← Books · The Christian Church in the Apostolic Age

الباب الخامس: العقائد المسيحية فى عصر الرسل

Doctrine, sacraments and worship in the apostolic age

الباب الخامس

العقائد المسيحية فى عصر الرسل

‹ص ٢٦٢›

ماذا عن إيمان كنيسة الرسل؟

هل كان مجرد إيماناً ساذجاً بشخص الرب يسوع المسيح وخلاصه، قوامه حياة التعبد والتقوى الخالصة فقط، دون أن يلتزم المؤمن بعقائد إيمانية محددة؟

الواقع أنه يخطىء مَنْ يظن هذا الظن، أو يتصور الكنيسة الأولى بهذه الصورة ... لقد كانت لكنيسة الرسل عقائد إيمانية أساسية محددة، صاغتها فى قانون إيمان، عُرف فيما بعد باسم قانون إيمان الرسل. وقد حفظ كل راغب فى العماد هذا القانون، وكان يعلنه لحظة عماده، متعهداً بالتمسك به١ ...

يقول الأستاذ تشارلس جور٢ Charles Gore: [إن تصوير المسيحية الأولى على أنها مجرد طريق للحياة بدون عقيدة لاهوتية — على نحو ما تصورها العظة على الجبل — ولا شىء غير ذلك — أمر ليس فيه إنصاف، ولا تؤيده الأسانيد التاريخية ... لقد وجد منذ البداية إيمان عام واحد، كثيراً ما أشار إليه العهد الجديد تحت اسم «التقليد» (١كو١١: ٢)، «صورة التعليم التى تسلمتموها» (رو٦: ١٧)، «تعليم الرسل» (أع٢: ٤٢)، «صورة الكلام الصحيح» (٢تى١: ١٣)؛ «الإيمان المسلّم مرة للقديسين» (يه٣) ... وإيمان الكنيسة كما عبر عن ذاته فى الحياة والعبادة والغيرة والاستشهاد كان قوياً سليماً، ويشير إلى أن مصدره هو تعليم الرسل وكتاباتهم ..].

كانت هناك إذن عقائد إيمانية محددة فى كنيسة الرسل ... وقد دافع الرسل عنها وحاربوا الخارجين عنها الذين — بحسب تعبير معلمنا بطرس — «يدسون بدع هلاك» وحذروا المؤمنين منهم ومن ضلالاتهم. وقطعت الكنيسة ‹ص ٢٦٣› من شركتها كل مَنْ يخرج عن إيمانها السليم٣ ... بل وصل الأمر بالقديس يوحنا الرسول — الذى كان يتصف بالرقة والوداعة — أن أمر المؤمنين بألاَّ يسلموا على أمثال هؤلاء المبتدعين، ولا يقبلوهم فى بيوتهم، وإلاَّ اعتبروا شركاءهم فى أعمالهم الشريرة (٢يو١٠، ١١) ...

ونجد الغيرة واليقظة على الإيمان، واضحة أيضاً فى كتابات الآباء الرسوليين:

فالقديس أغناطيوس الشهيد لم يكتف بتحذير المؤمنين من سماع أقوال المبتدعين الهراطقة، بل نعتهم بأقبح النعوت فقال عنهم إنهم: ذئاب خاطفة بمظاهر خداعة، وحيوانات مفترسة فى صورة بشرية، ونعوش ومقابر، وأغصان طفيلية تحمل أثماراً مسمومة لم يغرسها الرب، وجيف منتنة. يعلمون تعليماً فاسداً يفسد الإيمان، ونصيبهم النار المؤبدة. ويمزجون السم الزعاف بالخمر لينشروا الموت ... ويحذر أهل سميرنا قائلاً: [تجنبوهم ولا تتحدثوا معهم لا منفردين ولا مجتمعين]٤ ... وهكذا يفعل القديس بوليكاربوس فى رسالته إلى أهل فيلبى٥.

ونشير فى هذا الفصل إلى العقائد المسيحية الأساسية فى عصر الرسل ... ونلفت النظر إلى أننا فى تعرضنا لهذه العقائد، لا نعالجها كمواضيع عقيدية يدلل على صحتها من أسفار الكتاب المقدس بعهديه القديم والجديد، ومن أقوال آباء الكنيسة فى مختلف عصورها، ومن قرارات المجامع المسكونية مثلاً، ومن وسائل الأثبات، لكننا عرضنا لها كعقائد مسيحية فى كنيسة الرسل ... ولم نتجاوز فى إثباتها كتابات الآباء الرسل الواردة فى أسفار العهد الجديد، وأقوال الآباء الرسوليين ... وفى موضوع لاهوت السيد المسيح، تركنا جانباً أقوال المسيح نفسه الواردة فى البشائر الأربع حتى لا يكون هو شاهداً لذاته ...

‹ص ٢٦٤›

أولاً - العقائد الأساسية

١ - عقيدة التجسّد:

هى عقيدة المسيحية الأولى، أن الله ظهر فى الجسد ... أن المسيح ابن الله الكلمة أخذ ناسوتاً كاملاً من العذراء مريم ... يقول القديس يوحنا الرسول: «والكلمة صار جسداً» (يو١: ١٤) ... ويقول فى رسالته الأولى: «الذى كان من البدء، الذى سمعناه، الذى رأيناه بعيوننا، الذى شاهدناه ولمسته أيدينا» (١يو١: ١) ... «ونحن قد عاينا ونشهد أن الآب قد أرسل الابن مخلصاً للعالم» (١يو٤: ١٤).

وقد قاوم الآباء الرسل كل مَنْ أنكر التجسد الإلهى، فكتبوا عن المنكرين يصفونهم بأضداد المسيح والمعاندين له. وحثوا المؤمنين على مجانبتهم، وعدم مخالطتهم ...

يقول القديس يوحنا فى رسائله ... «أيها الأحباء لا تصدقوا كل روح، بل إمتحنوا الأرواح هل هى من الله، لأن أنبياء كذبة كثيرين قد خرجوا إلى العالم. وبهذا تعرفون روح الله. كل روح يعترف بيسوع المسيح أنه قد جاء فى الجسد فهو من الله. وكل روح لا يعترف بيسوع المسيح أنه قد جاء فى الجسد فليس من الله. وهذا هو روح ضد المسيح، الذى سمعتم أنه يأتى» (١يو٤: ١-٣) ... «لأنه قد دخل إلى العالم مضلون كثيرون لا يعترفون بيسوع المسيح آتياً فى الجسد. هذا هو المضل والضد للمسيح ... إن كان أحد يأتيكم ولا يجىء بهذا التعليم، فلا تقبلوه فى البيت، ولا تقولوا له سلام. لأن مَنْ قال له سلام، فقد إشترك فى أعماله الشريرة» (٢يو٧، ١٠، ١١).

وعقيدة التجسد تؤلف بنداً فى قانون إيمان الرسل، حيث يقول: [أؤمن بالله ‹ص ٢٦٥› الآب الكلى القدرة، خالق السماء والأرض، وبابنه الوحيد يسوع المسيح ربنا، الذى حُبل به من الروح القدس، وولد من العذراء مريم٦].

والآباء الرسوليون يشهدون بهذه العقيدة:

فالشهيد أغناطيوس يقول:

[لا يوجد سوى طبيب واحد من لحم وروح، مولود وغير مولود، الإله المتجسد، الحياة الحقيقية فى قلب الموت. المولود من مريم ومن الله ... يسوع المسيح ربنا]٧ ... [صموا إذاً آذانكم عن تعاليم مَنْ لا يخاطبكم عن يسوع المسيح ابن الله، الذى من ذرية داود ومن مريم، المولود حقاً من الله ومن العذراء]٨ ... وأنتم مقيمون على ثبات الاعتقاد بأن ربنا هو بالحقيقة من ذرية داود حسب الجسد، وابن الله بإرادة الله وقدرته، والمولود حقاً من عذراء]٩.

وبوليوكاربوس الشهيد يقول:

[كل مَنْ لا يعترف أن يسوع المسيح قد أتى فى الجسد هو ضد المسيح]١٠ ويوستينوس الفيلسوف الشهيد، يشهد بصدق هذا المعتقد فى دفاعه الأول١١، وفى حواره مع تريفو اليهودى١٢.

٢ - عقيدة الفداء والصليب:

عقيدة الفداء فى المسيحية — أن الرب يسوع المسيح، صنع فداءً للعالم أجمع وللبشرية كلها — نجدها واضحة كل الوضوح فى كتابات العهد الجديد بنفس المفهوم اليهودى القديم: إنه فدانا، ومات نيابة عنا، على نحو ما كان الحيوان ‹ص ٢٦٦› البرىء يذبح ويموت نيابة عن إنسان مذنب ... فالمسيح بقبوله الموت على الصليب، جعل نفسه بديلاً عن الإنسان، ونقلت عقوبة الخطية ومسئولياتها التى على الإنسان ووضعت على رأس المسيح. وهذا هو ما يعنيه إشعياء بقوله: «الرب وضع عليه إثم جميعنا» (إش٥٣: ٦) ...

ويوضح القديس بولس هذا المفهوم فيقول:

«المسيح افتدانا من لعنة الناموس، إذ صار لعنة لأجلنا، لأنه مكتوب ملعون كل مَنْ عُلِقَ على خشبة» (غل٣: ١٣).

«الذى لم يعرف خطية، صار خطية لأجلنا، لنصير نحن بر الله فيه» (٢كو٥: ٢١). وواضح أن الرسول يتكلم فى هذه الآية كما لو كان المسيح ذبيحة خطية ... «إذ نحن نحسب هذا أنه إن كان واحد قد مات لأجل الجميع، فالجميع إذاً ماتوا» (٢كو٥: ١٤) ... «أسلم نفسه لأجلنا قرباناً وذبيحة لله، رائحة طيبة» (أف٥: ٢) ... «لما جاء ملء الزمان أرسل الله ابنه مولوداً من امرأة، مولوداً تحت الناموس، ليفتدى الذين تحت الناموس لننال التبنى» (غل٤: ٤، ٥). «ومنه أنتم بالمسيح يسوع، الذى صار لنا حكمة من الله وبراً وقداسة وفداءً» (١كو١: ٣٠).

ويوضح الرسول فعالية ذبيحة المسيح الفدائية الكفارية، فيقول: «الذى فيه لنا الفداء، بدمه غفران الخطايا، حسب غنى نعمته» (أف١: ٧؛ كو١: ١٤) ... ويبيّن استمرار فعاليتها فيقول: «وليس بدم تيوس وعجول، بل بدم نفسه دخل مرة واحدة إلى الأقداس، فوجد فداء أبدياً» (عب٩: ١٢) ... أما عن حدودها، فقد أوضح الرب يسوع نفسه أن فداءه يشمل كافة البشرية (مت٢٠: ٢٨؛ مر١٠: ٤٥) ... والرسول بولس يؤكد هذا المعنى فيقول: «الذى بذل نفسه فدية لأجل الجميع» (١تى٢: ٦؛ ٢كو٥: ١٤).

الصليب:

ويتصل الصليب إتصالاً وثيقاً بعقيدة الفداء ... وقد اعتقدت الكنيسة ‹ص ٢٦٧› منذ نشأتها بأنه قوتها وفخرها ومجدها ... والأمر واضح فى كتابات القديس بولس والآباء الرسوليين:

فهو قوة الله ... «إن كلمة الصليب عند الهالكين جهالة، وأما عندنا نحن المخلصين فهو قوة الله ... نحن نكرز بالمسيح مصلوباً» (١كو١: ١٨، ٢٣).

وهو موضوع تطلع المؤمنين الدائم «لأنى لم أعزم أن أعرف شيئاً بينكم إلاَّ يسوع المسيح وإياه مصلوباً» (١كو٢: ٢) ... ويعاتب الغلاطيين وينسب لهم الغباء فى الفهم، لأنهم يتجاهلون يسوع المسيح المصلوب ... «أنتم الذين أمام عيونكم قد رسم١٣ يسوع المسيح بينكم مصلوباً» (غل٣: ١).

وهو موضوع فخر المؤمن «وأما من جهتى فحاشا لى أن أفتخر إلاَّ بصليب ربنا يسوع المسيح الذى به قد صُلِبَ العالم لى وأنا للعالم» (غل٦: ١٤).

ويقول أغناطيوس الشهيد فى رسالته إلى الأفسسيين: [إن روحى مكرسة للصليب، الذى هو عثرة لغير المؤمنين، لكنه خلاصنا وحياتنا الأبدية]١٤ ... ويصوره فى موضع آخر بشجرة، غصيناتها هم المؤمنون، وعصارة الشجرة هى دم المسيح١٥.

والشهيد بوليكاربوس فى رسالته إلى أهل فيلبى يقول: [كل مَنْ لا يعترف بان يسوع المسيح قد أتى فى الجسد هو ضد المسيح. ومَنْ لا يعترف بموته على الصليب فهو من إبليس]١٦.

ويوستينوس الشهيد فى حواره مع تريفو اليهودى، يتكلم كثيراً عن الصليب ورموزه فى العهد القديم١٧ ... كما أشار إليه وإلى البركات النابعة منه كاتب رسالة برنابا١٨.

‹ص ٢٦٨›

٣ - عقيدة النعمة والخلاص:

نعمة الله هى السبب فى كل ما يتمتع به البشر من بركات العهد الجديد ... فلولاها ما كان فداء ولا كان خلاص ولا شىء مما نتج عن ذلك ... لقد طرد الإنسان الأول من الفردوس بسبب عصيانه، وأغلق على أثر ذلك، وأقام الله «الكروبيم ولهيب سيف متقلب لحراسة طريق شجرة الحياة» (تك٣: ٢٤) ... لكن كيف أعيد الإنسان إلى رتبته الأولى؟ فهذا هو دور نعمة الله ...

ولفظ «نعمة χάρις» فى أصله اللغوى اليونانى قبل المسيحية، كان يستخدم للتعبير عن فضل أو إحسان قدمه إنسان لآخر عن جود قلبى طاهر، دون أمل فى أن يرد هذا الآخر الجميل لصاحبه ... واستخدمت فى العهد الجديد عن جود الله المجانى الذى صنعه مع البشر عند الجلجثة، حينما أخلى ذاته، وتنازل عن مجده، وحمل خطاياهم والعقوبة التى يستحقونها ... ونلاحظ أن استخدام الكلمة فى اليونانية القديمة، كان للتعبير عن الجميل أو المعروف الذى يقدَّم إلى صديق، وليس إلى عدو. أما فى حالة الله، فقد قدم إحسانه إلى أعدائه ... إلى البشر الخطاة الذين إمتلأ قلبهم كراهية نحو الله١٩ ... ومهما يكن من أمر فإن كلمة «نعمة χάρις» فى العهد الجديد هى كلمة جديدة، بمفهوم جديد، وأصبحت إصطلاحاً خاصاً٢٠. وتتردد كلمتا النعمة والخلاص كثيراً فى أسفار العهد الجديد، خاصة فى رسائل القديس بولس ... لكن من الخطأ تصوّر أن القديس بولس هو صاحب هذه العقيدة، وأصل هذا المفهوم. بل إن السيد المسيح هو مصدره، وإن كان بولس أبرزه إبرازاً متميزاً واضحاً ... فالسيد المسيح يعبر عن نعمة الله المحبة الرحيمة التى تريد خلاص جميع البشر، ويصورها بكلمات وأمثال، دون أن يضبطها فى تعبيرات وألفاظ محددة ... فوصيته أن نحب — ليس أحباؤنا فقط — بل أعداءنا أيضاً، تشبهاً بالآب السماوى الذى ‹ص ٢٦٩› يشرق بشمسه على الأشرار والصالحين، ويمطر على الأبرار والظالمين (مت٥: ٤٣-٤٨). ووصيته لتلاميذه «مجاناً أخذتم مجاناً أعطوا» (مت ١٠: ٨). وفى سعيه نحو الخطاة وجلوسه معهم، وفى أمثلته التى ساقها عن محبة الله لخلاص الأشرار، وحنوه فى معاملتهم كما فى حالة المرأة الزانية التى أمسكت فى ذات الفعل (يو٨: ٣-١١) ... فى كل ذلك إعلان بالأمثال والتصرفات والإشارات لنمة الله الفائقة، الحانية الشاملة، المجانية ...

والنعمة مرتبطة إرتباطاً وثيقاً بموضوع الخلاص. فإن كانت نعمة الله ظهرت فى خلاص البشر، فيكون الخلاص من جانب البشر، هو نوال هذه النعمة ... وفيما يختص بموضوع نعمة الله وخلاصه، فى المفهوم الرسولى، نلاحظ الآتى:

(أ) إن هذه النعمة، وهذا الخلاص — من جانب الله — هما هبة مجانية، بلا مقابل، ولا تتوقف على إستحقاقات البشر وأعمالهم ...

