← Books · History of the Coptic Church after the Council of Chalcedon

الكنيسة القبطية في عصر الولاة المسلمين (٦٤٢ - ٨٦٨ م)

The Coptic Church in the era of the Muslim governors (642-868)

الكنيسة القبطية في عصر الولاة المسلمين (٦٤٢ - ٨٦٨ م)

يقصد بعصر الولاة الفترة التي كانت فيها مصر ولاية تابعة للخلافة، يحكمها ولاة من قبل الخلفاء. فكانت الخلافة تبعث بالولاة من مقرها في المدينة المنورة زمن الخلفاء الراشدين، ومن الكوفة زمن على بن أبي طالب، ومن دمشق زمن الايوبيين، وأخيراً من بغداد وسامرا زمن العباسيين.. كان الولاة عرباً من أبناء القبائل العربية حتى نهاية الدولة الأموية. أما في عصر العباسيين فكان الولاة خليط من العرب والفرس والخرسانيين والأتراك.

وندرس أحوال الكنيسة القبطية وشعبها من خلال استعراض النقاط التالية، التي تظهر لنا ملامح هذا العصر:

أولا - كثرة عدد الولاة المسلمين:

أول ما يلاحظ على تلك الفترة كثرة عدد من تولوا حكم مصر.. فالاحصاءات تدل على أن الخلفاء الراشدين والأمويين والعباسين منذ ولاية عمرو بن العاص إلى ولاية أحمد بن طولون، نصبوا مائة وإحدى عشر (١١١) والياً مدة ٢٢٥ سنة.. وطبيعي أن المدة القصيرة التي كان يقضيها كل والي في حكم مصر لم تتح له فرصة اتباع سياسة إنشائية، ووضع خطة معينة لخير البلاد وشعبها.

ويقدم لنا الأستاذ جاستون فييت في بحث له عن مساجد القاهرة، إحصاء عن ذلك يقول «حكم مصر أثناء خلافة الأمويين واحد وعشرين والياً. إثنان منهم وليا الحكم مرتين، وواحد منهم ثلاث مرات.. كان خمسة من هؤلاء من أسرة الخلفاء. وقد توفى ستة منهم وهم ولاة، وقتل الخليفة أو أقال أحد عشر منهم، واستقال أحدهم وطرد الجند آخر لأنه خفض رواتبهم.. مكث أحدهم على كرس الولاية ستة عشر عاماً.. وإذا انتقلنا إلى الخلافة العباسية، الفيناهم عينوا أربعة وستين والياً.. ومما يلفت النظر أن عدد التنقلات قد ازداد في عصر العباسيين عما كان عليه في حكم الأمويين.. ويرجع السبب إلى أن السلطة المركزية كانت بعيدة جداً في بغداد. وكان الخليفة لا يريد أن يترك للولاة متسعاً من الوقت يستطيعون خلاله استمالة قلوب الشعب إليهم. وكان الخوف من نفوذ الولاة قد طبع في قلوب الخلفاء شيئاً من الخوف المستديم.

إن عدم الاستقرار الذي لازم الولاة لم يكن في صالح البلاد على الاطلاق. إذ كيف تطلب من موظف جاء من الخارج ويثق من عدم بقائه في الولاية أن يعير البلاد اهتمامه، أو أن ينظم مواردها أو أن يسهر على دولاب إدارتها». وكمثال لكثرة عدد من تولوا حكم مصر، بالاضافة إلى ما تقدم، ما حدث في خلافة هارون الرشيد الخليفة العباسي التي امتدت إلى ثلاثة وعشرين عاماً.. لقد حكم مصر في مدة خلافته أربعة وعشرين والياً.

كان كل هم من يتولى حكم مصر هو الاثراء بأية صورة من الصور في أقصر وقت ممكن. وبطبيعة الحال فان هذا لا يتأتى إلا بكثرة المظالم على الشعب المسكين.. ومن يا ترى هو ضحية هذه المظالم سوى الأقباط الذين رفضوا اعتناق الاسلام وثبتوا على إيمانهم المسيحي.

ثانياً - سياسة الخلفاء والولاة تجاه مصر أساسها المنفعة المادية:

ذكر بن عبد الحكم في كتابه «فتوح مصر» حديثاً منسوباً إلى عبد الله بن صالح عن مصر قال: «من أراد أن يذكر الفردوس، أو ينظر إلى مثلها في الدنيا، فلينظر إلى أرض مصر حين تخضر زروعها وتنور ثمارها» (ص ٤، ٥). إن صيحة الاعجاب بمصر رددها كل إعرابي وطئت قدماه وادي النيل.. وكان من الطبيعي أن يعمل رجل البادية، الذي خرج منتصراً بعد حرب شنها على امبراطوريتين (الفارسية والبيزنطية)، على الاستفادة من انتصاراته.. وهذا الأمر واضح من إلحاح الجيوش المنتصرة لتوزيع أراضي البلاد المفتوحة في العراق وسوريا ومصر.

ومما يكشف النظرة المادية البحتة التي كان عليها الخلفاء والولاة نحو مصر، تلك الكلمات المنسوبة إلى عمر بن الخطاب الذي يوصف بأنه كان أكثر الخلفاء عدلا.. إذ لما حاقت المجاعة بالمدينة المنورة، طلب عمر أن يستعجل إرسال القمح اللازم من مصر وقال «أخرب الله مصر في عمران المدينة وصلاحها».. (الطبري في تاريخ، البلاذري "فتوح البلدان" - أقباط ومسلمون الصفحة ٧٩).. وعندما تكلم عمر عن الشعوب المغلوبة قال «يأكلهم المسلمون ماداموا أحياء. فاذا هلكنا وهلكوا، أكل أبناؤنا أبناءهم ما بقوا». (أبو يوسف «الخراج» - أقباط ومسلمون الصفحة ٧٩).

ومما يفضح تلك الروح المادية الجشعة، خطابان متبادلان بين الخليفة عمر وواليه على مصر عمرو بن العاص بخصوص ما تغله مصر من ضرائب.. فقد حدث أن قيمة الضرائب التي كان يرسلها عمرو إلى الخليفة، أخذت في التناقص سنة بعد أخرى، إما بسبب دخول بعض الأقباط في الاسلام وما ترتب على ذلك من رفع الضرائب عنهم، وإما بسبب عدم نزاهة عمرو نفسه وقد قيل عن ذلك الكثير.. يقول عمر في خطابه إلى عمرو «... أما بعد، فاني فكرت في أمرك والذي أنت عليه، فاذا أرضك أرض واسعة عريضة رفيعة.. وأنها قد عالجتها الفراعنة وعملوا فيها عملا محكماً مع شدة عتوهم وكفرهم، فعجبت من ذلك. وأعجب مما عجبت أنها لا تؤدي نصف ما كانت تؤديه من الخراج قبل ذلك على غير قحط ولا جدوب»، فرد عمرو بالآتي «.. أما بعد فقد بلغني كتاب أمير المؤمنين في الذي استبطأني فيه من الخراج، والذي ذكر فيه من عمل الفراعنة قبلي، وإعجابه من خراجها على أيديهم، ونقص ذلك فيها منذ كان الاسلام. ولعمري للخراج يومئذ أوفر وأكثر، والأرض مع انهم كانوا على كفرهم وعتوهم أرغب في عمارة أرضهم منا منذ كان الاسلام. وذكرت أن النهر يخرج الدر، فحلبتها حلباً قطع درها» (ابن عبد الحكم «فتوح مصر» أقباط ومسلمون ص ٧٥، ٧٦).. وقد تكرر اتهام عمرو بنفس التهمة زمن عثمان بن عفان فقد كان عمرو يجمع اثني عشر مليوناً من الدينارات ضريبة جزية، فرفعها الوالي الذي أتى بعده وهو عبد الله بن سعد بن أبي سرج إلى أربعة عشرة مليوناً. فقال الخليفة عثمان لعمرو «يا أبا عبد الله، درت اللقحة بأكثر من دورها الأول». فقال عمرو «اضررتم بولدها».

كان هذا هو حال الخلفاء، فكم يكون حال الولاة؟

والحق أن المسائل المالية كانت شغل الخلفاء الشاغل.. كانت الضرائب في تناقص مستمر.. وبينما كان الدخل ينقص أخذت المصروفات تزداد.. أما السبب في ذلك فكان الرغبة في القيام بفتوحات جديدة، وضرورة تأمين سلامة الامبراطورية. الأمر الذي اقتضى الاحتفاظ بجيوش كبيرة العدد والعدة.. كما اقتضت الضرورة إنشاء قوة لحفظ الأمن الداخلي.

كان الجيش يستنفذ الجزء الأكبر من الدخل.. حاول الخلفاء ضغط الميزانية بخفض مرتبات الجند، لكنهم فشلوا في ذلك عدة مرات.. لم يكن أمامهم إذن سوى البحث عن حلول أخرى لا تعرضهم للخطر، فلجأوا إلى زيادة الضرائب على شعوب البلاد المفتوحة.

يذكر ابن الحكم واقعة حدثت مع أحد أقباط الصعيد ويدعى بطرس يقول «أن عمرو بن العاص لما فتح مصر قال لقبط مصر أن من كتمني كنزاً عنده فقدرت عليه فقتلته». ونما لعلم عمرو أن بطرس هذا عنده كنز، فأرسل إليه، ولما سأله أنكر، فحبسه في السجن، وكان عمرو يسأل من حوله في السجن «هل تسمعونه يسأل عن أحد» فقالوا «إنما سمعناه يسأل عن راهب في الطور». فأرسل عمرو إلى بطرس، ونزع خاتمه من يده، وكتب إلى ذلك الراهب، ليبعث إليه بما عنده وختمه بخاتمه (وكأن الخطاب صادر من بطرس). فعاد رسول عمرو بقلة شامية مختومة بالرصاص. ولما فتحها عمرو وجد فيها صحيفة مكتوب فيها «مالكم تحت الفسقية الكبيرة» فأرسل عمرو إلى الفسقية، فحبس عنها الماء ثم قلع البلاط الذي تحتها، فوجد فيها اثنين وخمسين أردب ذهب مضروبة. فضرب عمرو رأسه (بطرس) عند باب المسجد. فذكر ابن رقيبة أن القبط أخرجوا كنوزهم شفقاً أن يبقى على أحد منهم فيقتل، كما قتل بطرس». (ابن عبد الحكم: فتوح مصر).

وعلى الرغم مما يوصف به عبد العزيز بن مروان (٦٨٥ - ٧٠٥) من عدل في مدة ولايته على مصر التي امتدت إلى واحد وعشرين عاماً متتالية، لكنه استحدث فرض ضريبة على الرهبان ظلت سارية بعده. جاء بعد عبد العزيز بن مروان أخوه عبد الله، ولم يكتف بتثبيت ضريبة الدينار على رجال الدين المسيحي، بل سجن البابا الكسندروس الثاني البطريرك ٤٣ (٧٠٠ - ٧٢٤) حتى يدفع له ثلاثة آلاف دينار. يقول ساويرس بن المقفع «في تلك الأيام خرج الطوباني الكسندروس وسار إلى مصر ليسلم عليه (الوالي) كالعادة من البطاركة والولاة. فلما نظر إليه قال ايش هو هذا. قالوا له هذا أب وبطرك جميع النصارى. فأخذه وسلمه لواحد من حجابه وقال له أفعل به ما تريد من الهوان إلى أن يقوم بدفع ثلاثة آلاف دينار. فأخذه وأقام عنده ثلاثة أيام.. فلما نظر ذلك جرجه الشماس أنه ما يفرج عن البطرك إلا بعد أن يأخذ المال تقدم إليه وقال له (الوالي) يا سيدنا تطلب نفس البطرك أو مالا. فقال له أريد المال فقال له الشماس جرجه ضمني إياه مدة شهرين أنحدر به إلى بحري أطلب له من الأراخنة والنصاري وأقدم لك عنه ثلاثة آلاف دينار. فسلمه إليه فطاف به المدن والقرى على المؤمنين بالمسيح حتى حصل على المال وحمله».. ويصف ساويرس بن المقفع هذا الوالي بأنه «كان محباً للمال جداً» حتى أنه حصل من أهل الذمة ثلثي دينار زيادة عما كانوا يدفعونه.. ويؤيد رواية ساويرس الكندي ويتهمه بأنه شجع الرشوة وملأ جيوبه بمال الجزية» (كتاب الولاة والقضاة - عن أقباط ومسلمون الصفحة ٩٣).

