين في لباسه ولا مركبه ولا في هيئته.. الخ».
وقد استند أبو يوسف في تقرير ذلك إلى أن عمر بن الخطاب قد أمر به وأنه «أمر عماله بأن يأخذوا أهل الذمة بهذا الزي، وقال: حتى يفرق بين زي أهل الكتاب من زي المسلمين».. ونحن لا نجادل صدق رواية أبي يوسف أن عمر بن الخطاب، قد طلب أن يتميز زي أهل الكتاب عن زي المسلمين.. وإن كانت لنا ملاحظات على القضية برمتها، نوجزها في نقاط:
(١) إن صنيع عمر بن الخطاب في هذا المقام - وكذلك غيره من الخلفاء - ليس ديناً ولا شريعة فمثل هذه الأمور ليست من الدين في شيء.
(٢) إن خيال الحكام قد تلقف مبدأ التمييز في الزي فأضاف في تطبيقه، التفاصيل، حتى ليخيل للمرء أن الذين شرعوا هذا الأمر وطبقوه هم من مصممي الأزياء.. وذلك يجعل هذا الأمر إذ حل في عادات الحكام التي نسجتها ظروف عصورهم، وأبعد عن أن تكون ذات صلة بالشريعة والدين.
(٣) وهو أهمها - أن الفقهاء الذين استمروا على مر القرون، يعيدون هذه القضية ويزيدون لم يقفوا وقفة المتأمل للحكمة التي من أجلها بدأ عمر بن الخطاب فوضع هذا القانون.. فوصفه لم يرو عن النبي ولا عن أبي بكر، وإنما روي عن عمر أي أنه من محدثات عهده. لم يتأمل الفقهاء حكمة هذا القانون، ولو تأملوها لقالوا بالغائه لأنه قد أصبح غير ذي موضوع.
ثالثاً - وقف بناء الكنائس والبيع الجديدة:
وقضية ثالثة جرى عليها العمل، وطبقتها السلطة السياسية في تاريخنا، أو في بعض فتراته، وهي حظر بناء دور العبادة الجديدة لغير المسلمين من أهل الكتاب، غير تلك التي كانت قائمة عند فتح البلاد من قبل العرب المسلمين وعقد الصلح بينهم وبين أهل تلك البلاد في ذلك التاريخ.. بل إننا نجد كتب الفقة الاسلامي تكاد تجمع على منع قيام هذه المعابد الجديدة، وتطلب الاقتصار على ما كان قائماً منها عند الفتح، كنائس كانت للنصارى أو بيعاً لليهود أو بيوت نار للمجوس. وأقصى ما تبيحه هذه الكتب هو ترميم بيوت العبادة هذه دون زيادة أو توسيع.
والأمر الذي لا شك فيه هو أن مثل هذا الحكم وتطبيقه إنما يمثل مظهراً للتفرقة الدينية وللطائفية، ويؤكد غياب الوحدة الوطنية والقومية. إذ ما الذي تعنيه إباحة إقامة المساجد الجديدة دونما حظر أو تحديد، مع منع غير المسلمين من ممارسة هذا الحق الذي يمارسه المسلمون.. هي إذن تفرقة لا سبب لها إلا اختلاف الشرائع الدينية.. ولا يحق لباحث مخلص عن الحقيقة.. أن يتجاهل أن نصوص الفقهاء هذه، والأدلة التي استندت إليها من المعاهدات والمصالحات وكذلك تطبيقاتها التي نهض بها ساسة العصور الوسطى وحكامها وعوامها، أن هذه الأشياء قد غدت لدى الكثيرين من المسلمين «مسلمات دينية وشرعية»، تسلب الشرعية عن أغلب دور العبادة غير الاسلامية، وتجرد القرارات الحديثة باقامة المعابد الجديدة لأهل الكتاب من الحجية والشرعية. ومن ثم فلابد من فتح باب النظر من جديد في هذا الحكم الذي أجمع عليه أغلب الفقهاء، والبحث عن علاقته بالاسلام، كدين، وبالشريعة الاسلامية، كنهج إلهي يجب أن يلتزمه المسلمون. ومنذ البداية فنحن نرى أن هذا الحكم، رغم وروده في كتب الفقه، فهو ليس ديناً، ولا هو من الشريعة الدينية وإنما هو من الترتيبات الادارية والسياسية التي مارستها السلطات السياسية بعد عصر الفتوحات مدفوعة بقدر غير ضئيل من التعصب وضيق الأفق. ثم جاء الفقهاء فقننوها وجعلوها فقهاً، وذلك بعد ان استولوا عليها بنصوص معاهدات واتفاقات صلح عقدت في صدر الاسلام.. الخ (انتهى).
وإن كانت هذه الأصوات المخلصة تدل على أن الحق له أنصاره ومريدوه في كل مكان وزمان، لكنه يؤسفنا إل جانب الكلام السابق أن يقع في أيدينا كتاب «إقامة الحجة الباهرة على هدم كنائس مصر والقاهرة» لشيخ الاسلام أحمد الدمنهوري في القرن الثامن عشر وعنى بنشره موسى برلمان، وطبعته جامعة كاليفورنيا سنة ١٩٧٥، الذي يورد آراء فقهاء المذاهب الأربعة بوجوب هدم الكنائس ليس المستحدث منها بل حتى ما كان قائماً بها من بيوت العبادة لغير المسلمين.
عرضنا فيما سبق لأحوال مصر وشعبها وكنيستها، التي مهدت لفتح العرب لمصر. ثم تناولنا موضوع الفتح العربي لمصر، وما ترتب عليه. ثم ناقشنا موضوع الشريعة الاسلامية وأهل الذمة.. والآن نعرض لأحوال الكنيسة القبطية وشعبها في ظل الحكومات الاسلامية، منذ الفتح العربي سنة ٦٤٢، حتى نهاية القرن الثامن عشر الميلادي.
وستكون دراستنا على النحو التالي:
(١) عصر الولاة المسلمين ويبدأ من فتح العرب لمصر سنة ٦٤٢، وينتهي بقدوم أحمد بن طولون إلى مصر وتأسيس دولة مستقلة في مصر الاسلامية سنة ٨٦٨ م.
(٢) عصر الدولة المستقلة في مصر الاسلامية، ويشمل حكم الطولونيين، والاخشيديين، والفاطمين والأيوبيين والمماليك البحرية والبرجية، أي الفترة من سنة ٨٦٨ إلى سنة ١٥١٧ م.
(٣) مصر كولاية تابعة للدولة العثمانية من سنة ١٥١٧ حتى آخر القرن الثامن عشر، وتشمل هذه الفترة مجىء الحملة الفرنسية إلى مصر.
From History of the Coptic Church after the Council of Chalcedon, parts 1 and 2, by Anba Youannis, Bishop of Gharbiya, edited by Amir Nasr, a special edition for the students of the Clerical College.
يُنشر هذا النص بإذن من إيبارشية الغربية.
Published with the permission of the Diocese of Gharbiya.