فالبشر جميعاً شملتهم الخطية، وملكت عليهم، يستوى فى ذلك الوثنى واليهودى ... «لأنه لا فرق. إذ الجميع أخطأوا وأعوزهم مجد الله» (رو٣: ٢٢، ٢٣) ... والناموس — وهو مجموع الوصايا التى أعطاه الله لشعبه اليهودى، لم يكن له القدرة على تخليصهم «لأنه بأعمال الناموس كل ذى جسد لا يتبرر أمامه». وكل ما استطاع الناموس أن يفعله، هو أنه كشف لهم سوء أحوالهم وإحتياجهم لله «لأنه بالناموس معرفة الخطية» (رو٣: ٢٠) ... «وأما الناموس فدخل لكى تكثر الخطية» (رو٥: ٢٠) ... وهكذا فقد كان الناموس بمثابة مرآة تستعمل لاقناع ذى الوجه القذر بقذارته، دون أن يكون لها القدرة على تنظيفه ...!!

والنتيجة التى وصل إليها القديس بولس بعد أن استعرض حالة العالم الأدبية الروحية والشرور الكثيرة التى غرق فيها ... النتيجة ... «يستد كل فم ويصير كل العالم تحت قصاص من الله» (رو٣: ١٩، ٢٣) ... وكنتيجة لهذه النتيجة تظهر نعمة الله المخلّصة المجانية «متبررين مجاناً بنعمته بالفداء الذى بيسوع المسيح. الذى قدمه الله كفارة بالإيمان بدمه، لإظهار بره من أجل الصفح عن الخطايا السالفة بإمهال الله» (رو٣: ٢٤، ٢٥) ... بهذا نستطيع أن نفهم كلمات الرب ‹ص ٢٧٠› يسوع: «لا يقدر أحد أن يقبل إلىَّ إن لم يجذبه الآب» (يو٦: ٤٤) ... لا إستحقاقات للبشر فى هذه النعمة، وإلاَّ لو كان للبشر إستحقاقات ما كانت تعتبر نعمة «فإن كان بالنعمة فليس بعد بالأعمال٢١، وإلاَّ فليست النعمة بعد نعمة. وإن كان بالأعمال٢١ فليس بعد نعمة» (رو١١: ٦) ... «الله الذى هو غنى فى الرحمة من أجل محبته الكثيرة التى أحبنا بها ونحن أموات بالخطايا أحيانا مع المسيح. بالنعمة أنتم مخلصون ... ليظهر فى الدهور الآتية غنى نعمته الفائق باللطف علينا فى المسيح يسوع. لأنكم بالنعمة مخلصون بالإيمان، وذلك ليس منكم. هو عطية الله. ليس من أعمال٢١ كيلا يفتخر أحد» (أف٢: ٤-٩)٢٢ ...

ونلفت النظر — فيما يختص بكلام الرسول السابق عن التبرير بالنعمة المجانية، وليس بالأعمال، أن المقصود هو حياة البشر عامة وأعمالهم السابقة للفداء الذى تم على الصليب، ولا يقصد بها بحال أعمال الإنسان المسيحى المؤمن فى ظل الفداء والصليب، فنعمة الله التى ظهرت فى عمل المسيح الكفارى كانت — بحسب تعبير القديس بولس: «صفحاً عن الخطايا السالفة» (رو٣: ٢٥) ... على نحو ما يصدر رئيس دولة عفواً عاماً عن المسجونين السياسيين مثلاً ... فليس معنى هذا أن يعود هؤلاء المسجونون المحررون أو غيرهم إلى نفس جرائمهم أو جرائم مشابهة، إحتماء فى العفو السابق، أو إستغلالاً له ... وسنعود إلى مناقشة هذا الموضوع فيما بعد.

(ب) أن هذه النعمة المجانية المخلّصة عامة لجميع البشر منذ آدم وإلى نهاية العالم ... فإن كانت خطية آدم الأول شملت كافة البشر، فنعمة المسيح الفائقة أقوى بما لا يقاس ... «كما فى آدم يموت الجميع، هكذا فى المسيح سيُحيا الجميع» (١كو١٥: ٢٢) ... «ليس كالخطية هكذا أيها الهبة. لأنه إن كان بخطية واحد مات الكثيرون. فبالأولى كثيراً، نعمة الله، والعطية بالنعمة التى بالإنسان الواحد يسوع المسيح، قد إزدادت للكثيرين» (رو٥: ١٥) ... ‹ص ٢٧١› «مخلصنا الله، الذى يريد أن جميع الناس يخلصون وإلى معرفة الحق يقبلون ... الذى بذل نفسه فدية لأجل الجميع» (١تى٢: ٣-٦) ... ويقول يوحنا الرسول «وهو كفارة لخطايانا. ليس لخطايانا فقط. بل لخطايا كل العالم أيضاً» (١يو٢: ٢).

(جـ) وأن هذه النعمة العامة المجانية من أجل خلاصنا، نستحقها بالإيمان فى شخص المسيح الفادى وعمله الخلاصى.

فلا شك أن الإيمان بالمسيح الفادى وبعمله الكفارى الخلاصى هو المدخل لهذه النعمة ... نقول المدخل ولا نقول إنه كل شىء ... هكذا يقول القديس بولس: «... ربنا يسوع الذى به أيضاً قد صار لنا الدخول بالإيمان إلى هذه النعمة التى نحن فيها مقيمون» (رو٥: ١، ٢) ... فالإنسان الذى هو خارج الدائرة يحتاج أن يُدخل أولاً، وبعد ذلك يقال له ماذا ينبغى أن يفعل فى الداخل ... «متبررين مجاناً بنعمته بالفداء الذى بيسوع المسيح ... بالإيمان بدمه» (رو٣: ٢٤، ٢٥) ... «لأنكم بالنعمة مخلصون بالإيمان» (أف٢: ٨) ...

على أن هذه الآيات التى ترسم لنا التبرير بالإيمان بالنعمة المجانية، إنما هى توضيح للجانب الإلهى. لكن الخلاص الأبدى الأخير لا يناله الإنسان إلاَّ بما يقوم به هو من أعمال صالحة كتجاوب مع نعمة الله ... وسنعرض لهذا فيما بعد.

(د) قلنا فى النقطة السابقة إن النعمة العامة المجانية نستحقها بالإيمان فى شخص المسيح، ولم نقل إننا ننالها بالإيمان ... وقلنا عن الإيمان إنه المدخل فقط، لأنه هو الخطوة الأولى التى تفتح القلب لقبول الخلاص. ومع ذلك فليس الإيمان هو الذى يخلص الإنسان، إنما الذى يخلص الإنسان هو المعمودية٢٣ ... «مَنْ آمن واعتمد يخلص ومَنْ لم يؤمن يدان» (مر١٦: ١٦) ... فالإيمان ‹ص ٢٧٢› يجعل القلب فى حالة القبول والاستعداد للخلاص، لكنه لا يخلص. والخلاص لا يتم بغير المعمودية، التى ينقل بها الروح القدس إلينا إستحقاقات المسيح الكفارية، وخلاصه الذى تممه بالصليب. نلاحظ قول الرب: «مَنْ آمن واعتمد»، ولم يقل «مَنْ آمن» فقط. وأما قوله «ومَنْ لم يؤمن يدان» فلأن الإيمان هو الخطوة الأولى التى تمهد للخلاص. فإذا لم يوجد لدى الإنسان الإيمان، فإنه يدان على عدم إيمانه، ولكن إذا وجد الإيمان، فليس بالإيمان يخلص، ما لم تأت الخطوة التالية وهى المعمودية.

٤ - عقيدة موت المسيح وقيامته:

موضوع موت المسيح وقيامته عقيدة أساسية فى كنيسة الرسل، ونلمسها واضحة فى الأسفار المقدسة٢٤. فمنذ اليوم الأول الذى تأسست فيه الكنيسة المسيحية، نرى موت المسيح وقيامته يحتل حجر الزاوية فى التعليم، على أنها حقيقة حدثت تماماً لنبوات الأنبياء قديماً ...

ففى عظة بطرس يوم تأسيس الكنيسة نراه يؤكد هذا الأمر «بأيدى أثمة صلبتموه وقتلتموه. الذى أقامه الله ناقضاً أوجاع الموت» (أع٢: ٢٣، ٢٤) ... ونفس الكلام تكرر فى الهيكل اليهودى، ومرتين أمام مجمع السنهدرين٢٥ ... وأكد الكلام السابق استفانوس فى خطابه النارى أمام المجمع (أع٧: ٥١، ٥٢) ... ولا شك أن موضوع موت المسيح وقيامته كان هو موضوع كرازة فيلبس للخصى الحبشى الذى كان يقرأ من إشعياء الفصل الخاص بآلام المسيح (أع٨: ٣٢) ... وكان هو أيضاً موضوع كرازة بطرس لكرنيليوس (أع١٠: ٣٨-٤٠) ... وهكذا فعل بولس فى المجمع بأنطاكية بيسيدية (أع١٣: ٢٨-٣٠).

ويروى معلمنا بولس أن التقليد الخاص بموت المسيح وقيامته، تسلمه من ‹ص ٢٧٣› الكنيسة وقبله كعقيدة أساسية ... «فإننى سلمت إليكم فى الأول ما قبلته أنا أيضاً، أن المسيح مات من أجل خطايانا حسب الكتب. وأنه دفن، وأنه قام فى اليوم الثالث حسب الكتب» (١كو١٥: ٣، ٤) ... ويوصى أهل كورنثوس أن يحفظوا هذه الذكرى مرتبطة بالأفخارسيتا (١كو١١: ٢٦) ... ويقول لأهل فيلبى: «لأعرفه وقوة قيامته وشركة آلامه متشبهاً بموته» (فى٣: ١٠). ويقول للتسالونيكيين: «لأنه إن كنا نؤمن أن يسوع مات وقام، فكذلك الراقدون بيسوع سيحضرهم الله أيضاً معه» (١تس٤: ١٤). وموت المسيح وقيامته هو جوهر قانون إيمان الرسل ... [أؤمن بالله الآب الكلى القدرة، خالق السماء والأرض، وابنه الوحيد يسوع المسيح ربنا، الذى حبل به بالروح القدس، وولد من العذراء مريم. تألم على يد بيلاطس البنطى، وصلب ومات ودفن ونزل إلى الجحيم. وقام من الأموات فى اليوم الثالث، وصعد إلى السموات، وجلس عن يمين الله الآب الكلى القدرة]٢٦ ...

وهو واضح أيضاً فى كتابات الآباء الرسوليين:

يذكره أكليمنضس الرومانى٢٧ مستشهداً بما جاء فى (إش٥٣) ... ويذكره أغناطيوس الأنطاكى الشهيد فى رسائله٢٨. وكذلك بوليكاربوس الشهيد فى رسالته إلى أهل فيلبى٢٩ ويوستينوس الشهيد فى دفاعه الأول٣٠، وحواره مع تريفو اليهودى٣١، وفى كتابه عن القيامة٣٢ ...

‹ص ٢٧٤›

٥ - عقيدة لاهوت المسيح:

اعتقدت الكنيسة المسيحية منذ تأسيسها، اعتقاداً أساسياً وراسخاً، أن الرب يسوع المسيح هو الله الظاهر فى الجسد، وأنه هو الله الكلمة (اللوغوس)، وأنه ابن الله الوحيد الجنس، وأنه هو المخلص الوحيد. ويتضح ذلك من النقاط الآتية التى نعرضها فى إيجاز٣٣.

أولاً - كانت تقدم له العبادة:

كانت الكنيسة منذ البداية — جماعة وأفراد — تقدم العبادة للرب يسوع:

+ هكذا صلت الكنيسة فى علية صهيون لانتخاب خلفاً ليهوذا الاسخريوطى (أع١: ٢٤).

+ وبطرس فى عظة يوم الخمسين إقتبس من نبوءة يوئيل «ويكون كل مَنْ يدعو باسم الرب (يصلى باسم الرب يسوع) يخلص» (يوئيل٢: ٣٢؛ أع٢: ٢١).

+ واستفانوس أول شهداء المسيحية — فيما كانوا يرجمونه — كان «يدعو ويقول أيها الرب يسوع إقبل روحى» (أع٧: ٥٩) ... لقد ختم إستفانوس حياته وهو يردد عبارتين من العبارات السبع، التى قالها الرب يسوع على الصليب ... «أيها الرب يسوع إقبل روحى ... يارب لا تقم لهم هذه الخطية» (أع٧: ٥٩، ٦٠) ... وبينما وجه الرب يسوع عبارتيه للآب، فإن استفانوس وجههما للرب يسوع. ومثال إستفانوس له قيمته، خاصة فى تلك اللحظات الحاسمة التى رأى فيها مجد الله والسموات مفتوحة، وكان وجهه يضىء كوجه ملاك. وهو الشخص الذى شهد عنه الكتاب المقدس أنه كان مملوءاً من الإيمان والروح القدس ‹ص ٢٧٥› (أع٦: ٥؛ ٧: ٥٥، ٥٦) ... على أن صلاة إستفانوس وأسلوبها، لم تكن حدثاً. فمما لا شك فيه أنها كانت نموذجاً وامتداداً لصلواته السابقة التى إعتادها، بل ولصلوات الكنيسة كلها آنذاك٣٤.

+ وفى قصة إيمان بولس، نقرأ عن المسيحيين أنهم كانوا يدعون باسم الرب يسوع٣٥ أى يصلون باسمه. هكذا قال حنانيا للرب يسوع. وهذا ما علق به كل مَنْ سمع بولس يكرز بالمسيح فى دمشق عقب إيمانه (أع٩: ١٤، ٢١). وبعد أن التقى حنانيا بشاول (بولس) قال له: «والآن لماذا تتوانى. قم واعتمد واغسل خطاياك. داعياً باسم الرب» (أع٢٢: ١٦)٣٦، أى صل للرب (يسوع) ... وبعد فترة وجيزة، كتب بولس رسالة إلى كنيسة كورنثوس عنونها: «إلى القديسين مع جميع الذين يدعون باسم ربنا يسوع المسيح٣٧ فى كل مكان» (١كو١: ٢).

+ والقديس بولس الرسول كان يصلى للرب يسوع فى الهيكل بأورشليم (أع٢٢: ١٧-٢١).

+ ويقول لأهل فيلبى: «على أنى أرجو فى الرب يسوع أن أرسل إليكم سريعاً تيموثاوس» (فى٢: ١٩). وفى (١تى١: ١٢) يقول: «وأنا أشكر المسيح يسوع ربنا الذى قوانى أنه حسبنى أميناً إذ جعلنى للخدمة» ... وكلا التعبيرين يظهران أن الرب يسوع كان هو محور تفكير الرسول بولس، على نحو ما نطلق التعبيرات المعتادة، إن شاء الله، وأشكر الله ... إن الرب يسوع هو الإله الذى عبده بولس، والذى ظهر له فى الجسد.

+ وواضح من كلام بولس بخصوص شوكة جسده، أن صلواته كان يقدمها ‹ص ٢٧٦› للرب يسوع ... «من جهة هذا تضرعت إلى الرب ثلاث مرات ... فبكل سرور أفتخر بالحرى فى ضعفاتى لكى تحل علىَّ قوة المسيح» (٢كو١٢: ٨-١٠).

+ ولم تكن الكنيسة المجاهدة على الأرض هى وحدها التى تقدم العبادة للرب يسوع المسيح، بل إشتركت معها فى ذلك كل الخلائق سواء فى السماء أو على الأرض ... يقول معلمنا بولس عن الرب يسوع: «متى أدخل البكر إلى العالم، يقول ولتسجد له ملائكة الله» (عب١: ٦). ويقول أيضاً: «لذلك (من أجل تواضعه) رفعه الله وأعطاه اسماً فوق كل اسم، لكى تجثو باسم يسوع كل ركبة ممَنْ فى السماء ومَنْ على الأرض ومَنْ تحت الأرض» (فى٢: ٩، ١٠) ...

من هذه الآيات يتضح أن الرب يسوع — الإله المتجسد — عبده الملائكة والبشر وأرواح المنتقلين ... ولم تكن صلوات عبيده وخدامه على الأرض، إلاَّ إنعكاساً لصلوات الكنيسة المنتصرة فى السماء. والأمر واضح فى رسائل يوحنا ورؤياه ... يقول:

«وهذه هى الثقة التى لنا عنده، أنه إن طلبنا شيئاً حسب مشيئته يسمع لنا. وإن كنا نعلم أنه مهما طلبنا يسمع لنا، نعلم أن لنا الطلبات التى طلبناها منه ...» (١يو٥: ١٤، ١٥) ...

هذه التوسلات من الكنيسة المجاهدة على الأرض تتوافق مع العبادة التى تقدم للرب يسوع المسيح فى السماء.

«ورأيت فإذا فى وسط العرش خروف قائم كأنه مذبوح» (رؤ٥: ٦) ... ثم يرسم لنا يوحنا صورة ثلاثة فئات تقدم العبادة للمسيح «الخروف القائم كأنه مذبوح» ... الفئة الأولى: الأربعة حيوانات غير المتجسدين والأربعة وعشرون كاهناً ... والفئة الثانية: ربوات وألوف من الملائكة ... والفئة الثالثة، يقول عنها يوحنا: «كل خليقة مما فى السماء وعلى الأرض وتحت الأرض، وما على البحر كل ما فيها» (رؤ٥: ٨-١٤).