وخلف عبد الله في ولايته آخر اسمه قرة بن شريك، وكان هو الآخر جشعاً ظالماً حتى أن البطريرك الكسندروس لما ذهب إليه ليهنئه بالولاية قبض عليه وقال له «الذي قبضه منك عبد الله بن عبد الملك تحتاج أن تقوم لي بمثله» يقصد أن يدفع ثلاثة آلاف دينار. وعبثاً حاول البطريرك أن يفهم الوالي ضيق ذات يده وأنه لا يملك شيئاً بل أنه مازال مديوناً بخمسمائة دينار. فكان رد الوالي عليه «هذا الكلام ما ينفع». ولو أنت تبيع لحمك لابد من ثلاثة آلاف دينار وإلا فما تخلص من يدي». وكانت النتجية أن خرج البطريرك في هذه المرة إلى بلاد الصعيد ليتصدق من أولاده المسيحيين ليوفي هذا المبلغ.

ومما يذكر في هذا الصدد ما ارتكبه أسامة بن زيد والي مصر من قبل الخليفة الأموي سليمان بن عبد الملك.. كان أسامة هذا أكثر جشعاً ممن سبقوه من الولاة. ويذكر المؤرخون المسلمون والمسيحيون أنه صادر الأملاك بغير حق كما أسرف في القتل بصورة وحشية. جمع الرهبان وأخبرهم بابقاء الضريبة عليهم. وأجبرهم على أن يطلبوا من رجال الضرائب خاتماً من جديد تنقش عليه أسماؤهم وموعد دفع الضرائب، ويضعونه في إحدى أصابعهم، وإذا قبض على راهب ولم يكن يضع الخاتم في يده، كانت تقطع يده في الحال.. ونفذ هذا الأمر. أما الرهبان الذين لجأوا إلى الأديرة ليختبئوا فيها، فقد قام رجال الشرطة بالبحث عنهم حتى قبضوا عليهم، وحكم عليهم بقطع رؤوسهم أو جلدهم بوحشية. (ساويرس بن المقفع، تاريخ البطاركة ٣٢٤، ٣٢٥).

ثالثاً - العرب لم يكن لهم سياسة ثابتة في حكم البلاد

بالاضافة إلى النقطة السابقة التي عالجنا فيها سياسة الخلفاء والولاة المادية تجاه مصر، نقول أن هناك طابعاً آخر لازم الحكم العربي أثناء الفتوحات في مصر وفي جميع البلدان التي أحتلها العرب، ألا وهو افتقار الحكم إلى خطة مرسومة يسير عليها. فالقرارات السياسية والاقتصادية والاجتماعية كانت تصدر حسب الظروف ولمقتضيات الحال. يقول بعض المؤرخين أن السبب في ذلك يرجع إلى أنه لم يكن في نية العرب الاقامة في تلك البلاد وإدارتها، بل كانوا يهدفون إلى غرض واحد هو المحافظة على سلامة مؤخرة جيوشهم حتى يقوموا بفتوحات جديدة. وهذا بالتالي دفعهم إلى الرغبة في الحصول على المال الكافي لمتابعة أعمالهم العسكرية الجديدة.

كانت الخطة المرسومة ألا يختلط الجنود العرب بالشعوب المغلوبة. وكان رؤساءهم يمنعونهم من ذلك. ويذكر لنا ابن عبد الحكم ما قاله الخليفة عمر بن الخطاب عن جيش الاحتلال العربي لمصر "إني لا أحب أن ينزل المسلمون منزلا يحول الماء بيني وبينهم في شتاء ولا صيف". وهذا ونحن لا نجد بين الوثائق التاريخية ما يدل على أي إجراء أو تدبير قام به الحكام العرب من أجل زيادة ثروة البلاد الاقتصادية أو إصلاح أحوالها ورفع المعاناة عن الشعب.. وإن كان ثمة شيء قد تم، فقد كان الغرض منه خدمة مصالح المستعمر. من أمثلة ذلك إعادة حفر قناة تراجان من أجل تسهيل إرسال قمح مصر إلى البلاد العربية القاحلة في أقصر مدة وبأسهل الطرق. ولكن ما لبثت هذه القناة أن أهملت فردمتها الرمال أوائل القرن الثامن الميلادي. وردمها حكام مصر بين سنتي (٧٦١، ٧٦٢) كي يمنعوا إرسال الأقوات إلى المدينة (المنورة) عندما أصبحت مصدراً للثورات. وقد سخر الحكام السكان لتطهير القنوات وإعادة بناء الطرق والجسور مقابل إعفائهم من قسط من الضرائب تتلائم مع ما قاموا به من عمل (المقريزي، الخطط ج ظ ص ٧٤).

ثم بينما كان بناء الكنائس محظوراً في المدن التي أنشأها العرب، سمح عبد العزيز بن مروان ببناء كنيسة في حلوان لوجود بعض المسيحيين الملكانيين في خدمة الوالي.. ونفس السياسة اتبعها الخليفة العباسي المأمون حال إقامته في مصر، واستخدم بعض النصارى الذين التمسوا منه تشييد كنيسة بالقرب من قبة الهواء، فأذن لهم (ابن بطريق ص ٤١، ٥٨ - أقباط ومسلمون ٦٤).

ويروي تاريخ البطاركة أنه لما هبط مستوى النيل سنة ٧٥٢ م، رفعت صلوات إلى الله من أجل ارتفاع ماء النيل فصلى المسلمون وتبعهم اليهود دون جدوى، ولم تحدث المعجزة إلا حينما بدأ النصارى الصلاة. فقرر نائب الوالي مكافأتهم، فخفض الجزية وأمنهم على حياتهم وأملاكهم في القطر المصري كله (تاريخ البطاركة).

وليس أدل على سياسة الحكام الارتجالية واتخاذهم قرارات متناقضة، مما حدث سنة ٧٨٥ م حين أمر الوالي على بن سليمان بهدم الكنائس المحدثة بمصر، لكنه لما أعطى خمسون ألف دينار مقابل تركها قائمة عدل عن قراره. هذا بينما صرح موسى بن عيسى الذي خلفه سنة ٧٨٧ م، باعادة تشييد الكنائس لاعتبارات مادية خالصة. وقد أقدم على هذا بعد أن سأل الفقهاء رأيهم في هذه المشكلة، فأفتوا بأن الكنائس هي «من عمارة البلاد» ويجب ألا يكون الوالي أكثر تطرفاً ممن سبقوه بدليل أن «عامة الكنائس التي بمصر لم تبن إلا في الاسلام في زمن الصحابة والتابعين». (الكندي ١٣١، ١٣٢).. ومما هو جدير بالملاحظة أن الغوغاء في سنة ٧٣٥ م - أي قبل ذلك ببضع سنوات - قاموا على الوليد بن رفاعة، لأنه صرح للنصارى ببناء كنيسة مار مينا.

رابعاً - أمثلة من المتاعب التي حاقت بالكنيسة:

ليس من المبالغة أن قلنا أن المصادر القديمة التي سجلت لنا تاريخ تلك الفترة، ترسم لنا صورة قاتمة محزنة أليمة عن المآسي التي عانت منها كنيسة المسيح في مصر والأقباط.. وقبل أن نتكلم بشيء من التفصيل عن تلك المآسي نسجل شهادة الدكتورة سيدة اسماعيل كاشف استاذة التاريخ الاسلامي في كتابها مصر في عصر الولاة.. تقول:

«على أن سياسة العرب نحو الأقباط بدأت تتغير عما كانت عليه في السنين الأولى التي تلت الفتح ووجد قسم كبير من الأقباط أن من مصلحتهم الدخول في الدين الاسلامي والتعرب هرباً من المضايقات الاجتماعية والأدبية، أو فراراً من الضرائب المتزايدة عليهم، أو رغبة في الابقاء على مناصبهم.. والمعروف أن العرب بعد فتوحاتهم العظيمة، وتفوقهم على شعوب لها حضارات عريقة، وبعد استقرار أقدامهم في البلاد المفتوحة بدأوا يشعرون بتفوق شعبهم على سائر الشعوب، وبتفوق لغتهم ودينهم على سائر اللغات والأديان. ولم تكن هذه النزعة قوية في السنوات الأولى للفتوحات العربية، حينما كانت تغلب عليهم روح البساطة والتواضع. ولكنها سرعان ما ازدادت وضوحا.. وليس أدل على هذه الروح الجديدة مما ذكره المقريزي عن معاوية بن أبي سفيان فقد أثر عنه أنه قال: وجدت أهل مصر ثلاثة أصناف. فثلث ناس، وثلث يشبه الناس، وثلث لا ناس. فأما الثلث الذين هم الناس فالعرب. والثلث الذي يشبهون الناس فالموالي. والثلث الذين لا ناس المسالمة يعني القبط.

وقد وقع الأقباط تحت طائل المضايقات والشدة، لكن هذه المضايقات لم تكن دائمة. وإنما حدثت في فترات متقطعة.. ومن المضايقات التي تعرض لها الأقباط في مصر أنه كان هناك أمور يجب على أهل الذمة اتباعها من حيث بناء الكنائس، ومن حيث لباسهم وزيهم والدواب التي يركبونها، وغير ذلك مما يميز بينهم وبين المسلمين في مظهرهم من الناحية الاجتماعية والأدبية. ويذكر المؤرخون أن الخليفة عمر بن الخطاب أمر بألا يتشبه أهل الذمة من الدولة الاسلامية بالمسلمين في مظهرهم وفي لباسهم، وألا يبقى من الكنائس إلا ما كان قبل الاسلام. كما أمر الخليفة بهدم كل كنيسة استجدت بعد الهجرة. وكذلك منع الخليفة من تجديد أي كنيسة.. وفي سنة ٢٣٥ هـ أيام الخليفة المتوكل على الله العباسي، أمر المتوكل بأخذ أهل الذمة بلبس الطيالسة (شال أو طرحة) العسلية، والزنانير (الحزام الذي يشد على الوسط)، وركوب السروج بركب الخشب. وتكون السروج كهيئة الأكف (بردعة الحمار)، وعلى رؤوسهم القلانس المختلفة الألوان. وأن تخيط الرقاع على ظهورهم وصدورهم. كل رقعة قدر أربع أصابع ولونها عسلي. وأزر نسائهم عسلية، وملبس مماليكهم مثلهم. ويمنعون من لبس المناطق. وهدم بيعهم المحدثة. وأخذ العشر من منازلهم. فان كان الموضع واسعاً صير مسجداً، وإن كان لا يصلح أن يكون مسجداً صير قضاء. وأمر أن تجعل على باب دورهم أساطين (عمدان) وقيل شياطين من خشب مسمورة تقريبا بين منازلهم ومنازل المسلمين. ونهى أن يستعان بهم في الدواوين وأعمال السلطان التي تخالف أحكامهم فيها أحكام المسلمين. ونهى أن يتعلم أولادهم في كتاتيب المسلمين، وأن يعلمهم مسلم. ونهي أن يظهروا في أعيادهم وشعانينهم صلباناً. وأمر بأن تسوى قبورهم بالأرض لئلا تشبه قبور المسلمين. وكتب الكتب إلى عماله في الآفاق بذلك. ثم أمر أهل الذمة في سنة ٢٣٩ هـ بلبس دراعتين (الدراعة قميص مفتوح من الأمام إلى موضع القلب) عمليتين على الدرايع والأقبية (القباء ثوب يلبس فوق الثياب). وبالاقتصار في مراكبهم على ركوب البغال والحمير دون الخيل والبراذين (الخيول التركية).