‹ص ٢٧٧› قد يختلف المفسرون فى مدلولات رموز سفر الرؤيا النبوية، لكن لن يختلف إثنان فى مَنْ يكون الحمل المذبوح، وطبيعة العبادة التى تقدم له ... إن السجود والعبادة تختص بالله وحده (تث٦: ١٣؛ ١٠: ٢٠؛ مت٤: ١٠) ... والعبادة التى كانت تقدم للمسيح فى العصر الرسولى، هى نفس العبادة الواجبة لله وحده ... وقد سلمت كنيسة الرسل هذه العقيدة إلى الأجيال التالية.

+ والآباء الرسوليين يشيرون فى كتاباتهم إلى عبادة ربنا، كشىء غير قابل للنقاش.

فالقديس أغناطيوس الأنطاكى الشهيد، يطلب من مؤمنى رومية قائلاً: [إسألوا المسيح أن يجعل منى ضحية بواسطة هذه الحيوانات]٣٨.

+ والقديس بوليكاربوس يفتتح رسالته إلى أهل فيلبى ببركة هى فى حقيقتها صلاة ليسوع المسيح ربنا ... وفى وقت إستشهاده قدم صلاته للمسيح٣٩.

وتقول قصة إستشهاد بوليكاربوس التى كتبتها كنيسة سميرنا عقب إستشهاده مباشرة، أن اليهود أدركوا رغبة المسيحيين فى إختطاف جسد بوليكاربوس من النار، فحرضوا الوالى ألاَّ يسلم الجسد للمسيحيين، لئلا يتركوا المصلوب ويعبدوا بوليكاربوس ... ثم يعلقون على ذلك بقولهم عن اليهود: [غير عالمين أننا لن نترك المسيح الذى تألم من أجل خلاص كل العالم ولن نعبد آخر]٤٠.

● والمدافعون المسيحيون أشاروا إلى هذه العبادة. فقد إتهمهم الوثنيون فى ذلك الوقت المبكر بعبادة آلهة متعددة. لذلك نجد يوستينوس الفيلسوف الشهيد يقول فى دفاعه أن المسيحيين يعبدون الله وحده، لكنه يؤكد أن الابن والروح القدس يشتركان مع الآب فى العبادة التى تقدم إليه٤١ ... وفى حواره مع تريفو ‹ص ٢٧٨› اليهودى، أثبت له أن الأنبياء تنبأوا عن عبادة المسيا٤٢.

● والليتورجيات القديمة تقطع بأن العبادة كانت تقدم للسيد المسيح. ففى ليتورجية القديس يعقوب أخ الرب٤٣، يقول الكاهن فى صلاة رفع البخور ... «يا ربنا وملكنا يسوع المسيح، يا كلمة الله، الذى قدم ذاته بإرادته، لله الآب، ذبيحة بلا عيب على الصليب ...». وأيضاً «يا ربنا وإلهنا يسوع المسيح، الذى من أجل صلاحه الفائق، ومحبته التى لا تعاق، صلبت، ولم ترفض أن تطعن بالحربة وتثقب بالمسامير. الذى أعطانا هذه الخدمة السرية المخوفة ...].

ويرتل الشماس قائلاً: «أنت هو ابن الله الوحيد وكلمة الله غير المائت، الذى تنازلت من أجل خلاصنا، وأخذت جسداً من والدة الإله القديسة مريم الدائمة البتولية ... أنت أيها المسيح إلهنا، دست الموت بموتك».

وفى ليتورجية القديس مار مرقس (القداس الكيرلسى)، يصلى الكاهن «أنت هو الذى خلق الإنسان كصورتك وكشبهك، وخلقت كل الأشياء بحكمتك. نورك الحقيقى ابنك الوحيد ربنا وإلهنا ومخلصنا وملكنا كلنا يسوع المسيح، هذا الذى من قبله نشكر ونقرب لك معه ومع الروح القدس الثالوث المقدس المساوى غير المفترق هذه الذبيحة الناطقة وهذه الخدمة غير الدموية»٤٤.

● والتسابيح والمزامير التى إستخدمت فى العبادة فى الكنيسة الأولى تشهد بذلك. ويسجل لنا يوسابيوس المؤرخ عبارة وردت فى مؤلف قديم تقول [مزامير الأخوة وتسابيحهم، التى كتبها المؤمنون منذ أيام المسيحية الأولى، كلها تقدم التسبيح للمسيح كلمة الله، وتعلن لاهوته]٤٥.

‹ص ٢٧٩› ويشير أوريجينوس إلى أن التسابيح وجهت لله فقط، وابنه الوحيد الكلمة الذى هو الله أيضاً٤٦.

ومازالت بين أيدينا تسابيح مما كانت تستخدمها الكنيسة الأولى فى عبادتها، وجميعها مقدمة للمسيح ... وهناك تسبحة قديمة تقول: «أيها الرب الإله حمل الله ابن الآب حامل خطايا العالم إرحمنا»٤٧.

وفى التقرير الذى أنفذه بلينى الأصغر Pliny حاكم بيثينية سنة ١١٢ م إلى الإمبراطور تراجان، يصف فيه عبادة المسيحيين، يقرر [أنه كان من عادتهم أن يجتمعوا معاً فى يوم معين من الأسبوع قبل الفجر وينشدون بالتناوب ترنيمة للمسيح باعتبار أنه الله]٤٨.

ثانياً - كتابات الآباء الرسل:

وليس موضوع تقديم العبادة للرب يسوع المسيح وباسمه، هو الوحيد الذى يقوم شاهداً على لاهوت المسيح، بل إن كتابات الآباء الرسل، التى حواها كتاب العهد الجديد تقطع بذلك ... فقد لقب الآباء الرسل السيد المسيح بكل الألقاب الإلهية، كما نسبوا إليه جميع الصفات الإلهية، التى لا يلقب بها غير الله:

١ - الألقاب الإلهية:

(أ) الله:

«وبالإجماع عظيم هو سر التقوى الله ظهر فى الجسد» (١تى ٣: ١٦). ‹ص ٢٨٠› سأل حافظ سجن فيلبى بولس وسيلا عما يفعله لكى يخلص. أجاباه: «آمن بالرب يسوع فتخلص أنت وأهل بيتك» ... وبعد أن اعتمد «تهلل مع جميع بيته إذ كان قد آمن بالله» (أع١٦: ٣١، ٣٤) ... واضح من هاتين الآيتين اللتين دونهما القديس لوقا فى سفر الأعمال، أن الإيمان بالرب يسوع، هو بعينه الإيمان بالله. يقول المرتل فى (مز٤٥: ٦، ٧): «كرسيك يا الله إلى دهر الدهور» ... ويقتبس بولس هذه الآية، فيقول فى (عب١: ٨): «وأما عن الابن، كرسيك يا الله إلى دهر الدهور». وواضح هنا أن الابن هو الله.

وفى مدينة ميليتس، حث القديس بولس قسوس أفسس أن يرعوا «كنيسة الله التى إقتناها بدمه» (أع٢٠: ٢٨). وضمير الغائب المفرد فى كلمة «دمه» تعود على الله، والذى سفك دمه هو المسيح. واضح أن المسيح هنا هو الله.

(ب) يهوه (الله فى العهد القديم):

فى الأصحاح العاشر من رسالة بولس الرسول الأولى إلى أهل كورنثوس يسوق الرسول بولس مثلين على ذلك، وهو يتكلم عن بنى إسرائيل الذين خرجوا من مصر مع موسى، وظلوا فى البرية أربعين سنة. قال:

«لأنهم كانوا يشربون من صخرة روحية تابعتهم، والصخرة كانت المسيح» (١كو١٠: ٤). وبالرجوع إلى (خر١٧: ٦، ٧) حيث سجل هذا الحادث، نجد أن موسى دعا اسم ذلك الموضع «مسّة ومريبة» من أجل تجربتهم للرب قائلين، أفى وسطنا الرب أم لا ... وبمقارنة النصين يتضح أن يهوه (الله) كان فى وسطهم، الذى كشف عنه بولس أنه المسيح٤٩. «ولا نجرب المسيح كما جرب أيضاً أناس منهم فأهلكتهم الحيات» (١كو١٠: ٩). وبمقارنة هذه العبارة بالحادث المشار إليه فى العهد القديم (عدد٢١: ٥، ٦). ومع ما ذكره ‹ص ٢٨١› معلمنا بولس فى (عب٣: ٧-١٩)، يتضح أن المسيح هو يهوه العهد القديم، الذى تذمر عليه بنو إسرائيل فى البرية.

إن الدارس لرسالة معلنا يعقوب يستطيع أن يدرك على أنه يتكلم عن السيد المسيح على أنه هو يهوه العهد القديم٥٠ ... وبمقارنة (يع٤: ١٢) حيث يتكلم عن الله واضع الناموس والديان، مع (يع٥: ٩) حيث يتكلم عن المسيح الديان، يزداد الأمر وضوحاً.

(جـ) صورة الله غير المنظور:

قال القديس بولس «الذى (يسوع المسيح) إذ كان فى صورة الله، لم يحسب مساواته لله إختلاساً» (فى٢: ٦) ... يقول الأستاذ الدكتور وست٥١ Wuest: [هذه الآية وحدها كافية لدحض إدعاء منكرى لاهوت المسيح] ... لابد إذن من وقفة عند هذه الآية التى تتكلم عن المسيح «صورة الله» ...

فى الآية السابقة، الكلمة اليونانية المترجمة صورة هى Morphi وكلمة صورة لا تعبر بدقة عن المعنى المقصود. وعلى كلٍ، فلا يوجد فى اللغات الحالية — سواء العربية أو غيرها — لفظ واحد يعبر عن معنى الكلمة اليونانية ... هى لا تعنى الشكل الجسدى، بل كانت تعبيراً يونانياً (فلسفياً) يعبر به عن الكائن الذى يحمل فى ذاته الطبيعة والصفة المميزتين للكائن الذى ينسب إليه ... فهى والحال هذه تدل على الوصف الخارجى الذى ينبع من الداخل والذى يعبر به الكائن عن طبيعته فى أعمق أعماقها. كان ربنا يسوع فى صورة الله بهذا المعنى الذى أشرنا إليه. ولفظ «الله» ورد فى النص اليونانى بدون أداة تعريف، لذا فهو يشير إلى الجوهر الإلهى ...

ومن هنا يتضح المعنى: فتعبير الرب يسوع الخارجى لأعمق أعماقه الداخلية بالنسبة لطبيعته، إنما هو تعبير عن جوهر اللاهوت الإلهى. وحيث ‹ص ٢٨٢› أن ذلك التعبير الخارجى — الذى يدل عليه لفظ «صورة» — نابع من الكيان الداخلى، ويصوره تصويراً حقيقياً، فإنه يتبع ذلك، أن ربنا يسوع — من جهة طبيعته يملك جوهر اللاهوت الإلهى، ويشترك مع الله الآب، والله الروح القدس فى نفس جوهر اللاهوت ...

وثمة ملاحظة أخرى على هذه الآية ... عبارة «إذ كان» فى أصلها اليونانى لا تشير إلى الزمن الماضى، الذى تم وانقضى، بل هى فى الصيغة التى تعبر عن حالة فى الماضى تمتد إلى الحاضر ... والمعنى أن الرب يسوع — من جهة حوزته جوهر اللاهوت — لم يتوقف عن ذلك حينما (أخلى ذاته) بالتجسد ... وبعبارة أخرى، أن الرب يسوع كان بجوهر اللاهوت، ليس فقط قبل تجسده، بل بعد هذا التجسد أيضاً.

عبارة «لم يحسب» فى اليونانية، تفيد الحكم المبنى على حقائق.

«مساوياً لله» ... ومرة أخرى كلمة الله بدون أداة تعريف، وتعنى اللاهوت فى جوهره. والمساواة هنا لا يقصد بها المساواة بين أقانيم الثالوث القدوس — أى أنها لا تشير إلى مساواة الرب يسوع للأقنومين الآخرين، فيما يختص بجوهر اللاهوت. إنما هى تشير هنا إلى مشاركة الرب يسوع للأقنومين الآخرين فى التعبير عن الجوهر الإلهى الأقدس. وهذه نقطة هامة. لأنه حينما «أخلى ذاته»، لم يُخل ذاته من حوزة اللاهوت، بل أخلى ذاته من التعبير عنه٥٢ «آخذاً صورة عبد، صائراً فى شبه الناس».

● وعن المسيح «صورة الله» يقول معلمنا بولس أيضاً «الذى هو صورة الله غير المنظور» (كو١: ١٥) ... «المسيح الذى هو صورة الله» (٢كو٤: ٤) وهنا كلمة صورة فى النص اليونانى هى είκων = eikon. وتعنى فى معناها الأصلى المماثلة. وأنها نموذج مطابق تماماً للأصل. وهى تختلف عن كلمة يونانية أخرى homoioma وتفيد معنى التشابه ... أى أن الابن هو نفس صورة الآب (صورة طبق الأصل للآب).

‹ص ٢٨٣› هكذا نفهم كلمات الرب يسوع «من رآنى فقد رأى الآب» (يو١٤: ٩). أى أن الابن هو نفس صورة الآب (صورة طبق الأصل للآب) ... إنها تفيد الاعلان عن المخفى واظهاره٥٣ ... وثمة فكرة أخرى تنطوى عليها كلمة «صورة» ... فالابن (اللوغوس) هو إظهار للآب غير المنظور «الله لم يره أحد قط. الابن الوحيد الذى هو فى حضن الآب هو خبّر» (يو١: ١٨).

(د) إله: «المسيح ... الكائن على الكل إلهاً مباركاً إلى الأبد» (رو٩: ٥) «فان فيه يحل٥٤ كل ملء اللاهوت جسدياً» (كو٢: ٩) ... «هذا هو الإله الحق والحياة الأبدية» (١يو٥: ٢٠) ... «الإله الحكيم الوحيد مخلصنا له المجد والعظمة والقدرة والسلطان» (يه٢٥).

(هـ) رب: انظر (أع٢: ٣٦؛ ١كو٨: ٦؛ ١٢: ٣؛ ٢كو٤: ٥؛ أف٤: ٥؛ فى٢: ١١؛ ٢تس٢: ١٦؛ ٢بط١: ١؛ رؤ١١: ٨، ١٥) ... بل دعى رب الأرباب (رؤ١٩: ١٥) ودعاه القديس يعقوب «رب المجد» (يع٢: ١).

(و) ابن الله الوحيد الجنس: انظر (أع٩: ٢٠؛ رو١: ٣؛ ٨: ٢٩، ٣٢؛ أف٤: ١٣؛ كو١: ١٤؛ عب١: ٢؛ ٢يو٣).

وتعبير ابن الله الوحيد الجنس هو التعبير الذى أطلقه رب المجد يسوع على ذاته واستخدمه ليبيّن لليهود وللبشر علاقته بالآب ... أو العلاقة بين الله غير المنظور (الآب) وقد أصبح منظوراً فى المسيح (الابن). وعبارة ابن الله معناها أنه مساو لله ... هكذا فهم اليهود هذا التعبير «فازداد اليهود لأجل هذا طلباً لقتله ... لأنه كان يقول أن الله أبوه، مساوياً نفسه بالله» (يو٥: ١٨). فعبارة أن الله أبوه معناها أنه مساوٍ لله فى الجوهر (من ذات جوهر الآب) ...

‹ص ٢٨٤› (ز) كلمة الله (اللوغوس): (يو١: ١، ١٤؛ ١يو١: ١؛ ٥: ٧).

٢ - الصفات الإلهية:

+ الخالق: (يو١: ٣، ١٠؛ رو١١: ٣٦؛ كو١: ١٦؛ عب١: ٢، ١٠).

+ أزلى أبدى: (١تى٦: ١٦؛ عب١: ١٠-١٢؛ ١يو٥: ٢٠؛ رؤ١: ٤، ٨، ١٨).

+ روح الله هو روحه: «وأما أنتم فلستم فى الجسد بل فى الروح، إن كان روح الله ساكناً فيكم، ولكن إن كان أحد ليس له روح المسيح، فذلك ليس له» (رو٨: ٩).

+ قدوس: أع٣: ١٤، ١٥؛ ٤: ٢٧؛ ١٣: ٣٥؛ عب٧: ٢٦).

+ لا يتغير: «يسوع المسيح هو هو، أمساً واليوم وإلى الأبد» (عب١٣: ٨) ... ونلاحظ أن الرسول بولس بعد هذه الآية مباشرة، يقول للعبرانيين: «لا تساقوا بتعاليم متنوعة وغريبة». وفى ذلك تحذير من بعض الهرطقات التى ظهرت فى ذلك الوقت مشوهة لاهوت المسيح.

+ الديان: (أع١٠: ٢٢؛ رو١٤: ١٠، ١٢؛ ١كو٤: ٥؛ ٢كو٥: ١٠؛ ٢تى٤: ١، ٨؛ ١بط٤: ٥؛ رؤ٢٢: ١٢).

+ هو الحياة ومصدرها وواهبها، وله سلطان الموت: (يو١: ١-٤؛ ١يو٤: ٩؛ ٥: ١٠-١٢؛ فى٣: ٢٠، ٢١؛ ١تس٤: ١٦).

+ عالم بكل شىء: (٢بط١: ١٤؛ رؤ٢: ٢٣).

+ قادر على كل شىء ويمنح القوة: (٢كو١٢: ٩؛ فى٤: ١٣؛ كو١: ٢٨، ٢٩؛ ٢تى٤: ١٧، ١٨؛ رؤ١: ٨).

‹ص ٢٨٥› + بلا خطية: (عب٤: ١٥؛ ٧: ٢٦؛ ١بط٢: ٢٢؛ ١يو٣: ٥).

+ غافر الخطايا والمطهر من كل إثم: (أع٥: ٣١؛ ٧: ٥٩، ٦٠؛ ١٠: ٤٣؛ ٢٦: ١٨؛ كو٣: ١٣؛ ١يو١: ٧، ٩؛ ٢: ١٢).

+ مخلص البشر وحده: «ليس بأحد غيره الخلاص. لأن ليس اسم آخر تحت السماء قد أعطى بين الناس به ينبغى أن نخلص» (أع٤: ١٢).

+ المؤمنون يعمدون باسمه: (أع٢: ٣٨؛ ٨: ١٦؛ ١٠: ٤٨).

+ البشر يدعون عبيده وقديسيه: (أع٩: ١٣؛ رو١: ١، ٥؛ غل١: ١٠؛ فى١: ١).

+ رجاء المؤمنين: (رو٥: ٢؛ ١كو١٥: ١٩؛ أف١: ١٢؛ ١تس١: ٣؛ ١تى١: ١).

+ أعداؤه نهايتهم الهلاك الأبدى: (فى١: ٢٧، ٢٨؛ ٣: ١٨، ١٩؛ ٢تس١: ٩؛ يه٤، ٥).

+ اليوم الأخير هو يومه: (٢بط٣: ١٠، ١٢).

+ الملكوت الأبدى هو ملكوته: «لأنه هكذا يقدم لكم بسعة دخول إلى ملكوت ربنا ومخلصنا يسوع المسيح الأبدى» (٢بط١: ١١؛ ٢تى٤: ١).

ثالثاً - كتابات الآباء الرسوليين:

ولاهوت السيد المسيح واضح كل الوضوح فى كتابات الآباء الرسوليين ... وكعينة لذلك نعرض لشخص المسيح فى كتابات القديس اكليمنضس الرومانى، وأغناطيوس الأنطاكى الشهيد ...

يقول اكليمنضس الرومانى:

[فلنحدق بأبصارنا فى دم المسيح. ولنعلم أنه ثمين فى نظر أبيه، لأنه سفك ‹ص ٢٨٦› لأجل خلاصنا، وأتى بنعمة التوبة لكل العالم]٥٥.

[وكل مَنْ يؤمن بالله ويترجاه سينال الفداء يوم الرب]٥٦.

[فلنكرم الرب يسوع الذى سفك دمه عنا]٥٧.

[هذا هو السبيل يا أحبائى، حيث نجد خلاصنا يسوع المسيح، رئيس كهنة تقدماتنا، المدافع والمعين لضعفنا]٥٨.

أما أغناطيوس فرسائله مليئة بالتصريحات عن لاهوت المسيح من جوانب متعددة.

يقول عن ميلاده وآلامه وموته وقيامته:

[لا يوجد سوى طبيب واحد من لحم وروح، مولود وغير مولود، الله المتجسد، الحياة الحقيقية فى قلب الموت، المولود من مريم ومن الله. متألم أولاً والآن غير متألم، يسوع المسيح ربنا]٥٩ ... «لأن الله — يسوع المسيح — حملته أحشاء مريم، حسب الترتيب الإلهى]٦٠ ... [يسوع المسيح إلهنا لم يتراءى لنا بأفضل نوع إلاَّ بعد رجوعه إلى حضن أبيه]٦١ ... [أشكر يسوع المسيح إلهنا الذى ألهمكم حكمة كهذه. فقد اتضح لى أنكم متحدون بإيمان وطيد، مسمرون — كما يقال — بصليب سيدنا يسوع المسيح، جسداً ونفساً، وثابتون بالمحبة بدم المسيح. وأنتم مقيمون على ثبات الاعتقاد بأن ربنا هو بالحقيقة من نسل داود حسب الجسد، وابن الله بإرادة الله وقدرته. المولود حقاً من عذراء، والمعتمد من يدى يوحنا ليكمل كل بر. الذى ثقب جسده بالمسامير لأجلنا، على عهد بيلاطس البنطى وهيرودس رئيس الربع. وقد صارت لنا الحياة بثمرة صليبه، وبآلامه المقدسة الإلهية. وهكذا رفع رايته على كل الأجيال بقيامته، ليجمع قديسيه ومؤمنيه، من اليهود ومن الشعوب، فى جسد واحد هو كنيسته]٦٢ ...

‹ص ٢٨٧› ويقول لصديقه بوليكاربوس: [أسأل يسوع المسيح إلهنا أن يوليكم القوة والشجاعة فى كل شىء]٦٣ ... ويقول لكنيسة أفسس [ربنا وإلهنا يسوع المسيح ابن الله الحى، عمل أولاً ثم علم كما يشهد لوقا ... لا يخفى شىء عن الرب، بل إن أسرارنا العميقة مكشوفة له. فلنعمل كل شىء كمَنْ يسكن الله فيهم، حتى ما نكون هياكل له، ويكون هو داخلنا كالله]٦٤.

● ويقول عن أزليته: [المسيح المولود من الآب قبل الدهور، هو الله الكلمة الابن الوحيد. ويبقى هكذا إلى الأبد، لأن ليس لمُلكه نهاية كما يقول دانيال النبى]٦٥.

● وعن إتحاده بالآب يقول: [إذا كان ابن الإنسان يشير إلى إتحاده بجنس البشر، فابن الله يشير إلى علاقته بالله، وأنه واحد معه]٦٦ ... وأيضاً [يسوع المسيح الواحد، الذى خرج من الآب الواحد، ومازال متحداً به، ثم عاد إليه]٦٧ ويتكلم أغناطيوس كثيراً، وبأسلوب عذب عن إتحاد المسيح بالله الآب فى وحدة كاملة تامة]٦٨.

● ثم أن المسيح هو اللوغوس. المسيح ليس لوغوس a logos بل هو اللوغوس The Logos — وهو أيضاً ابن الله الوحيد ...

إن كتابات القديس أغناطيوس تظهر لنا بوضوح تام لا لبس فيه ولا إبهام، أن الرب يسوع المسيح هو الله الظاهر فى الجسد.

‹ص ٢٨٨› ولذا يقول أغناطيوس «دم الله»: [إنكم متمثلون بالله. وبعد أن أضرمتم عملكم الأخوى بدم الله، أكملتموه على أتم وجه]٦٩. ولا يتردد أغناطيوس أن يدعو المسيح، الله بصريح العبارة٧٠. ويقول الأستاذ الدكتور توماس تورانس عن عقيدة أغناطيوس فى المسيح: [أنه المسيح الله ... He is the Christ God ]٧١.

● أما عن الخلاص بدم المسيح وحده، فيقول أغناطيوس:

[لا يضلن أحد. أن سكان السماء أنفسهم، والملائكة رغم كل مجدهم، والسادات المنظورين وغير المنظورين، سوف يدانون إن لم يؤمنوا بدم المسيح. مَنْ يستطيع الفهم فليفهم]٧٢.

٦ - عقيدة الإله الواحد المثلث الأقانيم:

آمنت كنيسة الرسل بإله واحد٧٣ مثلث الأقانيم. وهذا واضح من أسفار العهد الجديد وكتابات الآباء الرسوليين ...

والتثليث بحسب المفهوم الرسولى هو حقيقة دينية، وليست فلسفية ... ولم يأت التعليم بالتثليث لفظاً فى الكتاب المقدس، وإنما أتى فيه معنى، ووردت أسماء الأقانيم فى العهد الجديد ...

ففى قصة البشارة تحددت الأقانيم الثلاثة الإلهية ... فالله الآب هو الذى أرسل جبرائيل رئيس الملائكة المبشر. وبُشرت العذراء بأنها ستحبل وتلد ابن العلى ‹ص ٢٨٩› (لو١: ٣١، ٣٢). والذى حبل فى العذراء هو من الروح القدس (مت١: ٢٠؛ لو١: ٣٥) ... وفى قصة العماد (الظهور الإلهى)، نلاحظ أقنوم الآب ينادى من السماء «هذا هو ابنى الحبيب» (مت٣: ١٧؛ لو٣: ١٢)؛ وأقنوم الابن فى الماء — وهو المعنى بهذا القول؛ واقنوم الروح القدس هو الذى ظهر بهيئة جسمية مثل حمامة (مت٣: ١٦؛ لو٣: ٢٢) ... كما نجد أيضاً ذكر للأقانيم الثلاثة فى كلام السيد المسيح عن عمل الروح القدس (يو١٤: ٢٦؛ ١٥: ٢٦) ... والسيد المسيح قبيل صعوده إلى السماء، قال لتلاميذه: «إذهبوا وتلمذوا جميع الأمم، وعمدوهم باسم الآب والابن والروح القدس» (مت٢٨: ١٩).

وفى البركة الرسولية التى ختم بها القديس بولس رسالته الثانية إلى كنيسة كورنثوس يقول: «نعمة ربنا يسوع المسيح، ومحبة الله (الآب)؛ وشركة الروح القدس مع جميعكم» (٢كو١٣: ١٤) ... وفى رسالته إلى كنيسة غلاطية، يتكلم عن مسحة الروح القدس للمؤمنين، فيقول: «ثم بما أنكم أبناء، أرسل الله روح ابنه إلى قلوبكم» (غل٤: ٦) ...

ويقول يوحنا الحبيب: «فإن الذين يشهدون فى السماء هم ثلاثة: الآب والكلمة والروح القدس. وهؤلاء الثلاثة هم واحد» (١يو٥: ٧).

وفى كتاب تعليم الرسل الإثنى عشر Didache يتكلم عن العماد ويقول: [فيما يختص بالعماد، هكذا تعمدون ... عمدوا باسم الآب والابن والروح القدس فى ماء حى]٧٤.

وفى ليتورجية القديس يعقوب أخ الرب يقول الكاهن أمام المذبح: «المجد للآب والابن والروح القدش، النور المثلث الواحد للاهوت ... لأن الثالوث هو الله الكلى القدرة، الذى تعلن السموات مجده]٧٥ ...

وذكرت الأقانيم الثلاثة فى البركة الختامية فى بعض رسائل الآباء ‹ص ٢٩٠› الرسوليين مثل أغناطيوس الشهيد٧٦ وفى قصة إستشهاد بوليكاربوس، التى كتبتها كنيسة سميرنا عقب إستشهاده مباشرة٧٧.

ويوستينوس الشهيد فى دفاعه الأول يذكر الثلاثة أقانيم وهو يدحض الإتهام بتعدد الآلهة الذى حاولوا لصقه بالمسيحية، وأيضاً فيما كان يشير إلى المعمودية والافخارستيا٧٨. أشار إلى الثالوث أيضاً ثاوفيلوس الأنطاكى٧٩. وليس ثمة تناقض فى الإيمان المسيحى بين القول بالوحدانية، والقول بالثالوث القدوس. فالله واحد فى جوهره، ولكن يوجد فى هذا الجوهر الواحد ثلاثة أقانيم ... والأقنوم هو خاصية، أو صفة ذاتية فى الله ... أى صفة أو خاصية تقوم بها الذات الإلهية؛ وبدونها تنعدم الذات الإلهية. وعلى ذلك ففى الجوهر الإلهى ثلاث خواص أو صفات ذاتية: الخاصية الأولى وهى خاصية الوجود، وهى ما نسميها بالآب٨٠. والخاصية الثانية، هى خاصية العقل والحكمة، وهى ما نسميها بالابن. والخاصية الذاتية الثالثة هى خاصة الحياة وهى ما نسميها بالروح القدس٨١.

٧ - عقيدة الخلاص بالإيمان والأعمال[^82]:

كلمة عامة:

إن لزوم الأعمال الصالحة لخلاص الإنسان الأبدى، عقيدة أساسية فى كنيسة الرسل. وهى واضحة كل الوضوح فى كتابات العهد الجديد والآباء الرسوليين ...

‹ص ٢٩١› والتعليم الذى ينادى به البروتستانت — الخلاص بالإيمان وحده دون الأعمال — تعليم غريب عن المسيحية. ومنشأوه الفهم الخاطىء لبعض آيات فى رسائل القديس بولس تهاجم الأعمال. لكن هذه الأعمال التى هاجمها بولس أو أظهر عدم نفعها، كانت إما أعمال الناموس اليهودى التى كان بعض المغالين من اليهود المتنصرين ينادون بوجوب التمسك بها ... وإما أعمال البشر عامة — وثنيين ويهود — السابقة للفداء ... وهكذا يتضح أن مهاجمة بولس لم تكن لمبدأ الأعمال الصالحة ولزومها. والدليل على ذلك الآيات الكثيرة التى سنوردها لهذا الرسول وغيره.

وقبل أن نورد هذه الأدلة نود الإشارة إلى نقطة هامة ... لا صحة مطلقاً لما يدعيه البروتستانت من أن العصر الرسولى، لم يصل دفعة واحدة للوعى الكامل لكنوز الحق المستودعة إياه، وأن السنوات الأولى من حياة الكنيسة كانت أشبه بطور الطفولة الساذجة من جهة المعرفة الدينية٨٣ ... ولا صحة مطلقاً للنظرة الخاطئة للآباء الرسل. وتقسيمهم إلى متحرر كبولس، ومتزمت كيعقوب، ووسط بين الاثنين كبطرس. وأن رسالة يعقوب تمثل المسيحية فى مستوى منخفض وفى بدائيتها، بينما رسائل بولس تمثلها فى إكتمالها٨٤ ... لقد علم كل من هؤلاء الرسل الحق كاملاً، وقاوموا كل تعليم غريب، وحذروا منه ...

إن الكتاب المقدس هو إعلان الله للبشر. وهو إعلان كامل، موحى به بالروح القدس (٢بط١: ٢٠، ٢١). الروح القدس هو كاتب الكتاب المقدس كله من أوله إلى آخره. ولا يوجد فيه سفر أفضل من سفر أو كلام أقدس وأسمى من كلام. على نحو ما تطاول مارتن لوثر — زعيم البروتستانت — ودعا رسالة يعقوب [رسالة من القش]٨٥، لأنها تشدد على وجوب التمسك بالأعمال الصالحة مع الإيمان كشرط للخلاص، الأمر الذى أراد أن يتحلل منه، لأنه يتنافى مع حركته ‹ص ٢٩٢› ودعوته ... إن أسفار الكتاب المقدس كلها مجتمعة، تقدم لنا الحق الإلهى الذى نحتاجه لخلاصنا، كاملاً متكاملاً، خالياً من خطأ أو زلل أو نقص.

إن الإيمان بشخص الرب يسوع المسيح، وبعمله الفدائى الكفارى الخلاصى، هو حجر الزاوية فى التعليم المسيحى. وتجاهله أو إسقاطه أو الإقلال من أهميته القصوى، هو هدم للمسيحية فى صميم جوهرها ... كذلك فإن إسقاط مبدأ وجوب الأعمال الصالحة فيه هدم للمسيحية كلها، بما تمتاز به من روحانية وفضيلة ... ولا أعتقد أننا نعدو الحقيقة إن قلنا أن ما نادت به البروتستانتية منذ أوائل القرن السادس عشر، بعدم إلتزام المسيحيين بالأعمال الصالحة كشرط لخلاصهم إلى جانب الإيمان هو من الأسباب التى لا يمكن تجاهلها، التى أوصلت العالم الغربى — وفيه كثرة من البروتستانت — إلى ما وصل إليه من إنحلال خلقى وفساد أدبى.

والاعتقاد بلزوم الأعمال الصالحة لخلاص الإنسان إلى جانب الإيمان، إعتقاد واضح كل الوضوح من كلمات رب المجد نفسه، ومن كتابات كل الآباء الرسل وتلاميذهم.

أولاً - تعليم السيد المسيح:

قال رب المجد يسوع «فإنه تأتى ساعة يسمع جميع الذين فى القبور صوته، فيخرج الذين فعلوا الصالحات إلى قيامة الحياة، والذين عملوا السيئات إلى قيامة الدينونة» (يو٥: ٢٨، ٢٩) ... «كل كلمة بطالة يتكلم بها الناس سوف يعطون عنها حساباً يوم الدين. لأنك بكلامك تتبرر وبكلامك تدان» (مت١٢: ٣٦، ٣٧) ... «إن ابن الإنسان سوف يأتى فى مجد أبيه مع ملائكته، وحينئذ يجازى كل واحد حسب عمله» (مت١٦: ٢٧) ...

«كل شجرة لا تصنع ثمراً جيداً تقطع وتلقى فى النار٨٦. فإذاً من ثمارهم ‹ص ٢٩٣› تعرفونهم» (مت٧: ١٩، ٢٠) ...