«والواقع أن العصبية الدينية تغلبت على العرب بعد الفتح. وتغلب عليهم الشعور بعزتهم وتفوقهم على غيرهم من الشعوب، بعد أن أنشأوا امبراطوريتهم الاسلامية بحد السيف. فرأوا أن يتميزوا عن غيرهم في اللباس والزي والركوب وغير ذلك مما يشعر في الوسط الاجتماعي بأنهم هم السادة وغيرهم دونهم. ولذا نراهم يعاملون أهل الذمة معاملة الطبقات الدنيا، مهما كانت ثروتهم ومراكزهم في الدولة، مما حمل الكثيرين على الدخول في الدين الاسلامي رغبة في التخلص من تلك المضايقات. كما أن العرب وقد أصبحت البلاد التي فتحوها ملكاً للمسلمين رأوا أن ليس عليهم أن يبنوا كنائس فيها، ويكفيهم أن يبقوا على ما وجدوه منها، وقد حاول الخليفة عمر بن عبد العزيز (٩٩ - ١٠١ هـ) إحلال المسلمين محل المسيحيين حتى في الوظائف الصغيرة.. وما لبث أن أرسل كتاباً يأمر فيه الأقباط بالتخلي عن أعمالهم في الدولة ماداموا على دينهم. أما من يريد منهم الاحتفاظ بعمله فليكن على دين محمد. كذلك استبعد عمر بن عبد العزيز رؤساء الكور الأقباط وأحل محلهم المسلمين. وربما أدى قرار عمر بن عبد العزيز إلى إسلام كثيرين إذ ذاك كي لا يتركوا مناصبهم.. ومن المضايقات التي وقع الأقباط تحت طائلها أن الخليفة يزيد بن عبد الملك (١٠١ - ١٠٥ هـ) أمر في سنة ١٠٤ هـ بكسر الصلبان في كل مكان. وبمحو الصور والتماثيل التي في الكنائس. ولذا نرى ساويرس بن المقفع يصفه بأنه سلك طريق الشيطان وحاد عن طريق الله. وقد شمل هذا القرار اللايقوني أو حركة كسر الصور - جميع بلاد الدولة الاسلامية. وكان من نتائج هذه الحركة في مصر أن كسرت التماثيل والصلبان ومحيت الصور ولم تنج في هذه الحركة بعض الآثار الفرعونية من الهدم والتخريب.. وقد أصاب أقباط مصر كثير من الأذى أثناء الفتن التي قامت من أجل النزاع حول الخلافة. فعندما هرب الخليفة مروان بن محمد إلى مصر، عاث جنده في البلاد فساداً، فقتلوا جماعة من رجال الأقباط ونهبوا أموالهم وسبوا نساءهم، كما أحرقوا ديارات عدة وهدموا كثيراً من الكنائس، واعتدوا على كثير من الراهبات. وفي أيام الفتنة بين الأمين والمأمون اعتدى على الأقباط في الاسكندرية، وأحرقت مواضع عديدة لهم كما أحرقت ديارات وادي النطرون، ونهبت فلم يبق بها من رهبانها إلا نفر قليل. ولا شك أن المضايقات التي نالت الأقباط في مصر أحيانا، والتعصب لكل ما هو عربي ومسلم، وتعريب الدواوين لا شك أن هذا حمل كثيرين من المسيحين في عصر الولاة على اعتناق الدين الاسلامي وعلى تعلم اللغة العربية». (د. سيدة اسماعيل كاشف: مصر في عصر الولاة ص ١٤ - ١٢٢).

والآن نستعرض بعض صور وأمثلة لما حل بأقباط مصر من اضطهاد ومعاناة:

١ - ما يختص بالشعائر الدينية:

عبد العزيز بن مروان والي مصر (٦٨٥ - ٧٠٥) الذي يوصف بأنه أكثر من حكموا مصر عدلا، أمر بكسر جميع الصلبان التي في كورة مصر حتى صلبان الذهب والفضة.. ثم كتب عدة رقاع وجعلها على أبواب الكنائس بمصر والريف يقول فيها «محمد الرسول الكبير الذي لله وعيسى أيضاً رسول الله وأن الله لم يلد ولم يولد». (تاريخ البطاركة ص ٢٧٩). وكان ذلك في بطريركية البابا اسحق البطريرك ٤١ (٦٨٦ - ٦٨٩). وذهب عبد العزيز بن مروان إلى أكثر من هذا إذ ما لبث أن أبطل إقامة القداسات. وحدث هذا في بطريركية البابا سيمون الأول البابا الثاني والأربعين (٦٨٩ - ٧٠١).

ويذكر المقريزي عن عبد العزيز بن مروان هذا أنه اشتد في معاملة النصارى وقد ذهب ولده الأصبغ إلى دير حلوان فرأى صورة السيدة العذراء وهي تحمل طفلها المسيح فبصق عليها وقال «إن وجدت زماناً فأنا أمحو النصارى من هذه الكورة. ومن هو المسيح حتى تعبدوه إلهاً».. لكن الله أظهر قوته بعد أن رأى حلماً مزعجاً في نفس تلك الليلة وفي اليوم التالي روى لأبيه الحلم، مرض بالحمى وما لبث أن مات في الليلة التالية. وبعد أربعين يوماً لحقه أبوه ومات. (تاريخ البطاركة ص ٣٠٧، ٣٠٨). وكان ذلك في بطريركية البابا الكسندروس الثاني.

وفي مدة بطريركية البابا خائيل الأول ٤٦ (٧٤٤ - ٧٦٨) هم القاسم ابن عبد الله الحجاب متولى الخراج - وكان شريراً محباً للنساء بالدخول إلى البيعة بدير الأنبا شنودة بالصعيد، وهو راكب فرس، ومعه سرية مفضلة لديه كانت تركب على فرس آخر.. حاول رئيس الدير منعه، لكنه في غطرسة أبى، ودخل البيعة، فنفرت الفرس التي تركبها السرية، فوقعت على الأرض ميتة، ونفقت الفرس أيضاً.. أما القاسم فصرعه روح نجس لبث ملازماً له يعذبه حتى مات.

٢ - مظالم ضد الاكليروس والأقباط العلمانيين:

تعاقب على مصر ولاة وعمال خراج من قبل الخلفاء.. وقد أشرنا سابقا إلى كثرة عددهم لغاية في نفوس الخلفاء الذين ولوهم. فكان هم هؤلاء الولاة والعمال هو الاثراء بأسرع وسيلة، لأنهم كانوا على يقين من أنهم لن يستمروا طويلا في مناصبهم.. وفي سبيل الحصول على المال لم يألو جهداً في اضطهاد قبط مصر وتعذيبهم وسلب أموالهم وهتك أعراضهم وتقطيع أعضائهم بل وقتلهم، ومحاولة النيل منهم وإذلالهم بكل الطرق، وبوسائل يقف المرء إزاءها مذهولا لبشاعتها.. وللأمانة التاريخية نقول أن مظالم بعض هؤلاء الولاة وعمال الخراج عمت الشعب كله أقباط ومسلمين. لكن الأقباط حظوا بالنصيب الأوفر من المظالم.. لقد احتمل الأقباط المظالم لكونهم مسيحَيين أولا، ثم احتملوا المظالم لكون الولاة وعمال الخراج جشعين.. ونعرض الآن لبعض النماذج:

البابا يوحنا السمنودي ٤٠ (٦٧٧ - ٦٨٦):

نالته شدائد من عبد العزيز بن مروان والي مصر (٦٨٥ - ٧٠٥) والسبب في ذلك وشاية من حاسد.. فعبد العزيز في أول سنة تولى فيها مصر ذهب إلى الاسكندرية ليأخذ خراجها ولكن البطريرك لم يخرج للقائه معتذراً بضعفه، الأمر الذي وشى به إلى عبد العزيز على أنه تعالي من البطريرك.. غضب عبد العزيز وأمر بالقبض عليه حتى يدفع مائة ألف دينار. وأن يوقفوه على جمر نار.. وكاد الأمر يتم لولا أن زوجة عبد العزيز رأت حلماً وأخبرت به زوجها بألا يفعل سوء بالبطريرك.. ومع ذلك فقد هدد عبد العزيز الوالي الأب البطريريك بأنه سيلبسه ثياب يهودي ويلطخ وجهه برماد وسيأمر بأن يطوفوا به المدينة بهذه الصورة.. لكن البابا لم يرهب.. وأخذ الوالي يقلل المبلغ حتى وصل إلى عشرة آلاف دينار.. فلما سمع الكتاب والمسيحيون طلبوا إلى البطريرك أن يقبل دفع هذا المبلغ وهم سيتولون جمعه خشية أن يجري على البيعة اضطهاد وفعلا انتهى الأمر بذلك (تاريخ البطاركة ٢٦٧).

في بطريركية البابا الكسندروس الثاني ٤٣ (٧٠٥ - ٧٣٠):

في أخر حياة عبد العزيز بن مروان التي امتدت لنحو عشرين عاماً، أعطى ابنه الأكبر ويدعى الأصبغ نفوذاً وسلطاناً على كل إقليم مصر. وكان الأصبغ يبغض النصارى، محباً لسفك الدماء. استخدم مواهبه لمضايقة المسيحيين.. وقد ساعده على تحقيق مآربه شخص يدعى بنيامين.. قيل إنه كان قبلا شماساً في الكنيسة، ثم ارتد عن الايمان واعتنق الاسلام. التصق به وصار صديقه الحميم وبدأ يكشف له عن خطط يضايق بها الأقباط وتقلل عددهم.. انفذ الأصبغ اثنين من خاصته إلى أديرة وادي النطرون وقاما بخصى جميع الرهبان هناك! وفرض جزية على كل راهب مقدارها دينار. كما أمر الأديرة ألا ترهب أحداً.. وكان الأصبغ هو أول من فرض جزية على الرهبان.. وفرض على الأساقفة أن يؤدوا عن ايبارشياتهم ألفي دينار غير ما كانوا يدفعونه.. وقد ضغط الأصبغ ضغوطاً رهيبة على الأقباط، فكان من نتيجتها أن اضطر البعض إلى اعتناق الاسلام، ومن بينهم بطرس والي الصعيد وأخيه تاودور وابن مقدم مريوط وعدد كبير من الكهنة والعلمانيين.. لكن السيد المسيح لم يمهله ليتمادى في طغيانه. ففي يوم سبت الفرح دخل إلى دير حلوان، فرأى صورة العذراء مريم تحمل ابنها. فلما نظر إليها سأل الأساقفة عن الصورة، فلما قالوا له انها العذراء مريم أم المسيح، تكلم بافتراء عليها، وبصق على الصورة وقال «أن وجدت زماناً فأنا أسحق النصارى من مصر. ومن هو المسيح حتى تعبدوه إلهاً».. في نفس تلك الليلة أزعجه الله بحلم رأى فيه السيد المسيح جالساً على عرش عظيم، ووجهه يضىء أكثر من الشمس. ورأى نفسه ووالده خلف المسيح مربوطين بسلاسل.. فلما سأل عن الجالس على العرش قيل له أنه يسوع المسيح ملك النصارى الذي هزأ به.. وبالفعل أصيب بحمى لم تمهله. ومات في الليلة التالية. أما والده عبد العزيز فمات بعد أربعين يوماً حزناً وكمداً عليه.

خلف عبد العزيز بن مروان في ولاية مصر عبد الله بن عبد الملك (٧٠٥ - ٧٠٩): وهو ابن الخليفة الأموى عبد الملك بن مروان. وبلغ هذا الوالي من القساوة والغلظة حداً كبيراً حتى أن ساويرس بن المقفع يقول عنه «كان كالوحش الضاري، حتى أنه في أكثر أوقاته إذا جلس على المائدة يقتلون الناس قدامه. وربما طار دمهم في الصحن الذي يأكل منه فيفرح بذلك».. توجه إليه البابا الكسندروس ليهنئه بالولاية كالعادة. وحالما عرف أن هذا هو بطرك النصارى حتى سلمه لواحد من حجابه وقال له «أفعل به ما تريد من الهوان إلى أن يقوم بدفع ثلاثة آلاف دينار» وظل محفوظاً في الجيش ثلاثة أيام. وعبثاً حاول الأقباط تخفيف المبلغ. وأخيراً سمح بالافراج عن البطريرك بضمانة شماس يدعى جرجه (جرجس) في مدة شهرين.. ثم أخذ يطوف معه بلاد الوجه البحري مدنه وقراه حتى تمكن من سداد المبلغ. (البطاركة ٣٠٨، ٣٠٩). وقيل عن هذا الوالي أنه كان يجمع رجال الدين المسيحي من أساقفة ورهبان وأراخنة ويهزأ بهم ويقول لهم بتجبر «أنتم عندي مثل الروم ومن قتل منكم واحداً غفر الله له لأنكم أعداء الله». ومن المظالم التي اقترفها هذا الوالي وجشعه في محبة المال أن أمر بعدم دفن ميت قبطي حتى يقوم أهله بدفع الجزية الواجبة عليه. وفي سبيل تحقيق ذلك عين إنساناً مختص بهذا الأمر.

ولي مصر بعد عبد الله بن عبد الملك، وال آخر يدعى قرة بن شريك (٧٠٩ - ٧١٤):.. وتكرر مع البابا الكسندروس ما حدث له من الوالي السابق.. فما أن قصده البابا للتهنئة بالولاية حتى قبض عليه وقال له «الذي قبضه منك عبد الله بن عبد الملك تحتاج أن تقوم لي بمثله». وكان يقصد الثلاثة آلاف دينار.. وعبثاً حاول البطريرك أن يفهمه أن الدين المسيحي يأمره بألا تكون له قنية وأنه يحيا بالكفاف، وأن ما فعله بن عبد الله بن عبد الملك كان ظلماً نتيجة وشاية ظالمة وأنه لم يجد معه شيئاً، وأنه مازال مديناً بخمسمائة دينار من ذلك المبلغ ودار حوار عجيب بين الوالي والأب البطريرك، انتهى فيه الوالي إلى قوله للبطريرك «هذا كلام ما ينفع. ولو أنت تبيع لحمك لابد من ثلاثة آلاف دينار وإلا فما تخلص من يدي».. ولما أيقن البطريرك أنه لا جدوى من الكلام سأله أن يقصد الصعيد «ومهما فتح الله من صدقات الناس أرسله إليه». البطاركة ٣١٢، ٣١٣).