«ومَنْ سقى أحد هؤلاء الصغار كأس ماء بارد فقط باسم تلميذ، فالحق أقول لكم إنه لا يضيع أجره» (مت١٠: ٤٢؛ مر٩: ٤١) ...

ودينونة اليوم الأخير، ومصير الإنسان الأبدى ستقرره أعماله «ومتى جاء ابن الإنسان فى مجده ... يقول الملك للذين عن يمينه تعالوا إلىَّ يا مباركى أبى رثوا الملكوت المعد لكم منذ تأسيس العالم. لأنى جعت فأطعمتمونى. عطشت فسقيتمونى. كنت غريباً فآويتمونى. عرياناً فكسوتمونى. مريضاً فزرتمونى. محبوساً فأتيتم إلىَّ ... ثم يقول أيضاً للذين عن اليسار إذهبوا يا ملاعين إلى النار الأبدية المعدة لإبليس وملائكته. لأنى جعت فلم تطعمونى عطشت فلم تسقونى. كنت غريباً فلم تأوونى. عرياناً فلم تكسونى. مريضاً ومحبوساً فلم تزورونى ..» (مت٢٥: ٣١-٤٦).

ثانياً - تعليم الآباء الرسل:

١ - القديس بولس:

● أمام الملك أغريباس شرح بولس قصة إهتدائه للمسيحية، ولخص أسلوبه الكرازى بقوله: «أخبرت أولاً الذين فى دمشق وفى أورشليم حتى جميع كورة اليهودية ثم الأمم، أن يتوبوا ويرجعوا إلى الله، عاملين أعمالاً تليق بالتوبة» (أع٢٦: ٢٠) ونلاحظ أن هذا التعليم الواحد — الخاص بالأعمال الصالحة ووجوبها — كان لليهود والأمم ... ولم يكن هناك تعليم خاص باليهود وآخر يناسب الأمم.

● وقال للرومان: «الذى (الله) سيجازى كل واحد حسب أعماله. أما الذين بصبر٨٧ فى العمل الصالح، يطلبون المجد والكرامة والبقاء فبالحياة ‹ص ٢٩٤› الأبدية» (رو٢: ٦، ٧).

● ويقول لتلميذه الأسقف تيطس: «أريد أن تقرر٨٨ هذه الأمور، لكى يهتم الذين آمنوا بالله أن يمارسوا أعمالاً حسنة. فإن هذه الأمور هى الحسنة والنافعة للناس» (تى٣: ٨) ... ونلاحظ أنه قبل هذه الآية مباشرة التى يحض فيها على التمسك بالأعمال الحسنة، يقول «لا بأعمال فى بر عملناها نحن، بل بمقتضى رحمته خلّصنا ... حتى إذا تبررنا بنعمته ..» (تى٣: ٥، ٧) ... وواضح من ذلك أن الرسول يشير فى (تى٣: ٥) إلى الأعمال السابقة لفداء المسيح العظيم، بينما فى (تى٣: ٨) يشير إلى الأعمال التى يجب أن يعملها المؤمنون ...

● وفى رسالته إلى كنيسة أفسس يقول: «لأنكم بالنعمة مخلّصون بالإيمان، وذلك ليس منكم هو عطية الله ليس من أعمال كيلا يفتخر أحد. لأننا نحن عمله مخلوقين فى المسيح يسوع لأعمال صالحة قد سبق الله فأعدها لكى نسلك٨٩ فيها» (أف٢: ٨-١٠) مرة ثانية — وفى عبارتين متجاورتين متصلتين — يفصل الرسول بين الأعمال السابقة للصليب، والأعمال فى ظل الإيمان ... موضحاً عدم جدوى الأولى وقيمتها، وأهمية الثانية والحاجة إليها.

● ويقول أيضاً لتيطس: «وليتعلم مَنْ لنا أيضاً أن يمارسوا أعمالاً حسنة ... حتى لا يكونوا بلا ثمر» (تى٣: ١٤).

● ويتكلم الرسول فى اصحاح بأكمله عن المحبة الأخوية (١كو١٣) ... ويتعرض للإيمان فيقول: «إن كان لى كل الإيمان حتى أنقل الجبال، ولكن ليس لى محبة، فلست شيئاً» ... ومعنى هذا الكلام أن المحبة تفوق الإيمان ولا قيمة له بدون المحبة. وقد أوضح فى نفس الاصحاح أن المحبة أعظم من الإيمان والرجاء.

‹ص ٢٩٥› والمحبة التى يتحدث عنها الرسول هنا هى المحبة الاخوية العملية وليست اللفظية ... تلك التى قال عنها الرسول يوحنا أنها تظهر بالعمل «يا أولادى، لا نحب بالكلام، ولا باللسان، بل بالعمل والحق» (١يو٣: ١٨).

● ويقول بولس — رسول الإيمان كما يسمونه — أيضاً عن هذه المحبة العاملة: «لا تكونوا مديونين لأحد بشىء إلاَّ بأن يحب بعضكم بعضاً. لأن مَنْ أحب غيره فقد أكمل الناموس. لأن لا تزن لا تسرق لا تشهد بالزور لا تشته، وإن كانت وصية أخرى، هى مجموعة فى هذه الكلمة، أن تحب قريبك كنفسك. المحبة لا تصنع شراً للقريب. فالمحبة هى تكميل الناموس» (رو١٣: ٨-١٠) ... وماذا نسمى «لا تزن لا تقتل لا تسرق ...» أليست هذه هى الأعمال الصالحة ؟!

● وفى (غل٥: ٦) يوضح أن المسيحى يلزمه «الإيمان العامل بالمحبة» ... وهنا — وفى عبارة واضحة من ثلاثة كلمات، يقرن الرسول الإيمان بالأعمال.

● وماذا يقول معلمنا بولس — رسول الإيمان أيضاً ؟ يقول لأهل غلاطية: «فإن الذى يزرعه الإنسان إياه يحصد أيضاً. لأن مَنْ يزرع للجسد فمن الجسد يحصد فساداً، ومَنْ يزرع للروح فمن الروح يحصد حياة أبدية. فلا نفشل فى عمل الخير، لأننا سنحصد فى وقته إن كنا لا نكل» (غل٦: ٧-٩) ... وما أجمل هذا التشبيه الذى إستخدمه الرسول لإظهار أهمية أعمال الإنسان الصالحة ... إنها كالزرع فى حياة الإنسان الجسدية، والحصاد فى حياته الأبدية ... والجزاء من نوع العمل.

● «متذكرين بلا إنقطاع عمل إيمانكم، وتعب محبتكم وصبر رجائكم ...» (١تس١: ٣) ... هنا يقرن الرسول العمل بالإيمان.

● ويقول لتلميذه تيطس «يعترفون بأنهم يعرفون الله، ولكنهم بالأعمال ينكرونه. إذ هم رجسون غير طائعين. ومن جهة كل عمل صالح مرفوضون» (تى١: ١٦).

‹ص ٢٩٦› ● وأخيراً، يقول الرسول لأهل فيلبى «تمموا خلاصكم بخوف ورعدة» (فى٢: ١٢) ... ومعنى هذا أن الخلاص الذى أتمه السيد المسيح على الصليب، لكى نظفر به، يحتاج أن نتممه من جانبنا بخوف ورعدة.

٢ - يعقوب وبطرس ويوحنا:

ماذا قال هؤلاء الرسل المعتبرون أعمدة فى الكنيسة الأولى، بشهادة بولس نفسه (غل٢: ٩)؟

يؤكد القديس يعقوب أهمية جانب الأعمال ... والأمر واضح كل الوضوح فى رسالته:

«ما المنفعة يا إخوتى إن قال أحد أن له إيماناً ولكن ليس له أعمال. هل يقدر الإيمان أن يخلصه ... هكذا الإيمان أيضاً، إن لم يكن له أعمال ميت فى ذاته. لكن يقول قائل أنت لك إيمان وأنا لى أعمال. أرنى إيمانك بدون أعمالك، وأنا أريك بأعمالى إيمانى. أنت تؤمن أن الله واحد. حسناً تفعل، والشياطين يؤمنون ويقشعرون. ولكن هل تريد أن تعلم أيها الإنسان الباطل أن الإيمان بدون أعمال ميت. ألم يتبرر إبراهيم أبونا بالأعمال إذ قدم إسحق ابنه على المذبح. فترى أن الإيمان عمل مع أعماله، وبالأعمال أكمل الإيمان. وثم الكتاب القائل فآمن إبراهيم بالله فحسب له براً. ودعى خليل الله. ترون إذن أنه بالأعمال يتبرر الإنسان لا بالإيمان وحده ... لأنه كما أن الجسد بدون روح ميت، هكذا الإيمان أيضاً بدون أعمال ميت» (يع٢: ١٤-٢٦).

وفى موضع آخر من رسالته، يعتبر القديس يعقوب أن الأعمال هى الديانة الطاهرة «الديانة الطاهرة النقية عند الله الآب هى هذه: افتقاد اليتامى والأرامل فى ضيقتهم، وحفظ الإنسان نفسه بلا دنس من العالم» (يع١: ٢٧).

ويقول أيضاً «مَنْ يعرف أن يعمل حسناً ولا يعمل فذلك خطية له» (يع٤: ١٦).

‹ص ٢٩٧› ● والقديس بطرس — فى رسالتيه — يحض على الفضيلة ويهاجم الشر والرذيلة بصفة عامة ... يقول «الذى (الله) يحكم بغير محاباة حسب عمل كل واحد فسيروا زمان غربتكم بخوف» (١بط١: ١٧) ... «لذلك بالأكثر إجتهدوا أيها الإخوة أن تجعلوا دعوتكم واختياركم ثابتين (بالأعمال الصالحة)٩٠. لأنكم إذا فعلتم ذلك لن تزلوا أبداً» (٢بط١: ١٠)٩١ ... ويقول «إن كان البار بالجهد يخلص فالخاطىء والفاجر أين يظهران» (١بط٤: ١٨).

● والقديس يوحنا الرسول حبيب الرب، فى رسائله الثلاث يتكلم عن المحبة القلبية العملية «يا أولادى لا نحب بالكلام ولا باللسان بل بالعمل والحق» (١يو٣: ١٨).

ويقول «إن علمتم أنه بار هو، فاعلموا أن كل مَنْ يصنع البر٩٢ مولود منه» (١يو٢: ٢٩) ويتكلم فى رؤياه عن الأمور العتيدة أن تكون فيقول:

«ودين الأموات مما هو مكتوب فى الأسفار بحسب أعمالهم» (رؤ٢٠: ١٢، ١٣).

«ها أنا آتى سريعاً وأجرتى معى لأجازى كل واحد كما يكون عمله» (رؤ٢٢: ١٢).

ثالثاً - تعليم الآباء الرسوليين:

سنرى ونحن نستعرض ما جاء بتعاليم الرسل Didachê، وأقوال الآباء الرسوليين تلاميذ الرسل، أن عقيدة لزوم الأعمال الصالحة لخلاص الإنسان الأبدى، واضحة كل الوضوح ... لكن العلماء البروتستانت، ومَنْ إليهم عوض عن أن يقتنعوا ويقروا بصحة هذه العقيدة، يقولون عن هذه الكتابات وهؤلاء الآباء، ‹ص ٢٩٨› أنها وإنهم متأثرون بتأثيرات يهودية ناموسية٩٣!!

١ - تعاليم الرسل الإثنى عشر Didachê: مليئة بالتحذيرات من الخطايا التى يسميها طريق الموت، وبالحث على الأعمال الصالحة التى يسميها طريق الحياة ... تقول: [على المؤمن أن يجاهد ضد الخطايا وأن يتحرر منها ...]٩٤.

وتقول أيضاً: [إسهروا لحياتكم. لا تدعوا مصابيحكم تنطفىء، ولا أحقاءكم غير ممنطقة. بل كونوا مستعدين لأنكم لا تعلمون متى يأتى ربنا، إجتمعوا دائماً وفتشوا عن الأمور النافعة لأرواحكم، فزمان إيمانكم كله لا ينفعكم إلاَّ إن وجد كاملاً فى الوقت الأخير]٩٥.

٢ - أكليمنضس الرومانى: رسالته الأولى إلى كنيسة كورنثوس، مليئة بتأكيد وجوب التمسك بالأعمال الصالحة. ونجد رسالته كلها فى الفصل ٦٢ منها، يقول:

[لقد كتبنا إليكم أيها الإخوة بما يكفى. وتعرضنا للأمور التى تمس عبادتنا، وكلها نافعة لحياة الفضيلة. لأولئك الذين يريدون أن يقودوا خطواتهم فى التقوى والبر. لقد أشرنا إلى كل نواحى الإيمان والتوبة والمحبة الحقيقية وضبط النفس والعفة والصبر وذكرناكم أنكم ملزمون بإرضاء الله الكلى القدرة بالقداسة فى البر والحق والاحتمال. وأن تعيشوا فى وفاق، بلا شر فى المحبة والسلام بلطف قلبى]٩٦.

‹ص ٢٩٩› ويقولها اكليمنضس بصراحة ووضوح: [نحن نتبرر بالأعمال، وليس بالكلام]٩٧.

ويقول أيضاً: [فلنلاحظ أن جميع الأبرار تحلوا بالأعمال الصالحة وابتهجوا بها. وإذ لنا هذا المثال، لنتبع إرادة الله بلا توان. ولنعمل أعمال البر بكل قوتنا]٩٨.

ويقول عن دم المسيح أنه [أتى بنعمة التوبة لكل العالم]٩٩. والمعنى المقصود هنا [المقدرة على التوبة].

والأستاذ الدكتور تورانس Torrance بعد أن درس مفهوم النعمة فى رسالة أكليمنضس إلى كورنثوس يقول: [إن المعنى العام لكلمة نعمة Xàpic فى هذه الرسالة يفهم على أنها القوة المعينة التى تُمنح للمستحقين (المجاهدين) وهذا هو الاستعمال الشائع للكلمة فى كتابات تلك الفترة الميكرة]١٠٠.

٣ - أغناطيوس الثاوفوروس الأنطاكى الشهيد:

والتبرير عند أغناطيوس هو بالإيمان والمحبة أى بالإيمان والأعمال١٠١ ... يقول: [لا يخطىء مَنْ يعترف بالإيمان، ولا يبغض مَنْ إقتنى المحبة. فالشجرة تُعرف من ثمارها. هكذا مَنْ يعترفون أنهم للمسيح يظهرون بأعمالهم فالعمل ليس بالاعتراف المذكور. لكنه يظهر بقوة الإيمان. إن واصل الإنسان حتى النهاية]١٠٢.

وأغناطيوس يخشى أن يفقد خلاصه ... يقول فى رسالته إلى الترالليين [مازلت فى ‹ص ٣٠٠› خطر لكن الآب أمين فى يسوع المسيح، ويحقق صلواتكم وصلواتى]١٠٣ .. وفى رسالته إلى أهل أفسس يقول: [وعلى الرغم من أنى أسير لأجل الاسم (مسيحى) فلست بعد كاملاً فى يسوع المسيح. فأبدأ الآن أن أكون تلميذاً وأكلمكم كشركائى فى التعلم. فإنى أحتاج أن أستعد فى الإيمان]١٠٤ .. ويقول أيضاً للأفسسيين: [إنها الأزمنة الأخيرة، فلنكن إذن متواضعين، ونخشى إحتمال الله الطويل لئلا يديننا. لذا فلنخشى الغضب الآتى أو نحب النعمة الكائنة. فلنكن على أى حال فى المسيح يسوع فى حياة سليمة]١٠٥ ... ومعنى ذلك أن نعمة الله هى التى حالت دون غضبه فى هذا الدهر، وقدمت فرصة للتوبة، حتى ما نستفيد بحنوه.

ويقول لكنيسة سميرنا: [لاحظوا أولئك الذين لهم آراء غريبة فيما يختص بنعمة يسوع المسيح التى وافتنا. وانظروا كيف أن هذه الآراء مضادة لشريعة الله. إنهم لا يأبهون للمحبة ولا للأرملة ولا لليتم ولا للحزين ولا للمنكوب ولا للمسجون ولا للمفرج عنه، ولا للجائع أو العطشان]١٠٦.

٤ - بوليكاربوس الشهيد أسقف سميرنا:

فى عقيدة بوليكاربوس أن الجهاد فى أعمال البر، جزء لا غنى عنه لخلاص المسيحى١٠٧. يقول فى رسالته إلى أهل فيلبى: [ساهرين فى الصلوات، مثابرين على الأصوام، مقدمين إبتهالات إلى الله الذى يرى كل شىء، حتى لا يدخلنا فى تجربة]١٠٨ ... ويقول أيضاً: [إن صنعنا مشيئته وسلكنا فى وصاياه، وأحببنا ما يحبه، وابتعدنا عن كل إثم وحسد ومحبة مال وكلام شرير وشهادة زور...]١٠٩ ... [فلنجاهد إذن بلا إنقطاع فى رجائنا والاشتياق إلى برنا، الذى ‹ص ٣٠١› هو يسوع المسيح]١١٠.

٨ - عقيدة قيامة الأجساد والدينونة العامة:

وهى من العقائد الأساسية التى علمت بها الكنيسة الأولى، إمتداداً لما علّم به العهد القديم. وقد أوضح الآباء الرسل مدى أهمية هذا المعتقد ... فالقيامة الأخيرة للبشر، ترتبط بقيامة المسيح من بين الأموات. حتى إنه إن كان الموتى لا يقومون فلا يكون المسيح قد قام. وإن لم يكن المسيح قد قام فباطل إيماننا ... إذن فالموضوع حيوى وجوهرى، ويرتبط بإيماننا كله، وبحياتنا هنا فى الجسد، وبأبديتنا ...

وفى أصحاح بأكمله — هو الخامس عشر من الرسالة الأولى إلى كنيسة كورنثوس — يوضح القديس بولس عقيدة القيامة، مدللاً عليها بأدلة قوية، محذراً من الهراطقة الذين ينكرون القيامة، مجيباً على التساؤلات التى ثارت بشأنها١١١.

«لكن إن كان المسيح يُكرز به أنه قام من الأموات، فكيف يقول قوم بينكم أن ليس قيامة أموات. فإن لم تكن قيامة أموات، فلا يكون المسيح قد قام. وإن لم يكن المسيح قد قام فباطلة كرازتنا، وباطل أيضاً إيمانكم ... لأنه إن كان الموتى لا يقومون فلا يكون المسيح قد قام. وإن لم يكن المسيح قد قام فباطل إيمانكم. أنتم بعد فى خطاياكم ... إن كان لنا فى هذه الحياة فقط رجاء فى المسيح، فإننا أشقى جميع الناس. ولكن الآن قد قام المسيح من الأموات، وصار باكورة الراقدين» (١كو١٥: ١٢-٢٠).

ويوضح معلمنا بولس فى هذا الفصل أن قيامة الأموات هى الدافع لكل القديسين الذين يقابلون الأهوال من أجل الرب «إن كان الأموات لا يقومون ... ‹ص ٣٠٢› لماذا نخاطر نحن كل ساعة. إنى ... أموت كل يوم» (١كو١٥: ٢٩-٣١). وهى الدافع على الجهاد وحياة الفضيلة ... «إن كان الأموات لا يقومون فلنأكل ونشرب لأننا غداً نموت» (١كو١٥: ٣٢) ... وفى الرسالة إلى فيلبى يعبر بولس أن قيامة الأموات هى أمله، فيقول: «لعلى أبلغ إلى قيامة الأموات» (فى٣: ١١).

وفى رسالته الثانية إلى كورنثوس عاد بولس يؤكد حقيقة القيامة ... «عالمين أن الذى أقام يسوع، سيقيمنا نحن أيضاً بيسوع، ويحضرنا معه» (٢كو٤: ١٤) ... «لأنه لابد أننا جميعاً نظهر أمام كرسى المسيح، لينال كل واحد ما كان بالجسد، بحسب ما صنع خيراً كان أم شراً» (٢كو٥: ١٠) ... ويقول لتيموثاوس: «صادقة هى الكلمة أنه إن كنا قد متنا معه فسنحيا أيضاً معه. إن كنا نصبر فسنملك أيضاً معه» (٢تى٢: ١١، ١٢)١١٢.

وقد أعلن بولس حقيقة الدينونة العامة وقيامة الأجساد فى الآريوس باغوس أمام الفلاسفة الأبيقوريين والرواقيين، وأمام مجلس اليهود الأعلى (السنهدرين)، وشهد بذلك أمام الوالى فيلكس والملك أغريباس١١٣.

● وقد وضع الآباء الرسل قانون إيمان يحفظه طالب العماد ويتلوه إعلاناً لإيمانه وقت عماده. وهو فى نفس الوقت بمثابة تعهد بحفظ هذا الإيمان ... والدينونة العامة وقيامة الأجساد تؤلفان نقطتين جوهريتين فى هذا القانون.

وبعض نقاط هذا القانون أشار إليه معلمنا بولس فى (عب٦: ١، ٢) حينما قال: «لذلك ونحن تاركون كلام بداءة المسيح، لنقدم إلى الكمال. غير واضعين أساس التوبة من الأعمال الميتة، والإيمان بالله، تعليم المعموديات، ووضع ‹ص ٣٠٣› الأيادى. قيامة الأموات والدينونة الأبدية»١١٤.

وجاء فى قوانين الرسل عن القيامة والدينونة العامة ... [الله الكلى القدرة نفسه سيقيمنا بربنا يسوع المسيح حسب وعده الصادق — يقيمنا مع جميع الذين رقدوا منذ بدء العالم. وسنكون كما نحن الآن فى صورتنا الحالية، دون عطب أو فساد. وسنقوم بغير فساد، سواء متنا فى البحر، أو بعثرت أشلاؤنا فى الأرض، أو قطعت الحيوانات أو الطيور المفترسة أوصالنا. سيقيمنا الله بقوته، فيده تضبط العالم كله]١١٥ ...

الآباء الرسوليون:

وعقيدة قيامة الراقدين واضحة فى كتابات الآباء الرسوليين:

فالقديس أكليمنضس الرومانى يقول: [ليتنا نضع فى إعتبارنا يا أحبائى كيف أن الرب يثبت لنا دائماً أنه ستكون قيامة فى المستقبل، تلك التى كان الرب يسوع المسيح باكورتها]١١٦ ...

والقديس بوليكاربوس فى رسالته إلى كنيسة فيلبى يقول: [مَنْ لا يعترف بشهادة الصليب هو من إبليس. وكل مَنْ يعوّج أقوال الرب من أجل شهواته، ويقول إنه ليس قيامة ولا دينونة، فهو بكر الشيطان]١١٧.

وقد كتب الفيلسوف يوستينوس الشهيد كتاباً عن قيامة الموتى، ضاع معظمه، ولم يتبق منه سوى شذرات تحوى عشر فصول قصيرة١١٨.

‹ص ٣٠٤›

٩ - التقليد فى كنيسة الرسل

يتحتم علينا ونحن نعالج موضوع العقائد المسيحية فى كنيسة الرسل، أن نشير إلى التقليد ... ولا نقصد التقليد بمفهومه اللغوى (المحاكاة والتمثيل) لكن قصدنا المصطلح الكنسى، ويعنى بصفة عامة التعليم والنظم الدينية المسلّمة إلينا شفهياً من السلف١١٩.

فإيماننا المسيحى إنتقل شفوياً، وكذا كثيراً من التعاليم وأنظمة العبادة: ليس من الضرورى أن كل تعليم أو ممارسة عبادية نجد لها آية أو آيات تنص عليها فى الإنجيل ... فالإنجيل لا يحوى كل التعاليم وأنظمة العبادة، لكنه — على حد تعبير القديس يوحنا الرسول — للإيمان أن يسوع هو المسيح ابن الله، ولنوال الحياة باسمه بالإيمان (يو٢٠: ٣١).

من أجل هذا، تعتبر الكنيسة التقليد المصدر الثانى للتعليم المسيحى بعد الكتاب المقدس. ثابت تاريخياً أن التعليم المسيحى فى الفترة المبكرة من تاريخ الكنيسة، إنتقل شفوياً قبل أن يكتب أى إنجيل أو رسالة١٢٠.

● فالسيد المسيح سار فى تعليمه على الطريقة السائدة فى زمانه، وهى طريقة التعليم الشفوى، التى كان يتبعها معلمو اليهود ومدارسهم ... لقد تلمذ السيد المسيح تلاميذاً، استودعهم الحق ولم يسلمهم كتاباً مكتوباً ... وكانت آخر وصاياه لهم: «إذهبوا وتلمذوا جميع الأمم ... وعلموهم أن يحفظوا جميع ما أوصيتكم ‹ص ٣٠٥› به» (مت٢٨: ١٩، ٢٠) ...

وهذه الوصية تعنى أن ينقل تلاميذه الحق الذى قبلوه منه إلى غيرهم بنفس الأسلوب، أسلوب التلمذة ... هكذا نفهم كلمات الرسول يوحنا الذى رأيناه وسمعناه نخبركم به، لكى يكون لكم أيضاً شركة معنا ... وهذا هو الخبر الذى سمعناه منه ونخبركم به ...» (١يو١: ٣، ٥).

● والرسل أسسوا الكنائس ونشروا الإنجيل شفاهاً بدون كتب مكتوبة ... وما لبثوا أن أقاموا نواباً عنهم، ليقيم هؤلاء مَنْ يخلفهم، وهكذا على التوالى ... وهؤلاء جميعاً كانوا يسلمون الإيمان شفهياً ... «وما سمعته منى بشهود كثيرين، أودعه أناساً أمناء، يكونون أكفاء أن يعلموا آخرين أيضاً» (٢تى٢: ٢).

والكلمات الثلاث الواردة فى هذه الآية «سمعته، أودعه، يعلموا»، تعبر عن التعليم الشفوى .. لم يهتم الرسل بأن يكتبوا تعليمهم، بل أن كثيرين منهم لم يكتبوا شيئاً، بينما خلص كثيرون بسبب كرازتهم ... والذين كتبوا، إنما فعلوا ذلك لا ليؤسسوا كنائس بكتابتهم، وإنما كتبوا للكنائس التى كانوا قد أسسوها ليثبتوها فى الإيمان، أو ليدحضوا هرطقات ظهرت فيها ويحذروا منها، أو ليجيبوا على أسئلة وجهت إليهم من مؤمنيها، أو كملاحظات لهم على سلوك هؤلاء١٢١.

يؤكد هذه الحقيقة يوسابيوس المؤرخ الكنسى ... يقول: [إن أولئك الرجال العظماء اللاهوتيين حقاً ... أقصد رسل المسيح ... أذاعوا معرفة ملكوت السموات فى كل العالم، غير مفكرين كثيراً فى تأليف الكتب]١٢٢ ... ونحن لا نقرأ عن يهود أو أمم إنضموا إلى الإيمان — فى تلك الفترة المبكرة — بعد أن قرأوا كتباً مقدسة، بل قبلوا الإيمان بالتبشير والتعليم، كما نقرأ عن قصة إيمان وزير كنداكة الحبشى، وكرنيليوس قائد المائة هو وكل بيت، الذى أرسل إلى بطرس ليسمع منه (أع٨؛ ١٠) ... ونود الإشارة هنا إلى أن كلمة (إنجيل) فى كتاب العهد ‹ص ٣٠٦› الجديد، لا يقصد بها الكتاب المكتوب نفسه، بل المقصود فحوى التبشير، وبشرى الخلاص المفرحة، كما يدل على ذلك الأصل اللغوى اليونانى للكلمة١٢٣ ...

أما أدلة التقليد الكنسى من كتابات الآباء الرسل، فهى كثيرة، نورد أمثلة منها:

● لقد ختم يوحنا الرسول إنجيله بقوله: «وآيات أخرى كثيرة صنع يسوع قدام تلاميذه لم تكتب فى هذا الكتاب، وأما هذه فقد كُتبت لتؤمنوا أن يسوع هو المسيح ابن الله. ولكى تكون لكم إذا آمنتم حياة باسمه» (يو٢٠: ٣٠، ٣١) ... وواضح من هذه العبارة، أن الأناجيل لا تحوى كل تعاليم الرب يسوع ... وفى رسالتيه الثانية والثالثة يقول: «إذ كان لى كثير لأكتب إليكم، لم أرد أن يكون بورق وحبر، لأنى أرجو أن آتى إليكم وأتكلم فماً لفم، لكى يكون فرحنا كاملاً» (٢يو٢١؛ ٣يو١٣، ١٤).

● والقديس لوقا الإنجيلى روى أن الرب يسوع بعد قيامته، استمر يظهر لتلاميذه مدة أربعين يوماً يكلمهم عن الأمور المختصة بملكوت الله (أع١: ٣) ... لكن أحداً من البشيرين لم يدون لنا هذه الأحاديث، أو أشار إليها. وكانت هذه الأحاديث دون أدنى شك على جانب كبير من الأهمية، خاصة بعد موت المسيح وقيامته ...

● والقرار الذى أصدره مجمع أورشليم فى معالجة مشكلة التهود فى الكنيسة، كان مقتضباً جداً ... أما السر فى ذلك، فلأن اعتمادهم الأكبر كان على التبليغ والشرح الشفوى، الذى كلفوا به برنابا وبولس ويهوذا وسيلا ... «رأينا وقد صرنا بنفس واحدة أن نختار رجلين ونرسلهما إليكم مع حبيبينا برنابا وبولس ... يهوذا وسيلا، وهما يخبرانكم بنفس الأمور شفاهاً» (أع١٥: ٢٥-٢٧).

‹ص ٣٠٧› ● وفى رسائل القديس بولس نجد الأمر واضحاً.

يقول لكنيسة كورنثوس عن الافخارستيا «لأننى تسلمت من الرب ما سلّمتكم أيضاً، أن الرب يسوع فى الليلة التى أسلم فيها أخذ خبزاً وشكر ... إلخ.» (١كو١١: ٢٣) ... وواضح أنه سلمهم التعليم المختص بالافخارستيا شفهياً، لأن هذه هى رسالته الأولى إليهم، وهو يكلمهم بصيغة الماضى «سلمتكم» ...

وقال للكورنثيين عن بعض الملاحظات الأخرى «أما الأمور الباقية، فعندما أجىء أرتبها» (١كو١١: ٣٤).

وأقام تيطس أسقفاً على كريت، وتركه فيها ليكمل ترتيب الأمور الناقصة ويقيم قسوساً فى كل مدينة حسبما أوصاه (تى١: ٥).

ويوصى أهل فيلبى قائلاً: «وما تعلمتموه وتسلمتموه وسمعتموه ورأيتموه فىَّ فهذا إفعلوا» (فى٤: ٩) ... ويوصى تلميذه الأسقف تيموثاوس أن يتمسك بصورة التعليم الصحيح الذى سمعه منه (٢تى١: ١٣) ...

ويوصى أهل تسالونيكى بقوله: «اثبتوا إذاً أيها الإخوة، وتمسكوا بالتقاليد١٢٤ التى تعلمتموها سواء بالكلام أم برسالتنا» (٢تس٢: ١٥).

ونلاحظ هنا أنه يضع التعليم الشفوى على قدم المساواة فى الأهيمة مع التعليم المكتوب (= سواء بالكلام أم برسالتنا) ... ويوصيهم أن يتجنبوا كل أخ لا يسلك بحسب التقليد١٢٤ الذى أخذه منه (٢تس٣: ٦) ... وقد مدح أهل كورنثوس لأنهم يحفظون التقاليد١٢٤ كما سلمها إليهم (١كو١١: ٢).

● وثمة ملاحظة هامة ... فقد قال بولس الرسول لقسوس أفسس «متذكرين ‹ص ٣٠٨› كلمات الرب يسوع أنه قال مغبوط هو العطاء أكثر من الأخذ» (أع٢٠: ٣٥) ... هذه الكلمات المنسوبة للسيد المسيح لم ترد فى البشائر الأربع، أو أى سفر من أسفار العهد الجديد ... إذن من أين أتى بها بولس؟ ثم أن كلمة «متذكرين» الواردة فى العبارة السابقة، تدل على أن هذا القول كان شائعاً ومعروفاً، وهو يذكرهم به ... هذا وقد لاحظ العلماء أن كلمات السيد المسيح المستشهد بها فى كتاب تعاليم الرسل Didachê، ورسالة برنابا، وإن كانت قريبة جداً مما ورد فى أسفار العهد الجديد المعروفة، لكن هناك بعض إختلافات ظاهرة ... كل هذا حمل العلماء، ويحملنا على الاعتقاد بوجود تقليد شفوى غير الأناجيل الحالية، كان منتشراً ومعروفاً لدى الناس فى العصر الرسولى، وكان يلقن لطالبى العماد١٢٥.

الآباء الرسوليون:

● يقول يوسابيوس المؤرخ عن أغناطيوس الثاؤفوروس الشهيد: [وفى أثناء رحلته وسط آسيا — وكان تحت حراسة مسلحة شديدة — كان يشدد الكنائس فى المدن المختلفة أينما يحط رحاله، وذلك بعظات ونصائح شفوية. وكان فوق كل شىء يحثهم ليحترسوا أشد الاحتراس من الهرطقات، التى كانت قد بدأت تنتشر وقتئذ، وينصحهم بالتمسك بتقاليد الرسل]١٢٦.

● وبابياس — أحد الذين تتلمذوا على يوحنا الحبيب — فى مقدمة كتابه «تفسير أقوال الرب» يقول: [ولكننى لا أتردد أيضاً عن أن أضع أمامكم مع تفسيرى كل ما تعلمته بتدقيق من الشيوخ، وحفظتها بحرص فى ذاكرتى، مؤكداً لكم فى الوقت نفسه صحته. لأنى — لست كالكثيرين — أجد لذة فيمن يتكلمون كثيراً، بل بمَنْ يعلمون الحق ... وكلما كان يأتى أحد ممَنْ كانوا يتبعون الشيوخ، كنت أسأله بتدقيق عن أقوالهم: عما قاله فيلبس أو توما أو يعقوب أو يوحنا أو ‹ص ٣٠٩› متى أو أى واحد من تلاميذ الرب. ماذا قال أرستيون ويوحنا الشيخ، تلميذاً الرب. فإنى أعتقد أن ما يحصل عليه الإنسان من الكتب لا يفيدنى بمقدار ما يصلنى من الصوت الحى الدائم]١٢٧.