وبلغ جشع الوالي قرة بن شريك حداً مذهلا، حتى أنه كان يستولى على تركة كل من يموت من الأراخنة والأقباط والأساقفة، حتى أن ساويرس بن المقفع يقول عنه «وكان الناس يهربون ونساؤهم وأولادهم من مكان إلى مكان، ولا يأويهم موضع من أجل البلايا، ومطالبات الخراج، وعظم ظلمه أكثر ممن تقدمه». (البطاركة ٣١٨).

وأسامة بن زيد الذي حكم مصر بعد قرة بن شريك، وكان قبل ذلك في ولاية الخراج، أمر الرهبان «ألا يرهبوا من يأتي إليهم، ثم خصى الرهبان ووسمهم كل واحد منهم بحلقة من حديد في يده اليسرى ليعرف. ووسم كل واحد باسم بيعته وديره بغير صليب بتاريخ مملكة الاسلام». وأمر بعقاب من يهرب من هذا الاجراء بقطع أحد أعضائه فشوه عدداً كبيراً، وحلق لحى كثيرين وقتل جماعة وقلع أعين جماعة بغير رحمة. بل أن البعض كان يموت تحت جلد السياط.. وبلغ من جبروته وجشعه في محبة المال أن أمر الولاة أن يقتلوا الناس ويحضروا إليه مالهم. ويقول ساويرس عنه أنه كاتب الولاة وقال لهم «سلمت لكم أنفس الناس فتحملوا ما تقدرون عليه من أساقفة ورهبان أو بيع أو كل الناس. فاحملوا القماش والمال والبهائم وكل ما تجدونه لهم ولا تراعوا أحداً وأي موضع نزلتموه فانهبوه». وفي مرارة يذكر ساويرس عنه، أنه «من الضيق والضنك هم الناس ببيع أولادهم» (تاريخ البطاركة ٣٢٢، ٣٢٣).

وعبيد الله بن الحبحاب ولى الخراج على مصر في عهد الخليفة الأموي هشام بن عبد الملك ارتكب صنوفاً من المظالم لا تحصى. فجعل علامة الأسد على أيدي النصارى. وكل من يضبط في أي موضع وليس على يده الرسم تقطع يده.. ومن ضمن الذين حاولوا وضع الرسم على يده البابا الكسندروس الثاني، الذي رفض. ومن شدة ضيقة نفسه طلب إلى الله أن ينقله إليه. وقد استجاب الله ذلك وأخذ روحه. (تاريخ البطاركة ٣٣٢، ٣٣٣).

وممن قبض عليهم عبيد الله وعذبهم جمول أسقف أوسيم، الذي اتهمه الوالي أنه قام بتهريب البابا الكسندروس فأفلت من قبضة يده.. ففرض على هذا الأسقف غرامة قدرها ألف دينار.. وكان الأسقف فقيراً يعجز عن قوت يومه. فلما عرف أنه لا يقدر على دفع دينار واحد، سلمه إلى المعذبين. وهؤلاء جاءوا به إلى باب بيعة الشهيد مار جرجس بمصر القديمة، وهم يسحبونه. ثم نزعوا عنه ثيابه، ألبسوه مسح شعر، وعلقوه بذراعيه وهو عريان، والشعب ينظره وهم يضربونه بسياط من جلود البقر حتى سال دمه. وقد ظلوا يعذبونه لمدة أسبوع بهذه الكيفية. فجمع له المسيحيون ٣٠٠ دينار. ولم يفرج عنه إلا بعد توسلات الكثيرين من الأقباط لعبيد الله. (تاريخ البطاركة ٣٣٢، ٣٣٣).

وذكر عن أحد جامعي الخراج ويدعى أبا جراح. هذا كان له أخوان، أخذهما ودخل دير عامر بالرهبان قرب تانيس على اسم السيدة العذراء. فطرد الرهبان ونهب الدير. وبصق أخوه الأصغر على صليب كان بقلاية أمين الدير الايغومانس ابيماخس، مستهزئاً به. فخرج الايغومانس من الدير وقال أن لم ينتقم الرب من هذه الاهانة لا أعود إلى الدير.. وكانت نقمة الرب سريعة إذ شعر هذا المعتدي بحاجة لازالة ضرورية، وهناك في دورة المياه أنسكبت أحشاؤه على نحو ما حدث لآريوس المجدف ومات. فصار خوف عظيم عند المسلمين في ذلك المكان. (البطاركة ٣٥٦، ٣٥٧).

وحفص بن عبد الوليد الحضرمي الذي وليي مصر (٧٤٢ - ٧٨٤٥) أصدر أمره بأن يصلي كل من بمصر وأعمالها بصلاة السنة.. وكل من يتخلى عن دينه ويكون مسلماً لا تؤخذ منه جزية. وبسبب هذا الاجراء «أضل الشيطان خلائق كثيرين فتخلوا عن دينهم».. ولشدة الضيق خرج الأساقفة عن كراسيهم إلى الأديرة ليتضرعوا إلى الله» وقيل أن من اعتنق الاسلام بسبب ذلك بلغ عددهم أربعة وعشرين ألفاً». (البطاركة ٣٧١).

وقد تنبأ الأنبا أوسيم بأن الله سينتقم من حفص فيحرق جسده بالنار وسط الفسطاط.. وقد تم ذلك حينما أرسل الخليفة مروان الثاني حوثرة بن سهيل سنة ٧٤٥ بجيش إلى مصر قوامه خمسة آلاف مقاتل ليصبح والياً على مصر وأعمالها. فأحرق حفصاً بالنار وأخذ جميع أمواله.

وفي خلافة مروان بن محمد وولاية عبد الملك بن موسى على مصر ساد الاضطراب. واستعدي الوالي البابا خائيل ليدفع خراج البيعة التابع له. وطولب الأب البطريرك بما يفوق طاقته فعجز عن الوفاء بما يطالب به.. فأمر الوالي أن يعتقل البطريرك وتوضع في رجله خشبة عظيمة وفي وقبته طوق حديد ثقيل.. واعتقل مع الأب البطريرك الأباء الأساقفة أنبا مويسيس أسقف أوسيم وأنبا تادروس أسقف مصر، وأنبا إيلياس بولس الابن الروحي للأنبا مويسيس، وجعلوهم في خزانة مظلمة.. وظل البابا خائيل مكبلا بالحديد حوالي الشهر من ١١ توت إلى ١٢ بابه، لم ير ضوء الشمس خلالها، وبالاضافة إلى هؤلاء الآباء، كان في المعتقل ثلثمائة رجل وامرأة.. وأخيراً أفرج الوالي عن البطريرك تحت شرط ذهابه إلى بلاد الصعيد ليأتي بما يستطيع جمعه من أولاده المسيحيين ويقدمه للوالي.. وبالفعل أخذ الوالي ما تصدق به المسيحيون. ولم يطلق سراح البطريرك إلا بعد أن زحف قرياقص ملك النوبة المسيحي إلى القطر المصري، وكانت كنيسة النوبة تتبع الكنيسة القبطية كنسياً (البطاركة ٣٨٥ - ٣٩٣، رفيلة ٧٥).

وبلغ من تجبر عبد الملك بن موسى والي مصر حداً كبيراً حتى أن الأنبا ساويرس كاتب تاريخ البطاركة كتب «ولم تجد ديار مصر طمأنينة ولا راحة في أيام مملكة عبد الملك لأنه لم يكن من جنس ملوك الاسماعيليين (العرب) الذين ملكوا عليهم مثله. وصنع مع الديارات ما لا يجوز لبغضه للنصارى وكما كان يشاء أن يعمل كذلك فعل. والسيد المسيح الذي بيده قلوب الملوك، رد قلبه لمحبة أبا خائيل البطريرك، وكان يدعوه إلى قصره ويطلب منه أن يدعو له. وكانت ابنته قد سكن فيها روح نجس، وكان عمرها أربع سنين. فسأل الأب البطريرك أن يصلي عليها فأخذ زيتاً وصلى عليها ودهنها به، فخرج الشيطان منها للوقت. فصار يحب النصارى لأجل محبته للأب البطريرك وكان أيضاً يحب الأساقفة ويكرمهم». (البطاركة ٤٠٢).

وقد بلغت الضيقات التي حلت بالأقباط حد الذروة بعد تواجد مروان بن محمد علي حينما وصلها هرباً من العباسيين.. وصل مروان مصر سنة ٧٥٠ م (٤٦٧ ش).. وقد أعلن الاعلان الآتي «كل من لا يدخل في ديني ويصلي صلاتي ويتبع رأيي من أهل مصر قتلته وصلبته. ومن دخل معي في ديني خلعت عليه». (البطاركة ٤١٢، ٤١٣).

وكان البشموريون قد قاموا بثورتهم ضد الاحتلال العربي.. وحدث أن قبض حوثرة بن سهيل مقدم جيش مروان بالاسكندرية على البابا خائيل وقال له «كيف مكنت أولاد النصارى (يعني البشموريين) أن يقاتلوا».. وطلب منه مبلغاً من المال، ولما لم يستطع أن يحقق طلبه، طرحه في السجن وجعل رجليه مربوطتين بالحديد.. وضيق عليها كثيراً لمدة تسعة أيام، أحضره بعدها أمامه وجذبه على وجهه وطرحه على ركبتيه، وضربه مائتي دفعة بقضيب على رأسه، لكن المسيح حفظه ثم أمر بضرب عنقه. وكانوا يجذبونه مثل الخروف الساكت.. وأنزل قلنسوته على وجهه حتى تؤخذ رأسه. ثم أنه مد رقبته بفرح. مد السياف يده وجرد السيف" وكانت العادة أن يصيح السياف ثلاث دفعات «هل أخذ رأسه».. واستأذن السياف مرتين، وفي المرة الثالثة عدل، لانه تذكر كيف أن البابا خائيل كان قد كتب إلى البشموريين لتهدئتهم، وعلى أن يستخدمه مستقبلا لنفس هذا الغرض.. فأمر حوثرة بالافراج عنه» (البطاركة ٤١٤ - ٤١٦).

لكن جيش مروان أخذ يعيث في بلاد الصعيد فساداً ومن ذلك أنهم «قتلوا جماعة من الأراخنة ونهبوا أموالهم وسبوا نساءهم وأهاليهم وأولادهم، وأحرقوا ديارات الرهبان وأخذوا الراهبات. ومما يحفظه التاريخ قصة دير للراهبات قرب أخميم كان فيه ثلاثون عذراء، أخذوهن جنود مروان وبعد أن نهبوا الدير أرادوا اغتصاب عذراء صغيرة، تدعى فيرونيا، فتنوا بجمالها. وإذ وجدت العذراء نفسها ضائعة لا محالة، خرجت للجند بحيلة للخلاص من الدنس.. فطلبت إليهم أن يتركوها لعبادتها مقابل جميل تسديه إليهم تعلمته من أسلافها. وكان هذا الجميل زيتاً تقتنيه إذا دهن به أي جزء من أجزاء الجسم، لا تعمل فيه السيوف. ولكي تبرهن على صدق كلامها، دهنت عنقها بالزيت، وطلبت أن يهوي أقواهم بسيفه على عنقها.. وما أن فعل ذلك، حتى انفصل رأس العذراء الطاهرة عن جسدها. أما الجند فاعتراهم خوف شديد، وأسرعوا بمغادرة الدير، بعد أن تركوا كل ما كانوا قد نهبوه.. (البطاركة ٤١٧، ٤١٨).