What was to be got from books, was not so profitable to me as what came from the living and abiding voice١٢٧.

لننظر بعمق، كيف يدعو بابياس التقليد [الصوت الحى الدائم]!! وكيف أنه يستفيد منه أكثر مما يستفيد من الكتب .. لم تكن هذه نظرة بابياس وحده، لكنها كانت نظرة الكنيسة كلها للتقليد أو التعليم الشفوى، أو التسليمات الشفوية عموماً ...

ويعلق De Pressensé على عبارة بابياس السابقة بقوله:

[لفترة طويلة فضلت الكنيسة الكلمة الحية عن الكلمة المكتوبة ... كان من الطبيعى جداً فى العصر الأول حينما كان الجيل الأول من المسيحيين مايزال على قيد الحياة، أن تفضل كلماتهم على كتاباتهم. والرسل أنفسهم إهتموا بكرازتهم الشفوية، أكثر من إهتمامهم برسائلهم المكتوبة. وكانوا يعتقدون أن سلطانهم على الكنيسة سيكون أقوى بحضورهم عن رسائلهم المكتوبة ... ومن أمثلة ذلك ما قاله يوحنا الحبيب من أنه لا يريد أن تكون كتابته بورق وحبر، بل يريد أن يتكلم معهم فماً لفم]١٢٨.

● وبوليكاربوس الشهيد أسقف أزمير يقول لأهل فيلبى محذراً من الهراطقة [لنرجع إلى الكلمة التى تسلمت إلينا منذ البداية]١٢٩.

‹ص ٣١٠›

ثانياً - الأسرار الكنسية

السر فى المصطلح الكنسى يعنى عملاً مقدساً، به ينال المؤمن نعمة غير منظورة تحت مادة أو علامات منظورة ... والسيد المسيح هو مؤسس أسرار الكنيسة السبعة المعروفة، وواضعها، من أجل نفع المؤمنين وخيرهم الروحى.

والأسرار الكنسية بهذا المفهوم، ليست طقوساً خارجية، أو مباشرات رمزية تميز المسيحيين عن غيرهم. وليست هى وسائل ملموسة لتنمية الإيمان لكن المؤمنين ينالون بها نعماً حقيقية وإن كانت غير منظورة. الأسرار — والحال هذه — هى الوسائط التى وضعها ربنا يسوع المسيح، لتنقل للبشر بركات الخلاص الذى تفجر بالصليب ... وهى بمثابة القنوات الموصلة بين بحر الخلاص وبين الإنسان طالب الخلاص ...

والروح القدس هو الفاعل فى الأسرار ... هو يأخذ مما للمسيح ويعطينا (يو١٦: ١٤، ١٥) ... وقد آمنت الكنيسة منذ تأسيسها بهذه الأسرار السبعة وباشرتها. يقول القديس بولس: «فليحسبنا الإنسان كخدام المسيح ووكلاء أسرار الله» (١كو٤: ١) ... يقول أغناطيوس الشهيد فى رسالته إلى الترالليين بعد أن تكلم عن الأسقف والقسوس ... [وعلى الشمامسة المقامين لخدمة أسرار يسوع المسيح أن يحسنوا لدى الجميع فى كل شىء. فهم ليسوا فقط موزعى طعام وشراب، بل هم خدام كنيسة الله، وعليهم أن يتجنبوا — تجنب النار — كل ما يلامون عليه]١٣٠.

وتقتضينا الدراسة أن ننبه إلى ملاحظة هامة ... لقد تميزت المباشرات المتعلقة ‹ص ٣١١› بالعبادة، التى مارستها الكنيسة الأولى، بالبساطة. وهى فى ذلك تتمشى بطبيعة الحال مع وضع الكنيسة والمؤمنين وقتئذ، كجماعة مضطهدة مطاردة، تتعبد خفية فى البيوت أو الكهوف أو السراديب، وتقيم إجتماعاتها مستترة بظلام الليل، تتوقع مهاجمتها فى أية لحظة ... فلا نعجب إذن إن راعت الكنيسة الأولى البساطة وعدم التطويل فى ممارسات العبادة فى ذلك العصر ... لكن ما أن تمتعت الكنيسة المسيحية بالحرية الدينية، حتى بدأت تمارس عباداتها براحة أكثر ... ولا مانع فى هذه الحالة من الإسهاب، تعويضاً عن أزمنة الضيق والخفية١٣١ ...

لكن ذلك — وهذا هو ما يهمنا الإشارة إليه — لم يمس الجوهر فى شىء ... فمثلاً المعمودية التى مارستها كنيسة الرسل هى عينها وفى جوهرها المعمودية التى تمارسها الكنيسة اليوم. وسر الافخارستيا الذى به يتناول المؤمنون جسد المسيح ودمه الأقدسين اليوم، هو بعينه سر الافخارستيا الذى مارسته كنيسة الرسل ... ليس معنى الإطالة فى بعض الصلوات، عما كان متبعاً فى كنيسة الرسل، أن هذا السر أو تلك العقيدة مستحدثة ... فالعقيدة واحدة والأسرار بجوهرها لم تتبدل ولم تتغير فى جوهرها، وكذا النعمة المصاحبة لها فى فعاليتها ونفعها للمؤمنين ... وما قلناه هنا خاصاً بالأسرار ينطبق على العبادة بوجه عام ...

١ - سر المعمودية:

المعمودية سر مقدس به يتمم البشر الحكم الصادر عليهم من الله بالموت نتيجة المعصية الأولى (تك٢: ١٧). بالمعمودية يموتون مع المسيح ويدفنون معه — لكن فى الماء بدلاً من القبر — ويقومون أيضاً معه (رو٦: ٣-٧؛ كو٢: ١٢).

‹ص ٣١٢› المعمودية هى السبيل الذى رسمه الرب لينال المؤمن الخلاص، فلا خلاص بدون معمودية، والإيمان وحده لا يخلص. قال السيد المسيح: «مَنْ آمن واعتمد يخلص١٣٢ ومَنْ لم يؤمن يدان» (مر١٦: ١٦) ... ليس الإيمان هو كل شىء١٣٣. وليست المعمودية مباشرة طقسية كما مارسها اليهود. ولا هى معمودية توبة كمعمودية يوحنا ...

المعمودية هى ميلاد ثان روحانى، من الماء والروح١٣٤، بها نأخذ طبيعة جديدة بالروح القدس، بسر فائق لعقولنا. وبها ننال مغفرة جميع الخطايا الأصلية والفعلية السابقة للمعمودية١٣٥ ... هى عملية ختان روحية (كو٢: ١١-١٤)، وتجديد روحى (فى٣: ٥)؛ واستنارة روحية١٣٦ (عب٦: ٤-٦) ... المعمودية هى الشرط الأول لعضوية الكنيسة والتمتع بكل بركات العهد الجديد.

ما قبل المعمودية:

كان طالب العماد — قبل عماده — يلقن بعض مبادىء الديانة المسيحية خاصة النواحى الأدبية، وبعض العقائد الإيمانية الأساسية، كالتى تضمنها قانون إيمان الرسل ... والتعليم السابق للعماد واضح فى كتاب تعاليم الرسل Didachê — وهى أقدم ما وصل إلينا عن نظام المعمودية وطقسها وكذا فيما كتبه يوستينوس الشهيد١٣٧ ... أما القول بأن العماد كان يتم بمجرد إعلان الشخص لإيمانه كما فى حالة يوم الخمسين والخصى الحبشى وشاول الطرسوسى وكرنيليوس وسجان فيلبى ... ‹ص ٣١٣› فبالإضافة إلى أنه وضع استثنائى، فقد تم بموجب إعلان إلهى لكل من فيلبس وحنانيا وبطرس١٣٨.

وقد أخذت الكنيسة المسيحية بمبدأ تعليم طالب العماد مبادىء الدين قبل عماده، عن المجمع اليهودى. فقد كان يتحتم على المهتدين ضرورة تعلم أصول الدين بطريقة السؤال والجواب Catechism ... وقد التزمت الكنيسة المسيحية بهذا المبدأ، وعمقته أكثر، لتحصن نفسها من صور الوثنية، لتكون كنيسة الله المقدسة١٣٩

● كان على المعمد أن يصوم يوماً أو يومين قبل العماد، ويصوم معه الكاهن الذى سيعمده، ومَنْ إستطاع أن يصوم معه١٤٠.

طقس المعمودية:

● فى الفترة المبكرة من تاريخ الكنيسة، كان الأسقف وحده هو الذى يقوم بالعماد. وأقدم ما وصلنا عن ذلك ما ذكره أغناطيوس الشهيد١٤١، لكن ما لبث — بعد أن تكاثر عدد المقبلين إلى الإيمان — أن أعطى هذا الحق للقسوس١٤٢.

● كان العماد يتم فى «ماء جار» كما تشير إلى ذلك تعاليم الرسل ... والتعبير اليونانى هو hudor zon ومعناه الحرفى (الماء المعطى للحياة) ... هكذا نفهم التشابه الجميل بين المعمودية والماء الجارى١٤٣. وإن لم يتوفر الماء الجارى كانوا يعمدون فى ماء آخر، وإنت تعذر العماد فى ماء بارد، كانوا يعمدون فى ماء دافىء. وفى الأحوال الاستثنائية التى لا يتوفر فيها ماء، أو بسبب المرض مثلاً، كان يصب ماء ثلاثاً على رأس المعمد على اسم الآب والابن والروح القدس١٤٤ ‹ص ٣١٤› ... كما كان يرسم بالزيت على جبهة المعمد بعلامة الصليب.

● كان يسبق طقس العماد مباشرة، جحد الشيطان apotaxis، وإعلان التمسك بالمسيح Suntaxis١٤٣. كان المعمد — قبل مباشرة سر العماد — يجهر بإيمانه١٤٥ ... كان يردد صيغة معينة تتضمن العقائد الإيمانية الأساسية — تلك التى عرفت فيما بعد باسم قانون إيمان الرسل١٤٦ وقد وردت عن ذلك إشارات متعددة فى العهد الجديد١٤٧ ... ويقول المؤرخ De Pressensé [من المحتمل جداً أن طالب العماد قبيل عماده مباشرة، كان يقدم إعتراف قصير بإيمانه، وهو ما أشار إليه بطرس الرسول بعبارة «سؤال ضمير صالح نحو الله»١٤٥ ... والجهر بالإيمان شرط أساسى كما يقول القديس بولس فى (رو١٠: ٩).

● بعد ذلك كان طالب العماد يغطس ثلاث مرات فى الماء على اسم الثالوث القدوس، الآب والابن والروح القدس ... وإتمام العماد بالتغطيس، أمر ثابت تاريخياً دون أدنى جدال١٤٨.

● كان يصاحب العماد التراتيل، وهى موضوعة بصورة تعبر عن التعاليم المناسبة للعماد والحياة الجديدة فى المسيح. ويذكر كثير من العلماء أن رسالة معلمنا بولس إلى أهل أفسس تتضمن جزء من ترنيمة العماد «لذلك يقول، إستيقظ أيها النائم وقم من الأموات فيضىء لك المسيح» (أف٥: ١٤) ... نلاحظ مطلع الآية «لذلك يقول»١٤٩ ... كما كانوا يرتدون الثياب البيضاء إشارة إلى البراءة ‹ص ٣١٥› والفرح. والإشارات عن هذا الأمر كثيرة جداً فى كتابات الآباء١٥٠.

أوقات العماد وأماكنه:

● لا نعتقد أنه فى الفترة المبكرة من تاريخ الكنيسة، كانت قد تحددت مناسبات معينة للعماد، كما حدث فيما بعد، حينما كانوا يعمدون فى أعياد القيامة والخمسين والظهور الإلهى (الغطاس) ... لكن العماد كان يتم فى أى وقت.

● وبالنسبة للمكان أيضاً، لم يشترط مكان معين، حيث أنه لم تكن قد شيدت كنائس ثابتة. كانوا يعمدون فى البيوت والسراديب والكهوف، وفى أى مكان ... وهكذا إعتمد الخصى الحبشى على جانب الطريق (أع٨: ٣٦-٣٨)، وغالباً تمت معمودية شاول (بولس الرسول وكرنيليوس وأهل بيته فى المنازل التى كانوا فيها) ... ويشهد يوستينوس الشهيد بذلك١٥١.

عماد الأطفال:

عماد الأطفال فى كنيسة الرسل شىء مؤكد يشهد به التاريخ١٥٢ ... ولدينا شهادة قيمة عن ذلك مما ذكره إيريناوس تلميذ بوليكاربوس تلميذ يوحنا الرسول الذى ولد حوالى سنة ١٣٠ م١٥٣. وترتليانوس فى القرن الثانى الذى يشهد أن عماد الأطفال ... كانت تمارسه الكنيسة فى زمانه. والعلامة أوريجينوس١٥٤ ‹ص ٣١٦› — وشهادته لها قيمتها — يذكر أن عماد الأطفال تقليد رسولى ... وكذلك أيضاً من المشابهة بين الختان الذى كان رمزاً للمعمودية، وكان يتم فى اليوم الثامن لميلاد الطفل حتى لو وقع فى يوم سبت ... وهذا واضح من (كو٢: ٢)، ومن كتابات الآباء الأولين، وفى مقدمتهم يوستينوس الشهيد فى حواره مع تريفو اليهودى.

٢ - سر التثبيت:

وهو السر الثانى الذى يناله المؤمن بعد عماده، وبه يحل الروح القدس على المعمد للإمتلاء به، على نحو ما حدث للسيد المسيح بعد عماده فى الأردن، إذ شوهد الروح القدس نازلاً ومستقراً عليه١٥٥.

وهو سر منفصل عن المعمودية، وقد مارسته الكنيسة الأولى بوضع أيدى الرسل١٥٦، وبعد ذلك صار يتمم بمسحة الميرون المقدسة١٥٧ ... «ولما سمع الرسل الذين فى أورشليم أن السامرة قد قبلت كلمة الله أرسلوا إليهم بطرس ويوحنا، اللذين لما نزلا صليا لأجلهم لكى يقبلوا الروح القدس. لأنه لم يكن قد حل بعد على أحد منهم، غير أنهم كانوا معتمدين باسم الرب يسوع. حينئذ وضعا الأيادى عليهم فقبلوا الروح القدس» (أع٨: ١٤-١٧).

وفى أفسس وجد بولس مؤمنين معتمدين بمعمودية يوحنا فقط. ولما أفهمهم أن معمودية يوحنا كانت للتوبة فقط «اعتمدوا باسم الرب يسوع. ولما وضع بولس يديه عليهم حل الروح القدس عليهم» (أع١٩: ١-٦).

وقد أشار القديس بولس إلى سر التثبيت بقوله: «ولكن الذى يثبتنا معكم فى المسيح، وقد مسحنا هو الله. الذى ختمنا أيضاً وأعطى عربون الروح فى قلوبنا» ‹ص ٣١٧› (٢كو١: ٢١، ٢٢).

ويقول القديس يوحنا فى رسالته «أما أنتم فلكم مسحة من القدوس، وتعلمون كل شىء ... وأما أنتم فالمسحة التى أخذتموها منه، ثابتة فيكم ولا حاجة بكم إلى أن يعلمكم أحد، بل كما تعلمكم هذه المسحة عينها عن كل شىء» (١يو٢: ٢٠، ٢٧) ... ولا شك أن المسحة التى تعلّم كل شىء هى مسحة الروح القدس بالميرون ... فالروح القدس كما قال السيد المسيح «يعلّمكم كل شىء» (يو١٤: ٢٦).

من الأقوال السابقة، نلاحظ أن الرسل يشيرون إلى هذا السر ويسمونه وضع الأيادى وتثبيتاً وختماً، ومسحة ... وواضح من أسفار العهد الجديد أن حلول الروح القدس والإمتلاء منه، كان يؤلّف سراً منفصلاً عن المعمودية ... ويقول ثاوفيلس الأنطاكى (١١٥ - ١٦٨ / ١٨١) [على هذا الأساس نحن ندعى مسيحيين، لأننا ممسوحين بزيت الله]١٥٨.

٣ - سر الإفخارستيا:

ولعله أكثر أسرار الكنيسة السبعة وضوحاً وتلألأ ... به يتناول المؤمن جسد المسيح ودمه الحقيقيين الأقدسين، تحت أعراض الخبز والخمر، بعد إستحالتهما بفعل الروح القدس الذى يستدعيه الكاهن فى صلوات التقديس ...