ويصف كتاب تاريخ البطاركة الضيق الذي حل بالناس في نهاية الدولة الأموية، فيقول أنه كان ضيق شديد حيث أن مروان أشعل النار في الفسطاط. وأسرع الناس يعبرون النيل إلى الجيزة، وسقط في النهر عدد كبير من الناس والبهائم ما لا يحصى عدده لعدم وجود الوسائل لعبور النيل. ويقول ساويرس بن المقفع وهو يصف هذا الضيق «وكان الأخ يهرب من أخيه والصديق من صديقه والأعمى لا يجد من يقوده والمقعد والمفلوج والضعيف والشيخ الفاني والعجوز التي لا نهضة لها. جميع هؤلاء أحترقوا بالنار. وكان الناس مطروحين في الشوارع والأزقة والحقول في أعمال الجيزة كالأموات مما حل بهم تحت شقاء عظيم وجوع وعطش ولا يجدون ما يقتاتون به من كثرة الخلق. وكانت الغلات التي بمصر قد أحرقها مروان «البطاركة ٤٢٢).

خلف الأمويين في حكم مصر العباسيين سنة ٧٥٠ م. وإن كان العباسيون قد أظهروا نوايا طيبة نحو أقباط مصر في بداية عهدهم، لكن المشكلة الكبرى كانت في الولاة الذين يعينون على مصر.. كان هؤلاء الولاة في ظلمهم وحقدهم امتداد للولاة الامويين. وكانت الدوافع التي دفعت ولاة الأمويين إلى ابتزاز الشعب، هي عينها دوافع الولاة الذين ولوا مصر من قبل العباسيين، خاصة وأن مركز الخلافة صار في بغداد وهي أبعد من دمشق. وربما استعصى الأمر على المظلومين من أن يقرعوا باب الخليفة.

ويذكر تاريخ البطاركة في سيرة البطريرك يوساب الأول (٨٣٠ - ٨٤٩) أن أمراً وصل من بغداد صحبه رجل نسطوري اسمه العازر يقضي بنزع الأعمدة الرخامية والأرضيات الرخامية من الكنائس لاستخدامها في تزيين قصور الخليفة والأمراء في بغداد. وذلك لما عرف عن مصر من الثراء الحضاري. كان معنى نزع أعمدة الكنائس وحملها أن تهدم هذه الكنائس.. وما أن وصل العازر النسطوري حتى انضم إليه الخلقيدونيون المقيمون بالاسكندرية وأخذوا يرشدونه إلى الكنائس الفخمة بالاسكندرية، إلى أن انتهى به المطاف إلى بيعة الشهيد مار مينا بمريوط التي اهتم الأباطرة البيزنطيون بتزيينها، وكان بها من الرخام الشيء الكثير جداً، فلما رأى ذلك النسطوري ما بها من الرخام الملون تعجب وبهت وقال هذا ما يحتاجه الخليفة. فلما سمع البابا يوساب بذلك، قال لذلك النسطوري «هوذا كل البيع التي بحكمي بين يديك فافعل بها ما أمرك به الملك وهذه البيعة فقط أحب منك ألا تعترضها. ومهما التمسته مني سلمت إليك». لكن العازر لم يقبل شماتة منه. وأخرج من البيعة المذكورة الرخام الملون والبلاط الذي يحوي ألواناً بديعة ولا مثيل له ولا يقدر بثمن على حسب تعبير تاريخ البطاركة. بعدها قام البطريرك باعادة عمارتها.. لكن الله أظهر قوته، فضرب العازر ضربة في جسده فمرض بمرض الاستقساء (تاريخ البطاركة ٦٢٦ - ٦٢٨).

خامساً - ثورات الأقباط:

أدرك الأقباط أنهم بالغوا في تفاؤلهم لأن الحكومة العربية مهما كانت متسامحة، لا تستطيع أن تكف عن جباية الضرائب. وزادت خيبة أملهم عندما أدركوا أن العرب كمستعمرين جدد كانوا يريدون أن ينعموا بثمرة انتصارهم. لذلك لم يلبثوا أن وضعوا نصب أعينهم هدفاً واحداً هو التخلص من حكامهم الجدد والتحرر من رتقتهم. وهكذا لم يقف أقباط مصر مكتوفي الأيدي إزاء مظالم الخلفاء والولاة، لكنهم عبروا عن تمردهم بعدة ثورات قاموا بها في أنحاء مختلفة من البلاد خاصة الوجه البحري. وظلت تلك الثورات تندلع من آن لآخر نحو قرن من الزمن. ولعل أهم هذه الانتفاضات الشعبية كانت سبعة نعرض لها فيما يلي:

١ - في حكم هشام بن عبد الملك الخليفة الأموي، وولاية الحر بن يوسف على مصر (٧٢٤ - ٧٢٧ م) ونتيجة المظالم الفادحة التي حلت بالأقباط، جأر الأقباط بالشكوى دون جدوى. وكانت النتيجة أن قام أهل الحوف الشرقي (المنطقة الواقعة شرقي فرع دمياط والصحراء)، واعتصموا وتوقفوا عن دفع الأموال. فأرسل الوالي جنداً حاربوهم. ولما وجد أن كفة الثوار راجحة، خرج إليهم بنفسه ورابط في دمياط لمدة ثلاثة أشهر. وكانت النتيجة أن قتل من الفريقين عدد كبير. وحلت الهزيمة أخيراً بالأقباط لعدم تدربهم على القتال. غير أنهم لم يهربوا بل ثبتوا أمام أعدائهم حتى ذبحوا عن آخرهم. وكانت النتيجة أن عزل الخليفة الحر بن يوسف ونقل إلى إمارة اسبانيا.

٢ - وفي الولاية الثانية لحنظلة بن صفوان (٧٣٧ - ٧٤٢ م) - وكان عاتياً غشوماً - أثقل على الشعب، ولم يكتف بالضرائب المفروضة على الاطيان وعوائد الأملاك والجزية، بل استحدث ضرائب جديدة على الحيوانات. وأساء معاملة الجميع لاسيما الأقباط، حتى أن أقل جزاء عنده كان قطع يد من لا يجده حاملا إيصالا مختوماً بختم عليه صورة الأسد. هاجم أهل الصعيد وقاموا على عمال الخراج وأخرجوهم من بلادهم. وحدثت بينهم وبين جند الوالي واقعة عظيمة قتل فيها عدد كبير من القبط، وخربوا عدة أديرة.. وكانت النتيجة أن تقدم الشعب بشكواه إلى الخليفة فعزل حنظلة وولى مكانه آخر يدعى حفص بن الوليد.

٣ - وحدث في ولاية عبد الملك بن موسى والي مصر من قبل مروان بن محمد آخر خلفاء الدولة الأموية، أن حل بالأقباط ظلم كثير، حتى أنه ألزم الأقباط بدفع مبالغ طائلة. وألزم البطريرك البابا خائيل ٤٦ (٧٤٤ - ٧٦٨) والأساقفة بدفع غرامة لم يكن في طاقتهم أداؤها. فطلب إليه البطريرك أن يمهله حتى يطوف بالبلاد يجمع المال من رعيته، فصرح له بذلك. فاتجه البطريرك أولا إلى الوجه القبلي فوجد الأقباط في ضنك شديد بسبب الغرامات الفادحة التي فرضها هذا الوالي عليهم وتشديد رجاله في تحصيلها. لم ير البطريرك ماذا يفعل، وصار ينتقل من بلد إلى بلد ومن قرية إلى أخرى حتى بلغ أقصى الصعيد.

وقيل أن قرياقص ملك النوبة المسيحي - الذي كانت بلاده تابعة دينياً للكنيسة القبطية - لما علم بما حل بالبطريرك من إهانات واضطهاد، جمع جيشاً وسار به إلى مصر، حتى صار على مقربة من الفسطاط.. فانزعج عبد الملك بن موسى لقلة جنودة، وما كانت عليه البلاد من الضعف بسبب ظهور العباسيين وحربهم ضد الأمويين، وانشغال مروان بن محمد في هذه الحروب. فاستدعى الوالي البطريرك، وأبرأ ذمته من المبلغ الذي فرضه عليه، وطلب إليه أن يتوسط في الصلح بينه وبين ملك النوبة.. فأجابه البابا خائيل إلى طلبه، ومازال بالملك حتى انسحب وعاد إلى بلاده.

٤ - وحدث أثناء الصراع بين العباسيين والأمويين أن مروان بن محمد آخر خلفاء الأمويين وفد إلى مصر هارباً من وجه أبي العباس، الذي استطاع أن ينتزع كل الولايات التابعة للأمويين. وكان قصد مروان - كما ظن - أن يستبقى مصر في يده.. لكنه لما وصل إليها وجدها في هياج واضطراب شديدين بسبب ظلم الولاة وعمال الخراج.

وكان البشموريون - وهم سكان الأرض الرملية بأقصى شمال الدلتا ما بين فرعي دمياط ورشيد - قد ثاروا على عمال الخراج وقتلوهم. وكان يقود البشموريين في ثورتهم قبطي يدعى مينا بن بقيرة.. جرد الوالي عليهم جنده، لكن الثوار انتصروا عليهم مرتين. كان هذا سبباً في أن مروان حمل عليهم بجنوده، فقاومهوم وقاتلوهم. لكن البشموريين لعلمهم أنهم لا يستطيعون الثبات طويلا أمام مروان، تركوا ميدان القتال وتحصنوا في بلادهم الكثيرة المياة. ولهذا السبب لم يستطع مروان أن يتعقبهم.. استدعى مروان البطريرك القبطي الأنبا خائيل ٤٦، وطلب إليه أن ينصح البشموريين بالخضوع. فكتب إليهم البطريرك رسالة يحثهم فيها على الخضوع والطاعة لكنهم لم يذعنوا، وأصروا على المقاومة. فظن مروان أن البطريرك يحرضهم سراً على العصيان. فاستعمل معه العنف والشدة، وقبض عليه، وعلى كثير من الأساقفة والقسوس وزج بهم في السجون، وهددهم بالقتل إذا استمر البشموريين على المقاومة. فكتب البطريرك والأساقفة رسالة أخرى إلى البشموريين، أبانوا لهم فيها النتائج السيئة التي تعود على الأقباط عموماً من جراء شق عصا الطاعة ونصحوهم بالتسليم والاذعان.. وقبل أن تظهر نتيجة هذه الرسالة الثانية وصلت جيوش أبي العباس واضطر مروان إلى ترك الوجه البحري والفرار إلى الصعيد. وأخذ جنوده ينهبون أموال القبط ويهدمون الديارات والكنائس.. وكان من نتيجة ذلك أن توقف أهل طما (كانت مدينة عامرة، ولما تخربت قامت في موضعها قريرة صغيرة تسمى طما العموديين بمحافظة المنيا) عن دفع الخراج، فأرسل إليهم مروان أحد قواد جيشه فقتل كثيرين، واستباح أموالهم وهدم كنائسهم. ولم يبق منها سوى واحدة، كانوا التزموا بدفع ثلاثة آلاف دينار نظير بقائها. فلما دفعوا ألفي دينار فقط وعجزوا عن دفع الباقي جعل ثلثها جامعاً.

كان القبض على البطريرك الأنبا خائيل والمعاملة السيئة التي عامله بها مروان كتكبيله بالحديد بمثابة إيذان بانضمام الأقباط كلهم إلى صف العباسيين (أو الخرسانيين كما يدعوهم ساويرس بن المقفع).. يقول الأنبا ساويرس «كان بقية النصارى بمصر قالوا للخرسانيين هذا أبونا البطريرك عند مروان الكافر، وما ندري ما يصنع به. وكان البشامرة قد لقوهم من الفرما، وقالوا للخرسانيين أن بطريركنا عند مروان قد أخذه بسبب أننا قاتلناه وقتلنا عسكره قبل مجيئكم وكان حوثرة الكافر عند مروان يقول له هذا البطرك كان يقول (للبشامرة) تقووا فان الله ينزع المملكة من مروان ويسلمها لأعدائه. ومثل هذا كثير. فلما سمع مروان هذا قال ترجمانه للبطريرك وذلك عن قول مروان.. أنت رئيس أعداء مذهبنا.. ثم أمر مروان الأعوان الذين يمسكونه أن يمدوا أيديهم بسرعة وينتفوا شعر لحيته من عارضيه، ورموا شعره في البحر (البطاركة ٤٢٦، ٤٢٧).. يصف تاريخ البطاركة انتصار العباسيين (الخرسانيين) على الأمويين ويقول «لأجل ذلك كان الناس يقولون أن يد الرب مع الخرسانيين وكانوا إذا وجدوا قوماً عليهم علامة الصليب يخففون عنهم الخراج، ويرفقون بهم، ويعملون معهم الخير في جميع البلاد. وصلبوا مروان منكساً بعد أن قتلوه.. ولما سأل عنا أولئك الملوك مقدموا الخرسانيين، ومضينا إليهم فيخلون الأب القديس الشهيد أنبا ميخائيل وأكرموه كرامة عظيمة» (البطاركة ١٤٤).

٥ - سقطت الدولة الأموية، وآلت مصر لحكم العباسيين، وغدت ولاية تابعة للخلافة التي كان مقرها بغداد. كان العباسيون أكثر دراية من عمرو بن العاص، فقد عرفوا كيف يستعينون بأهل البلاد الأصليين، الذين كانوا على استعداد لمساعدتهم ضد حكام البلاد تخلصاً من المظالم الكثيرة لكن كثيراً ما يعيد التاريخ نفسه، فما لبث العباسيون أن وجدوا أنفسهم مضطرين إلى فرض ضرائب باهظة.. يقول تاريخ البطاركة «ولما كان في ثالث سنة من مملكة الخرسانيين اضعفوا الخراج وأكملوه على النصارى، ولم يوفوا لهم بما وعدوهم» (البطاركة ٤٤٣).

تكررت مظالم الولاة واستبدادهم بالناس على نحو ما اتبعه ولاة الأمويين.. ففي خلافة أبي جعفر المنصور العباسي، أوقع واليه على مصر يزيد بين حاتم بن المهلب بن أبي صفرة (٧٦٢ - ٧٦٩) ببطريرك الأقباط الأنبا مينا الأول اضطهاداً شديداً. فساء الأقباط ما لحق برئيسهم الديني وابيهم الروحي. وكانت نتيجة ذلك أن ثار الأقباط في رشيد وسخا وغيرهما من المدن المصرية، وجاهروا بالعصيان. فأرسل إليهم الوالي قوة من الجيش. لكن الثوار الأقباط ردوهم على أعقابهم مهزومين أما الوالي فازاء هزيمته اشتعل غضبه على الأقباط، واضطهدهم وهدم كنائسهم. فعرض عليه أقباط الفساط (مصر القديمة) أن يترك لهم كنائسهم مقابل خمسين ألف دينار يدفعونها، لكنه رفض وأصر على هدمها إذلالا لهم وانتقاماً من أقباط سخا ورشيد. وبالفعل هدمها.

٦ - وفي ولاية الليث بن الفضل (٧٩٩ - ٨٠٣) بعث مساجين يمسحون الأرض، وأمرهم أن ينتقصوا من القصبة أصابع، فتظلم أهل الحوف عليه، فلم يسمع منهم. فتجمهروا قبطاً وعرباً وساروا إلى الفسطاط. فخرج إليهم الليث بجنده وقاتلهم فهزموه. لكنه عاد ولم شمل قواته وهزمهم، وقتل منهم عدداً كبيراً. وقبض على ثمانين من زعمائهم وقطع رؤوسهم، وحملها إلى الفسطاط وعرضها على الناس حتى يلقي الرعب في نفوسهم، فكان لهذا العمل أثره في امتداد الثورة إلى معظم الوجه البحري، واستمر الحال على هذا المنوال حتى ولي الخلافة المأمون في سنة ٨١٣ م.

٧ - في خلافة الخليفة المأمون العباسي (٨١٣ - ٨٣٣)، تفجرت مشاعر المظالم والتحقير والاضطهاد التي ظلت مكبوتة لسنوات عديدة في نفوس الأقباط. فقد امتنع أقباط الوجه البحري عن دفع الخراج، وشاركهم في ذلك العرب. وقامت بينهم وبين الولاة حروب متفرقة قتل فيها كثيرون.. وإزاء هذه الحالة الخطيرة التي لم يسبق لها مثيل - فقد كانت أكثر الثورات عنفاً - ونظراً لانشغال المأمون بمحاربة الروم، بعث برسائل على يد مندوبين لأهل مصر أن يخلدوا للهدوء، لكنها لم تجد نفعاً.

فما أن انتهى من حربه مع الروم حتى قصد مصر، وكان واليها في ذلك الوقت هو عيسى بن منصور (٨٣١ - ٨٣٢ م)، فعاتبه بشدة ناسباً إليه كل ما حدث من هياج الناس نتيجة المظالم الكثيرة. وبلغ الأمر أن المأمون أمر بتجريد الوالي من ملابسه الخارجية علامة على التحقير.

يقول مؤرخو المسلمين أن الخليفة المأمون لما كان في مصر ورأى ثورة أقباط الوجه البحري، حكم بقتل رجالهم وبيع نسائهم وسبي أطفالهم. لكن يبدو أن هذا الكلام هو تلخيص للنتيجة النهائية.. أما مؤرخو القبط فيقولون أنه لما وصل المأمون إلى مصر ذهب إليه البطريرك يوساب ٥٢ (٨٣٠ - ٨٤٩ م)، فاستقبله الخليفة استقبالا حسناً، وطلب إليه أن ينصح أقباط الوجه البحري ويحذرهم بأن يكتب لهم منشوراً يدعوهم فيه إلى الطاعة حقناً لدمائهم ووعده بأن ينظر بنفسه في راحتهم.

وكتب البطريرك المنشور فأطاع الناس وأذعنوا إلا أهل البشمور، الذين رفضوا الاستسلام والخضوع، وأبوا إلا المقاومة.. فلما علم المأمون بما وصل إليه الأمر، حمل عليهم بجنوده فشتت شملهم ودخل بلادهم، وقتل رجالهم وسبى نساءهم وأطفالهم، وسلب أموالهم وهدم كنائسهم إمعاناً في إذلالهم. وبالجملة فان المأمون لم يبرح أراضيهم إلا بعد أن خرب ديارهم وجعل بلادهم أطلالا.. ومكث المأمون في مصر نحو شهرين طاف خلالها بأنحاء البلاد يسكن خواطر الشعب فسامحهم بما تبقى عليهم من أموال.. كانت هذه الثورة هي آخر ما قام به الأقباط من ثورات، وكانت في نفس الوقت أعظمها.

وعلى الرغم أن البطريرك يوساب عمل جاهداً على إقناع البشموريين على الاذعان والخضوع، لكن كاتب سير البطاركة يصف الحالة المهينة التي وصلوا إليها، مما يبعث على الاعتقاد أنه يبرر مسلكهم الثوري، يقول بعد أن يصف ثقل يد عمال الخراج وموجة الغلاء التي عمت البلاد «مات بالجوع خلق كثير من النساء والأطفال والصبيان والشيوخ والشبان ومن جميع الناس ما لا يحصى عدده من شدة الجوع. وكان متولي الخراج يؤذي الناس في كل مكان. وأكثر النصارى البشموريين كانوا يعذبونهم بعذاب شديد مثل بني اسرائيل إلى أن باعوا أولادهم في الخراج مِن كثرة العذاب لأنهم كانوا يربطونهم في الطواحين ويضربونهم حتى يطحنوا مثل الدواب.. فلما نظر أهل البشموريين أن ليس لهم موضع يخرجون منه، وموضعهم لا يقدر عكسر يسلكه لكثرة الوحلات فيه وما يعرف طرقه إلا هم. فبدأوا ينافقوا ويمتنعوا أن يدفعوا خراجاً، واتفقوا وتآمروا على ذلك وكان الملك في ذلك الوقت عبد الله المأمون ابن هارون الرشيد» (تاريخ البطاركة ٦٠٠، ٦٠١).

ومما يلاحظ على ثورات الأقباط التي استمرت نحو قرن من الزمان - لاسيما في منطقة الدلتا - أنها كان يعوزها التنظيم والتكتيك والقيادة الموحدة، لذلك كان يقضي عليها سريعاً.. لم يعرف الأقباط كيف يوحدون صفوفهم ويتخذون لهم قيادة قوية حكيمة. ويبدو أن هدف هذه الثورات الرئيسي كان رفع المظالم المالية التي أثقلت كواهلهم. بالاضافة إلى الاعتراض على نواحي وأنواع الاضطهادات الأخرى كالتحقير الأدبي وما يمس العقيدة الدينية.

ويذكر المؤرخ المقريزي أن المسلمين بعد ثورة البشموريين أصبحوا يؤلفون غالبية من بلاد مصر خاصة في الوجه البحري، بعد أن اعتنق الاسلام عدد كبير من الأقباط نتيجة كل هذه الضغوط المروعة. لكن يبدو أن كلام المقريزي مبالغ فيه جداً.

محنة اللغة القبطية

اللغة القبطية هي اللهجة الدارجة للغة المصرية القديمة في آخر مراحلها (الديموطيقية) مكتوبة بحروف يونانية، بعد إضافة سبعة حروف يونانية تمثل الأصوات التي ليس لها مقابل في اللغة اليونانية.. ومن غزوة الاسكندر الأكبر لمصر في الثلث الاخير من القرن الرابع قبل الميلاد، غدت اللغة اليونانية هي اللغة الرسمية، وظلت كذلك إلى ما بعد الفتح العربي لمصر سنة ٦٤٠ م.

كانت اليونانية هي لغة الثقافة في العالم كله وقتذاك. وكانت هي اللغة المستعملة في مدرسة الاسكندرية الذائعة الصيت. على أن اللغة القبطية ظلت اللغة السائدة بين المصريين الوطنيين (الأقباط) في أنحاء القطر المصري. وظلت القبطية لغة رسمية في الدواوين حتى بعد الفتح العربي لمصر.

في خلافة الوليد بن عبد الملك الأموى، وولاية واليه على مصر عبد الله بن عبد الملك في سنة ٧٠٥ أو ٧٠٦ م (٨٧ هـ) أعلنت اللغة العربية لغة رسمية في البلاد المصرية بدلا من اللغة القبطية.. كان الوالي عبد الله بن عبد الملك يكره النصارى جداً، فاشتد عليهم وعمل على نزع الكتابة في الدواوين من أيديهم، ونقلها إلى العربية.. وكانت اللغة القبطية حتى ذلك الوقت هي اللغة المستخدمة في دواوين الدولة، وكان الأقباط هم القائمون بسائر الأعمال الادارية والحسابية في دواوين الدولة تحت إشراف رئيس منهم يسمى اثناس وكان قبلها أميناً على بيت المال فعزله الوالي عبد الله بن عبد الملك وولى مكانه شخصاً يسمى بن يربوع الفزاوي من حمص.

ولما رأى القبط أن هذا التغيير في لغة الدواوين يفقدهم وضعهم في الدولة، عولوا على تعلم اللغة العربية فظهر ما عرف باسم السلالم، وهي كتب تحوي الكلمات العربية مكتوبة بحروف قبطية، على مثال الكتب التي توضع حالياً للأجانب لتعلم اللغة العربية أو العكس. كما نقلت أسماء البلاد إلى العربية فتحرفت عن أصلها.

تقول دكتورة سيدة كاشف في كتابها مصر في عصر الولاة ص ١١٩، ١٢٠ «بدأ العرب بعد فتح مصر بأقل من نصف قرن يتجهون إلى تعريب البلاد، وإلى جعل اللغة العربية لغة رسمية، وذلك لعدم معرفتهم باللغة القبطية. بل إننا نرى الأصبغ بن عبد العزيز بن مروان الذي كان يلي كثيراً من أمور مصر ولاية أبيه (٦٥ - ٨٦ هـ)، يأمر بترجمة الانجيل وعدة كتب دينية مسيحية أخرى إلى اللغة العربية، وذلك ليعرف المسلمون إذا كان في هذه الكتب ما يمس الدين الاسلامي بسوء. وقد حدث فعلا أن عربت دواوين الدولة الاسلامية في ذلك الحين، إذ كانت الدواوين في البلاد المفتوحة حتى مجيء عبد الملك بن مروان تكتب بلغات البلاد المحلية، فكانت تكتب باليونانية في الشام، وبالبهلوية في العراق والأمصار الشرقية، وبالقبطية واليونانية في مصر. وكان ذلك طبيعياً لقلة خبرة العرب بأمور الادارة، ولأن الكتابة فن خاص. ولكن توسع خبرة العرب واستقرار الدولة واتجاهها نحو الوحدة المركزية أدى إلى وجوب التعديل، فضلا عن السياسة العربية التي سار عليها بنو أمية.. وقد شرع في هذا التعريب أيام عبد الملك بن مروان، وبدىء بتعريب دواوين الشام والعراق. وكان الحجاج بن يوسف الثقفي صاحب اليد الطولي في الأخذ بهذا التعريب في العراق وما يتبعها شرقاً. أما في مصر فقد بدىء في تعريب دواوينها في خلافة الوليد بن عبد الملك وذلك في سنة ٧٠٦ م (٨٧ هـ) في ولاية عبد الله بن عبد الملك.. وهكذا أصبحت الدولة من الناحية السياسية عربية بمعنى أكمل. وقد ساعد التعريب على شيوع اللغة العربية وانتشارها بين الموالي والأقباط، فأصبحت اللغة العربية لغة الدواوين، كما بدأت تظهر طبقة الكتاب، كذلك أصبحت اللغة العربية لغة الادارة، فضلا على أنها لغة الثقافة، بالاضافة إلى كونها لغة السياسة والدين».

وما لبثت اللغة القبطية أن تلقت ضربة قاصمة على يد الخليفة الفاطمي الحاكم بأمر الله (٩٩٦ - ١٠٢١ م)، الذي أصدر أوامر مشددة بابطال استخدامها نهائياً في المنازل والطرقات العامة أيضاً، ومعاقبة كل من يستعملها بقطع لسانه.. كما ضيق على الأولاد والبنات والسيدات بالبيوت، بالأمر بقطع لسان كل سيدة تتكلم بها مع أولادها وأطفالها. واقتدى بالحاكم الطاغية في محاربة اللغة القبطية كثيرون ممن جاءوا بعده. وهكذا باتت اللغة القبطية محصورة داخل جدران الكنائس والأديرة.

وقد أتت أيام اشتد فيها الرعب على الكنيسة، فاضطر الآباء إلى وضع ستائر على احجبة الهياكل وقت التقديم وإجراء الخدمة الالهية، خوفاً من الحكام الغاشمين الذين كانوا إذا سمعوا الصلاة باللغة القبطية، يهجمون على الكنائس ويفتكون بالذين فيها بدون شفقة ولا رحمة.

كان البطريرك غبريال بن تريك (١١٣١ - ١١٤٦ م) هو أول من صرح بقراءة الأناجيل والخطب وما إليها باللغة العربية في الكنائس، وذلك بعد تلاوتها باللغة القبطية.

ومما يدل على أن اللغة العربية بدأت تناهض اللغة القبطية في القرن التاسع، تلك الرؤيا المنسوبة خطأ لأنبا صموئيل القلموني. والتي يرجح إلى أنها ترجع إلى القرن العاشر. وهي تحتوي على حث مؤثر على الاهتمام باللغة القبطية. ومنها نعرف أن اللغة العربية بدأت تحل محل القبطية حتى في جهات كثيرة بالوجه البحري.. وظل نجاح اللغة العربية مضطرداً، حتى أنه في القرن الثالث عشر كانت اللغة العربية هي السائدة، وأخذ علماء الأقباط يصيغون مؤلفاتهم بالعربية. ومن أمثلتهم أولاد العسال الذين وضعوا مؤلفات دينية ولغوية كثيرة. ومنهم أيضاً جرجس بن العميد المعروف بابن المكين وأبو شاكر بن الراهب شماس الكنيسة المعلقة وشمس الرئاسة أبو البركات بن كبر والقس بطرس السدمنتي وعلم الرئاسة بن كاتب قيصر. ولهذا فقد عمد هؤلاء العلماء إلى وضع قواعد مختصرة للغة وتدوين مفرداتها لحفظها من الضياع والاندثار.

وأول من ألف كتاباً باللغة العربية من الأقباط هو ساويرس بن المقفع أسقف الأشمونين الذي كان معاصراً للبطريرك أفرام بن زرعة السرياني ٦٢ (٩٧٥ - ٩٧٩ م). وهو الذي ترجم سير الآباء البطاركة مما وجده من مخطوطات بدير الأنبا مقار ودير نهيا، وما وجده بحوزة بعض النصاري باللغة القبطية واليونانية إلى اللغة العربية التي كانت شائعة آنئذ. وساعده في تصحيح وتنقيح العبارات العربية الواضح بولس بن رجاء الوارد خبرة في سيرة أنبا فيلوثاوس البطريرك ٦٣ (٩٧٨ - ١٠٠٣ م).

وعلى الرغم من انتشار العربية فان اللغة القبطية بقيت لغة التخاطب في الوجه البحري حتى القرن السابع عشر. ويقول العلامة ماسبيرو في محاضرة له عن «صلة المصريين الأقدمين بالمصريين الحاليين» ألقاها سنة ١٩٠٨ من المؤكد أن سكان صعيد مصر كانوا يتكلمون ويكتبون باللغة القبطية في السنين الأولى من القرن السادس عشر، في أوائل حكم الأتراك».. وقال المقريزي من القرن الخامس عشر في كلامه عن دير موشه «والأغلب على نصارى هذه الأديرة معرفة القبطي الصعيدي.. ونساء نصارى الصعيد وأولادهم لا يكادون يتكلمون ألا القبطية الصعيدية».

وفي القرن الثامن عشر لما قاربت اللغة القبطية على الزوال - كلغة للتخاطب، بدأ الأقباط يكتبونها بحروف عربية.. لكنها ومع كل هذه الظروف بقيت لغة الكنيسة.

نزوح العرب إلى مصر

عرفنا فيما سبق أن عمرو بن العاص وفد إلى مصر على رأس جيش عربي قوامه أربعة آلاف مقاتل. وقد أرسل عمر بن الخطاب أربعة آلاف أخرى كمدد. وقد قتل بعض هؤلاء الجنود أثناء الحملة على مصر.. معنى ذلك أن العرب الفاتحين كانوا أقلية ضئيلة جداً إذا ما قورنوا بعدد سكان مصر من الأقباط وغيرهم في ذلك الوقت.. لم يختلط هؤلاء العرب الفاتحين بسكان البلاد الأصلية، وإنما اختطوا لهم مدينة عربية إسلامية وسط المحيط المصري القبطي هي مدينة الفسطاط الواقعة شمالي حصن بابليون بمصر القديمة ما بين النيل والجبل المقطم [المرجح أن اسم الفسطاط غير عربي وأنه مشتق من لفظ يوناني فساطن الذي بدوره مشتق من اللغة اللاتينية فساتم الذي كان يطلقه الرومان على معسكراتهم الحربية (مصر في عصر الولاة ص ١٣٣)]. وكان تخطيط المدن من أهم الظواهر التي سارت جنباً إلى جنب مع الفتوحات العربية.

ولما اختط العرب مدينة الفسطاط في سنة ٦٤١ م (٢١ هـ) قسمت إلى خطط أي أقسام وسكنت كل قبيلة خطة من الخطط. وبالاضافة إلى الفسطاط، فقد اختط العرب مدينة الجيزة على غرار الفسطاط. ونزل قوم من العرب الاسكندرية. وهكذا فان العرب الذين استقروا في مصر كانوا يقيمون في الفسطاط أو الجيزة أو الاسكندرية. وقد حرم عليهم عمر بن الخطاب الاشتغال بالزراعة أو امتلاك الأرض، حتى يكون كل همهم منصرفاً إلى السياسة والحكم والحرب. لذا لم يختلط العرب بأقباط مصر في البداية، ولم يكن لهم تأثير يذكر على الأقباط، سواء من ناحية انتشار الدين أو اللغة العربية.

كان استيلاء العرب على مصر فاتحة لهجرات عربية متوالية دامت زمناً طويلا. ولعل أقل هذه الهجرات، هجرة العرب أو الجند الذين أتوا مع عمرو بن العاص لفتح مصر. على أن أغلب الذين حكموا مصر في عصر الولاة كانوا يصحبون معهم جيوشاً عربية حتى نهاية العهد الأموي (٧٥٠ م) أو عربته ومن شعوب أخرى من غير العرب، كالخرسانيين والتراك في العصر العباسي. والمعروف أن الجنود كانوا يصحبون معهم أسرهم.

وفي خلافة هشام بن عبد الله (٧٢٤ - ٧٤٤ م) حدث تطور في هجرة القبائل العربية إلى مصر. لقد سأل عبيد الله بن الحبحاب عامل الخراج على مصر سنة ٧٢٨ م أن ينقل إلى مصر بيوتاً من قيس أي عرب الشمال، فأذن له الخليفة بذلك. وجاء بن الحبحاب بعدد كبير بلغ حوالي ثلاثة آلاف. وقد أنزلهم بالحوف الشرقي أي شرقي الدلتا وأمرهم بالاشتغال بالزراعة.

معنى ذلك أن العرب في زمان هشام بن عبد الملك أخذوا يتخلون عن السياسة التي اتبعوها منذ الفتح. وهي سياسة الترفع عن الاختلاط بالأهالي وعن الاشتغال بالزراعة.. وقد ساعد وجود العرب في القرى المصرية واشتغالهم بالزراعة على الاختلاط بالأهالي. وكان لهذا الاختلاط أثره في انتشار الاسلام بمصر نتيجة التزاوج والجوار والمصاهرة. لذا يقول المقريزي في كتابه الخطط «ولم ينتشر الاسلام في قرى مصر إلا بعد المائة من تاريخ الهجرة، عندما أنزل عبيد الله بن الحبحاب مولى سلول قيساً بالحوف الشرقي. فلما كان بالمائة الثانية من سنى الهجرة، كثر انتشار المسلمين بقرى مصر ونواحيها».

كلمة حق يجب أن تقال

عرضنا فيما سبق لأنواع المضايقات التي تعرضت لها الكنيسة القبطية وأبناؤها، من رجال دين وعلمانيين، في ظل حكم الولاة المسلمين.. وإحقاقاً للحق وللتاريخ، نقول أن المضايقات التي تعرضت لها الكنيسة القبطية، لم تكن جميعها بسبب العامل الديني.. لكن حدث في بعض الأحيان أن المسيحيين أنفسهم كانوا هم مصدر أو سبب هذه المتاعب والمضايقات، سواء كانوا من رجال الدين أو العلمانيين.. ونسوق بعض الأمثلة:

البابا سيمون الأول البطريرك ٤٢ (٦٨٩ - ٧٠١ م):

كان على جانب كبير من التقوى والتقشف. كان ناسكاً لا يأكل اللحم. وكان حريصاً على إتمام قانون عبادته الخاص كما كان يفعل زمن الرهبنة قبل البطريركية.. كان يوبخ الكهنة على حياة التساهل مع النفس، الافراط وعدم النسك. وكانت النتيجة أن بعض الكهنة بالاسكندرية ضجروا من توبيخه وصرامته، ودس أربعة من الكهنة له سماً في الاناء الذي كان يشرب منه. وكان بعض السحرة قد أعدوا هذا السم.. وحدث أن البطريرك شرب من الماء الموضوع به السم عقب تناوله من الاسرار المقدسة فلم يصبه أذى.. وتكرر الأمر مرة ثانية ولم يصبه أذى. أما في المرة الثالثة فقد أعد السحرة سماً أقوى من الأول والثاني وأمروا أن يضعوه للبطريرك في طعام يتناوله على الريق ووضعوا السم في تين وجدوه في غير أوانه وظلوا يلحوا عليه حتى يأكل. فما أن أكل منه حتى تحركت عليه أحشاؤه، ولزم الفراش مدة أربعين يوماً. حتى يئس الناس من شفائه. لكن الرب أقامه معافى. وحدث أن الوالي وفد إلى الاسكندرية، ورأى البطريرك في صحة هزيلة. ولما علم السبب وهو موضوع دس السم له، حتى أمر بحرق الأربعة كهنة أحياء مع السحرة الذين ركبوا السم.. وفي وقت تنفيذ الحكم، ركع البابا أمام الوالي وبكى بدموع غزيرة، طالباً العفو عن الكهنة قائلا «إن نالهم شيئاً من أجلي، وجب على القتل، ولا يصح لي أن أكون بعد ذلك بطريركاً».. فتعجب الوالي وعفا عن الكهنة، أما السحرة فأحرقهم ليكونوا عبرة لغيرهم (تاريخ البطاركة ٢٨٦، ٢٨٧).

البابا الكسندورس الثاني البطريرك ٤٣ (٧٠٥ - ٧٣٠ م):

وجد في زمانه شماس راهب يدعى بنيامين.. هذا تصادق مع ابن والي مصر في ذلك الوقت، وتوطدت الصداقة بينهما جداً، حتى وثق به أكثر من كل أصحابه. وكان هذا الراهب الشماس يظهر له أسرار النصارى، حتى أن تاريخ البطاركة يقول عنه «وكان بنيامين الشماس الراهب أشد على النصارى من كل واحد ويهيجه على كل بلاء. واضطر جماعة إلى أن أسلموا ومن جملتهم بطرس والي الصعيد، وأخوه تاودرا، وولد تاوفانس مقدم مريوط، وجماعة كهنة وعلمانيين لا يحصون من كثرتهم» (تاريخ البطاركة ٣٠٥، ٣٠٦).

أضف إلى هذا أن بعض الاهانات التي نالت هذا البابا الكسندروس الثاني، على يد والي مصر قرة بن شريك (٧٠٩ - ٧١٤ م)، كانت نتيجة وشاية شخص يدعى تاوضروس متولي ديوان الاسكندرية، الذي كان يضمر للبطريرك عداوة كبيرة، حتى أن قرة بن شريك قال للبطريرك بعد أن فرض عليه مبلغاً كبيراً من المال، وبعد أن أوغر تاوضروس صدره ضد البطريرك «ولو إنك تبيع لحمك، لابد من ثلاثة آلاف دينار، وإلا فما تخلص من يدي». (تاريخ البطاركة ٣١١، ٣١٢).

البابا مينا الأول البطريرك ٤٧ (٧٦٧ - ٧٧٤ م):

لحقته متاعب كثيرة بسبب شماس راهب يدعى بطرس، كانت تتملك عليه شهوة الأسقفية.. فلما رفض البابا مينا رسامته لعدم استحقاقه، لم يطق وسافر إلى بلاد الشام حاملا معه، رسائل مزورة كتبها صادرة من البابا مينا إلى الأنبا جرجه بطريرك أنطاكيا وأساقفته. وفيها يقول أن الكنيسة في مصر تعاني من تعب عظيم واضطهاد وشدة من الولاة.. فانفذه بطريرك أنطاكية مبلغاً من المال وحرر لمطارنة الكنيسة السريانية أن يجمعوا لهذا الراهب الشماس مالا.. ولما جمع قدراً كبيراً من المال قصد بغداد حيث مقر الخلافة. وأخذ بمكر ينفق المال عن سعة على حاشية الخليفة تقرباً إليهم. وكان يقول لهم أن بطريرك الأقباط يمكنه أن يحصل على الذهب بالكيمياء، ولذلك فان كنائسه مملوءة بأواني الذهب.. وظل على هذا النحو حتى تمكن من الوصول إلى الخليفة العباسي المنصور.. تعلق قلب الخليفة بهذا الشماس لأنه كان يشبه ابناً له توفى، وأبدى استعداده أن يعطيه ما يريد. فطلب الشماس المسكين أن ينفذه إلى مصر ومعه كتاباً إلى واليه أن يصير بطريركاً على الكنيسة القبطية وأن يمنحه السلطان على البطريرك مينا وكل أساقفته.. وبالفعل حرر الخليفة لواليه على مصر عبد الله بن عبد الرحمن (٧٦٩ - ٧٧٢ م)، الذي استحضر البطريرك مينا وأعلمه بمضمون رسالة الخليفة. وكان الشماس بطرس حاضراً. فلما رفض الأنبا مينا تنفيذ أمر الخليفة، لأنه يتعارض مع قوانين الكنيسة، أخذ بطرس يوغر صدر الوالي.. أخيراً سأل الأنبا مينا الوالي أن يمهله أياماً حتى يجتمع بالآباء الأساقفة ويقرروا ما يتبع. لكن الشماس بطرس طلب إلى الوالي أن يعتقل البطريرك حتى يتمكن من دخول الكنائس كعادة البطاركة.. أعتقل الوالي البطريرك ومعه تاوضروس أسقف مصر.. وأرسل الشماس بطرس - البطريرك المزيف - إلى جميع الأساقفة ليجتمع بهم.. وفي نفس الوقت حرر الأنبا مينا للأساقفة رسالة فيها يشددهم ويقويهم.. اجتمع الأساقفة في الفسطاط.. وإذ رأى الأساقفة بطرس يصعد الهيكل ليصلي صلاة الشكر كعادة البطاركة، حتى وثب عليه الأنبا مينا أسقف صنبو والأنبا مويسيس أسقف أوسيم، وأمسكوا قلنسوته - وكان قد كتب عليها بالخط العربي «بطرس بطرك مصر» وإلى جانب اسمه اسم الخليفة المنصور - قالا له «واتستحق بيع مصر أن تتنجس بك؟!».. فامتلأ غضباً وأمر رجال الوالي أن يمضوا بجميع الأساقفة إلى الحبس.. هناك اجتمع البطريرك في الحبس مع بعض الأساقفة، وأخذ يعزيهم بالقول «يا أحبائي أن الذي يقاتل عنا أعظم ممن يقاتلونا والرب ينجينا من أعدائنا.. ثم أن الوالي أخرج البطريرك ومن معه من الحبس، وطلب أواني الكنيسة الذهب حسب وشاية بطرس.. على الرغم من ذلك، فان الوالي بطبعه كان يحب المسيحيين. فلما أحس بطرس بتعاطفه مع الأنبا مينا أخذ يهدد الوالي بالذهاب إلى الخليفة ورفع شكواه إليه لعدم تنفيذ أوامره.. وما أن سمع الوالي هذا التهديد حتى انقلب على بطرس ووضعه في السجن. وظل فيه مدة ثلاث سنوات حتى عزل من ولاية مصر وأرسل آخر مكانه، الذي لما استمع إلى قصة بطرس، أنفذه ثانية إلى الخليفة.. ولم يصل بطرس إلى شيء، وكل ما انتهى إليه أنه أنكر إيمانه المسيحي واعتنق الاسلام (تاريخ البطاركة ٤٧٦ - ٤٩٣).

البابا يوساب البطريرك ٥٢ (٨٣٠ - ٨٤٩ م):

أضطر لحكم مجمع الأساقفة أن يقطع اسحق أسقف تانيس، وتادرس أسقف مصر، بعد أن نسب إليهما شعباهما، كلاما رديئاً، وهددوا بالخروج عن الايمان الأرثوذكسي إن لم يسحبهما البطريرك من ايباراشيتهما.. انتهز الأسقفان المقطوعان فرصة تجمع عدد كبير جداً من الشعب في كنيسة العذراء بقصر الشمع يوم أحد الشعانين، وكان قد رسم في نفس اليوم أرخن يدعى أسحق شماساً، وكان مرشحاً للبطريركية قبل البابا يوساب - ذهب الأسقفان المقطوعان إلى الافشين قائد الجيش - وكانت ثورة البشموريين قد أخمدت بصعوبة منذ فترة قليلة - ووشيا إليه بأن البطريرك يوساب هو الذي حرض البشموريين على العصيان، وأنه مجتمع بجمهرة كبيرة من شعبه الذي لا يعصون له أمراً، وأنه يدبر مؤامرة لقتله.. كان الافشين مخموراً حينما سمع هذا الكلام، فثار ثورة عارمة وأنفذ أخاه ومعه عدد كبير من الجند إلى الكنيسة التي قيل أن البطريرك موجود فيها ليحضره حتى ما يقتله.. وكان يتقدم هؤلاء الموفدين من قبل الافشين اسحق أسقف تانيس المقطوع، ودخل الهيكل، وبايماءة من أصبعه أرشدهم إلى البطريرك لكي يعرفوه فجرد أخو الافشين سيفه ليأخذ رأس البطريرك، لكن يده مالت فاصطدم السيف بعمود رخام وانكسر، فازداد هياجاً. وكان يحمل في وسطه سكين، فاستلها من وسطه وطعن بها البطريرك في جنبه. لكنه يد الله تدخلت أيضاً. فكل ما فعله السكين أن مزقت ثيابة وانتهت إلى المنطقة الجلد فقطعتها، لكنه لم يصب بسوء.. حصل هرج ومرج بين الشعب. وظن أن البطريرك قد مات.. فلما نظر أخو الافشين هذه الأعجوبة، أخذه ليمضي به إلى أخيه كما أمره.. وفيما هم يجذبون البطريرك ليخرجوه والشعب متعلق به، قال لهم لا تمسكوني، فما نحن مقاومون للسلطان.. فخرج البطريرك والشعب يتبعه باكين، وكان الناس يطرحون أنفسهم على يديه ورجليه ظانين أنه مساق للقتل.. فلما نظر أخو الافشين تعلق الشعب به غضب جداً وضربه بمقرعة على رأسه، فانجرحت عيناه.. ولما مثل الأنبا يوساب أمام الافشين شرح له حقيقة الأمر بالنسبة للبشموريين، وحقيقة أمر الأسقفين المقطوعين الذين ضللاه بمعلومات كاذبة. وكيف أن الغيظ يأكل صدريهما بسبب قطعهما من الكنيسة. ولما وجد البطريرك يوساب أن الافشين تعبأت مشاعره ضد الأسقفين، بعد أن اتضحت الحقيقة، وأنه عزم على الانتقام منهما، قال للافشين متوسلا «مذهبي يأمرني بفعل الخير مع من يعمل معي الشر. والذي سعيا به هذان قد طرح الله في قلبك الصحيح. فاسألك أن تفعل معهما خيراً برئاستك واتركهما كرامة لله».. فتعجب الافشين من هذه السماحة وأطلق الأسقفين (تاريخ البطاركة ٦٠٤ - ٦١٥).

حدث أيضاً في زمان البابا يوساب البطريرك ٥٢ أن شخصاً اسمه تاوضروس اشتهى أن يرسم أسقفاً على أوسيم بغير رضا الشعب، فامتنع البطريرك عن رسامته. وكان والي مصر في ذلك الوقت هو على بن يحيى الأرمني (٨٤١ - ٨٤٣ م) في خلافة المعتصم الخليفة العباسي.. فلما رفض البطريرك رسامة تاوضروس، وكانت شهوة الأسقفية تعتمل في قلبه، لجأ إلى الوالي ليرغم الآب البطريرك على رسامته أسقفاً.. ولما سأل الوالي البطريرك في رسامة تاوضروس المذكور أسقفاً، رفض البطريرك، مما سبب حنق الوالي.. فبدأ يهدم الكنائس مبتدئاً بكنسية المعلقة بمصر القديمة، التي هدم أعلاها.. وأخيراً تحت ضغوط الأراخنة الأقباط - وحتى لا يتسبب تشدده في هدم كثير من الكنائس - قبل البطريرك رسامة المذكور بعد أن أشهد الله عليه. وفرض الوالي على الأنبا يوساب غرامة ثلاثة آلاف دينار، دفعها عنه الأراخنة بالتقسيط. لكن الله العادل لم يدع هذا الوالي المتجبر يفلت من انتقامه، فقد قتل بيد الروم حينما انفذه الخليفة على رأس حملة لغزو بلادهم (تاريخ البطاركة ٦٣٣ - ٦٣٦).

وفي زمان البطريرك يوساب ٥٢ أيضاً، كان هناك قاض بمصر اسمه محمد بن عبد الله، وكان رجلا متجبراً، عارفاً بأصول الفقه والشرع، لكن سيرته كانت مذمومة، فقد كان مولعاً بالخمر والنساء.. كان أسقف مصر ويدعى بنا قد طلب من الأنبا يوساب البطريرك أن يقدمه على بقية الأساقفة. لكن البطريرك رفض. فاحتال للوصول إلى غرضه بالتقرب من القاضي المذكور.. استدعى القاضي البابا البطريرك في أحد الأيام، وكان حاضراً عنده بعض الأساقفة ممن يناصرون هذا الأسقف المتكبر.. فما أن دخل البطريرك إلى حيث كان القاضي، حتى ابتدره بالقول «من جعل لك السلطان أن تكون رئيساً على جميع النصارى؟» أجاب البطريرك «الله». ثم التفت القاضي إلى الأساقفة المجتمعين ومعهم أسقف مصر المخدوع، وقال لهم «لا تسمعوا من هذا البطريرك من اليوم ولا تسموه أباً. بل أجعلوا لكم هذا أباً (يعني بنا أسقف مصر) ويكون مقدمكم».. فأجاب الأساقفة القاضي بما يفيد استحسانهم لقوله. وكان ذلك باتفاق مسبق مع القاضي مقابل مبلغ من المال كرشوة.. فخاطب البطريرك الأساقفة باللغة القبطية ووبخهم على ضلالهم.. وكان بعض فقهاء المسلمين ممن يعرفون القبطية حاضرين. فترجموا للقاضي كلام البطريرك. وحينئذ غضب القاضي إذ كيف لا يطاع أمره.. أما البطريرك فقال له في هدوء أنه لا يقدر أن يقاوم الله والخليفة، حيث كان تحت يد البطريرك رسائل من عدة خلفاء بأن له سلطاناً على كل شعبه المسيحي ورعيته في مصر.. وما أن اطلع القاضي على هذه المكاتبات حتى امتقع وجهه ولزم الصمت في خزي (تاريخ البطاركة ٦٣٧ - ٦٤١).

From History of the Coptic Church after the Council of Chalcedon, parts 1 and 2, by Anba Youannis, Bishop of Gharbiya, edited by Amir Nasr, a special edition for the students of the Clerical College.

يُنشر هذا النص بإذن من إيبارشية الغربية.

Published with the permission of the Diocese of Gharbiya.