والرب يسوع المسيح نفسه هو مؤسس هذا السر، وقد مارسته كنيسة الرسل، ودعته «كسر الخبز»١٥٩، والافخارستيا١٦٠ (الشكر)، وذلك لأن الرب يسوع فى إتمامه لهذا السر، شكر وكسر، كما أننا نشكر الرب على كل إحساناته، ‹ص ٣١٨› وفى مقدمتها ذبيحة جسده ودمه غير الدموية، التى هى إمتداد لذبيحة الصليب، والتى بها ننال غفران خطايانا، وثباتاً فى شخصه بل واتحاداً معه ... ثم فى النهاية حياة أبدية.

نظرة كنيسة الرسل للافخارستيا:

١ - تمسكت كنيسة الرسل بما تسلمته من الرب (١كو١١: ٢٣)، من أن الخبز والخمر البسيطين — فى سر الافخارستيا — يتحولان بفعل الروح القدس، إلى جسد حقيقى ودم حقيقى لعمانوئيل إلهنا ... وقد أكد القديس بولس هذه العقيدة فى رسالته الأولى إلى كنيسة كورنثوس (ص ١٠، ١١) وحذر المتهاونين من الكورنثيين وكشف لهم حقيقة هذا السر ... «إذا، أى من أكل هذا الخبز وشرب كأس الرب بدون إستحقاق، يكون مجرماً فى جسد الرب ودمه. لكن ليمتحن الإنسان نفسه، وهكذا يأكل من الخبز ويشرب من الكأس. لأن الذى يأكل ويشرب بدون إستحقاق يأكل ويشرب دينونة لنفسه غير مميز جسد الرب» ... ثم هو يكشف لهم بعض نتائج إستخفافهم وتهاونهم بهذا السر فيقول: «من أجل هذا، فيكم كثيرون ضعفاء ومرضى وكثيرون يرقدون» (١كو١١: ٢٧-٣٠).

وكلام الرسول فى غاية الوضوح، ولا يحتاج إلى تعليق أو إيضاح ...

وفى نهاية صلوات التقديس، فى كتاب تعاليم الرسل — وهو أقدم لما وصل إلينا عن صلوات الافخارستيا، يقول: «مَنْ كان طاهراً فليتقدم، ومَنْ ليس كذلك فليتب»١٦١.

ويقول أغناطيوس الشهيد [ليس لى مسرة بالطعام البائد أو بملذات هذه ‹ص ٣١٩› الحياة، أشتهى خبز الله الذى هو جسد يسوع المسيح الذى كان من نسل داود، وأود أن أشرب دمه]١٦٢.

وقد حذرت الكنيسة المؤمنين من الهراطقة الذين ينكرون وجود جسد يسوع المسيح فى الافخارستيا ... قال أغناطيوس الشهيد: [يمتنعون من الافخارستيا والصلاة، لأنهم ينكرون وجود جسد يسوع المسيح مخلصنا فى الافخارستيا، ذاك الجسد الذى تألم لأجل خطايانا، والذى أقامه الآب بصلاحه. وهكذا، فإن الذين ينكرون عطية الله، يلقون الموت من جراء إنكارهم واعترافاتهم ... تجنبوهم]١٦٣.

٢ - وآمنت كنيسة الرسل أن الافخارستيا ذبيحة غير دموية، وأنها فى طبيعتها وجوهرها إمتداد لذبيحة الصليب:

تقول تعاليم الرسل[^164]: [فى كل يوم أحد اجتمعوا معاً، واكسروا الخبز، وقدموا الشكر بعد أن تكونوا قد اعترفتم بآثامكم، حتى ما تصبح ذبيحتكم طاهرة. ولا يشترك معكم مَنْ كان على خلاف مع رفيقه، حتى يتصالحا١٦٥، لئلا تتدنس ذبيحتكم. فهذا ما قاله الرب: فى كل مكان وزمان يقرب لى ذبيحة طاهرة، لأنى ملك عظيم، يقول الرب، واسمى عجيب بين الأمم]١٦٦.

واضح أن الافخارستيا فى تعاليم الرسل — تلك الوثيقة المبكرة — تدعى ذبيحة بكلمات صريحة وبصورة قاطعة ... وليس ذلك فقط، بل أن العلماء الذين فحصوا كتاب تعاليم الرسل هذا Didachê، اعتبروا ما ذكر فيها عن الافخارستيا، شاهداً على وجود الله الحقيقى فى هذا السر، وأنه ليس رمزاً١٦٧.

‹ص ٣٢٠› ويوستينوس الشهيد فى حواره مع تريفو اليهودى، يدعو الإفخارستيا ذبيحة مقبولة١٦٨.

٣ - وأنها شركة جسد المسيح ودمه، وإتحاد به، ومع بعضنا البعض ...

قال القديس بولس: «كأس البركة التى نباركها أليست هى شركة دم المسيح. الخبز الذى نكسره أليس هو شركة جسد المسيح. فإننا نحن الكثيرين خبز واحد، جسد واحد، لأننا جميعنا نشترك فى الخبز الواحد» (١كو١٠: ١٦، ١٧).

يقول أغناطيوس الشهيد: [من ثم احرصوا ألاَّ يكون لكم سوى إفخارستيا واحدة. لأنه يوجد جسد واحد لربنا يسوع المسيح، وكأس واحدة، للإتحاد بدمه، ومذبح واحد]١٦٩.

وفى تعليم الرسل تشبيه لطيف لاتحاد المؤمنين فى هذا الجسد ... فكما أن حبات كثيرة من القمح المزروع فى جهات متفرقة وعلى التلال، إشتركت فى الخبز الواحد، الذى تقدس، هكذا تطلب الكنيسة من الله أن يجمعها من أقاصى الأرض١٧٠.

يقول الأستاذ ليتزمان Lietzmann [جميع آكلى هذا الخبز — الذى هو جسد المسيح — يصيرون متحدين فى جسد واحد معاً]١٧١.

٤ - وإنها ذكرى عينية لموت المسيح وقيامته:

قلنا إن ذبيحة الافخارستيا هى عينها ذبيحة الصليب، وأنها إمتداد لها فى طبيعتها وجوهرها ... ومن ثم تصبح الافخارستيا ذكرى عينية لذبيحة الجلجثة ... هذا ما عناه الرب حينما قال: «اصنعوا هذا لذكرى» (لو٢٢: ١٩؛ ١كو١١: ‹ص ٣٢١› ٢٥) ... أى أننا كلما قدمنا هذه الذبيحة نذكر آلام الرب وموته وقيامته «فإنكم كلما أكلتم هذا الخبز وشربتم هذه الكأس تخبرون بموت الرب إلى أن يجىء» (١كو١١: ٢٦) ... وعبارة «إلى أن يجىء» تفيد استمرار تقديم هذه الذبيحة بهذا المفهوم حتى مجىء الرب١٧٢ ...

٥ - وان التناول من جسد الرب ودمه ذو بركات روحية جمه:

فهو يمنحنا غفراناً للخطايا، وثباتاً فى المسيح، وحياة أبدية١٧٣ ... وهو غذاء دائم لأرواحنا وأنفسنا وأجسادنا.

يقول يوستينوس الشهيد: [نحن لا نتناول (الافخارستيا كخبز عادى أو شراب عادى ... هكذا تعلمنا أن الغذاء الذى يتقدس بالصلاة التى نطق بها هو (يسوع المسيح)، وبه يتغذى لحمنا ودمنا، بواسطة الاستحالة هو لحم ودم يسوع ذاك الذى تجسد]١٧٤.

آمنت كنيسة الرسل بمفاعيل هذا السر العجيبة الفائقة، فاستفادت منه إلى أقصى حد، وعلمت المؤمنين أن يواظبوا على شركة الجسد والدم الأقدسين ... تلك الشركة التى تعطى حياة وثباتاً واستنارة ...

ما أجمل العبارة التى ذكرها الدكتور تورانس Torrance بعد أن فحص كتابات الآباء الرسوليين ... قال: [كانت الحياة المسيحية تطعم فى المؤمن بواسطة الافخارستيا بنوع خاص]١٧٥.

‹ص ٣٢٢› ويوستينوس الشهيد فى دفاعه الأول يصف خدمة الإفخارستيا فى زمانه، ويخبرنا أن جميع المؤمنين الذين يحضرون الخدمة كانوا يتناولون من الجسد والدم كل يوم أحد ... أما الغائبون، الذين كانت ظروفهم لا تسمح لهم بالحضور، فكان الخدام يحملون إليهم جزء من الجسد١٧٦.

هذه الشهادة المبكرة ترسم لنا صورة حية للمؤمنين القديسين، وتفصح لنا عن سر قداستهم وثباتهم فى الرب ...

إن التناول من جسد المسيح ودمه هو شركة حية مع المسيح إلهنا، يجب ألاَّ تتوقف ... إنه غذاء روحى، لا غنى للإنسان عنه ... إنه كالمن الذى كان بنو إسرائيل يقتاتون به فى غربتهم فى البرية ... هكذا نحن أيضاً يجب أن نغتذى بهذا المن الروحى السماوى طيلة مدة غربتنا فى هذا العالم حتى نصل إلى أورشليم السماوية ...

لذا أقولها فى حسرة وأسى: كم يخطىء المسيحى إلى ذاته حينما يتهاون فى تناول جسد الرب ودمه ... بل يمضى على البعض سنوات طويلة دون تناول ... والبعض لا يتناول إلاَّ فى المناسبات ...

يقول أغناطيوس الشهيد: [لا يضلن أحد. مَنْ يبتعد عن المذبح يحرم نفسه من خبز الله]١٧٧ ... لنذكر كلمات رب المجد دائماً: «إن لم تأكلوا جسد ابن الإنسان وتشربوا دمه فليس لكم حياة فيكم» (يو٦: ٥٣).

٤ - سر الاعتراف:

ويسمى أيضاً سر التوبة، وهو السر المختص بفعالية الروح القدس فى الخاطىء التائب، الذى يقدم ندامة كاملة عن خطاياه التى إرتكبها، ويعترف بها أمام كاهن الله، فينال الغفران بفعل الروح القدس الذى يستدعيه الكاهن فى صلاة التحليل ... وقد مارست كنيسة الرسل هذا السر ...

‹ص ٣٢٣› نقرأ فى سفر الأعمال أن «كثيرين من الذين آمنوا كانوا يأتون مقرين ومخبرين بأفعالهم» (أع١٩: ١٨).

والقديس يعقوب فى رسالته يقول: «أمريض أحد بينكم فليدع قسوس الكنيسة فيصلوا عليه ... وإن كان قد فعل خطية تغفر له. إعترفوا بعضكم لبعض بالزلات» (يع٥: ١٤-١٦) ... ولا حاجة بنا إلى إيضاح المغالطة التى يحاول البروتستانت أن يغالطوا بها ... فهم يقولون إن الرسول قال: «اعترفوا بعضكم لبعض»، ولم يقل اعترفوا للقسوس ... لكن القرينة الموجودة فى الجملة «فليدع قسوس الكنيسة» توضح أن الاعتراف هو لهؤلاء القسوس ...

ووردت فى عدة نصوص خاصة بالاعتراف فى كتاب تعاليم الرسل Didachê [عليك أن تعترف بخطاياك فى الكنيسة، ولا تقرب الصلاة بضمير شرير فهذا هو طريق الحياة]١٧٨ ... [فى يوم الرب اجتمعوا معاً، واكسروا الخبز وقدموا الشكر، بعد أن تكونوا قد اعترفتم بخطاياكم حتى ما تصبح ذبيحتكم طاهرة]١٧٩.

وأظن أنه لا يجرؤ أحد أن ينكر هذه العبارات الناطقة ... وربما يقول واحد — من قبيل المكابرة — لم تذكر تعاليم الرسل صراحة الاعتراف على الكهنة وإنما قالت: [تعترف بخطاياك فى الكنيسة] ... ونحن نقول ما معنى الاعتراف بالخطايا فى الكنيسة؟ إذاً كان الإعتراف على الله مباشرة، فإن ذلك يجوز فى أى موضع، لأن الله موجود فى كل الأماكن والمواضع لكن عبارة «فى الكنيسة» تعنى الآباء الكهنة١٨٠ ..

وفى النص الثانى يقول: [وفى يوم الرب اجتمعوا معاً، واكسروا الخبز (الافخارستيا)]، والكلام هنا عن اجتماع الكنيسة، لأن كسر الخبز ‹ص ٣٢٤› (الافخارستيا) لا يكون إلاَّ فى الكنيسة — أينما كانت حتى لو كانت فى بيوت خاصة — وحيث الكنيسة هناك الكهنة١٨٠.

ويقول القديس اكليمنضس الرومانى فى رسالته إلى أهل كورنثوس: [لنتضرع طالبين الغفران عن كل تلك الخطايا. لأنه خير للإنسان أن يعترف بخطاياه، ولا يقسى قلبه، كما تقست قلوب أولئك الذين قاوموا موسى عبد الله]١٨١.

ويقول أغناطيوس الشهيد: [الله يغفر لكل مَنْ يتوب، إن كانت توبته تؤدى إلى الإتحاد بالله والاشتراك مع الأسقف]١٨٢ ... ويقول الأستاذ تورانس Torrance معلقاً على ذلك: [يجب أن نتذكر أن أغناطيوس لم يذكر الغفران إلاَّ مرتبطاً إرتباطاً وثيقاً بالكنيسة]١٨٣.

٥ - سر مسحة المرضى:

وهو السر الذى به ينال المريض الشفاء من أمراضه الروحية والجسدية، بعد أن يمسحه الكاهن بزيت، مستمداً له — بصلاة الإيمان — النعمة الإلهية لشفائه ...

وقد مارست كنيسة الرسل هذا السر١٨٤ ... يقول يعقوب الرسول: أمريض أحد بينكم، فليدع قسوس الكنيسة، فيصلوا عليه ويدهنوه بزيت باسم الرب. وصلاة الإيمان تشفى المريض والرب يقيمه، وإن كان قد فعل خطية تغفر له» (يع٥: ١٤، ١٥).

وكلام الرسول يعقوب، يستدل منه أن ممارسة مسحة الزيت للمرضى، كانت ‹ص ٣٢٥› عادة متبعة ... والرسول يذكر لهم هذا الأمر لمجرد التذكير، وليس كتعليم جديد ... يؤيد ذلك شهادة التاريخ ... يقول المؤرخ البروتستانتى موسهيم فى الباب الخاص بطقوس العبادة فى القرن الأول المسيحى ... [أن المسيحيين الأولين كلما مرضوا مرضاً خطيراً، كانوا يدعون قسوس (شيوخ) الكنيسة حسب قول (يع٥: ١٤). وبعد أن يعترف المريض لله بخطاياه يستودعه القسوس لله بالتضرعات الخشوعية ويدهنونه بزيت، وأشياء كثيرة بخصوص هذا الطقس ... ومع أنه لا يرتاب بأنه كان دارجاً كثيراً فيما بين المسيحيين الأولين، لكنه قلما يذكر فى كتب الأولين]١٨٥.

٦ - سر الزواج:

الزواج ناموس مقدس أسسه الله منذ البدء١٨٦، وثبته الرب يسوع ورفعه إلى مرتبة السر المقدس ... به يتحد الرجل والمرأة إتحاداً مقدساً بالروح القدس ..

وقد دعا القديس بولس الزواج سراً عظيماً وشبه إتحاد الرجل والمرأة فى الزواج، باتحاد المسيح بالكنيسة ... قال «أيها الرجال أحبوا نساءكم كما أحب المسيح أيضاً الكنيسة وأسلم نفسه لأجلها لكى يقدسها ... من أجل هذا يترك الرجل أباه وأمه ويلتصق بامرأته ويكون الاثنان جسداً واحداً. هذا السر عظيم، ولكننى أنا أقول من نحو المسيح والكنيسة» (أف٥: ٢٢-٣٢).

ويقول معلمنا بولس أيضاً لكنيسة كورنثوس: «المرأة مرتبطة بالناموس مادام رجلها حياً. ولكن إن مات رجلها فهى حرة، لكى تتزوج بمَنْ تريد، فى الرب فقط» (١كو٧: ٣٩) ... وواضح من هذا الكلام أن الزيجة منذ عصر الرسل كانت تعقد باسم الرب ... أى أنها كانت عملاً دينياً مقدساً فى الكنيسة.

‹ص ٣٢٦› يؤكد هذا المعنى أغناطيوس الشهيد بقوله: [يجب على المتزوجين رجالاً ونساء، ألاَّ يعقدوا زواجهم، إلاَّ بموافقة الأسقف، حتى ما يكون زواجهم بحسب الرب، وليس من أجل شهواتهم. لتكن كل الأشياء من أجل مجد الله]١٨٧.

٧ - سر الكهنوت:

وهو السر الذى يخول بعض الخدام، السلطان لمباشرة الخدم الكنسية الروحية، من أسرار وغيرها. ويتم بوضع اليد على رأس المختار لهذه الدرجة ... ويسمى فى اليونانية شرطونية χειρτονια ومعناها وضع اليد.

● وقد مارس الآباء الرسل الخدمات الموكولة إليهم بهذا السلطان الكهنوتى المعطى لهم بالروح القدس١٨٨، وتمموا الأسرار، وأقاموا أساقفة وقسوساً وشمامسة ...

● لقد دعى القديس بولس ذاته كاهناً (يباشر الخدمة الكهنوتية) «ولكنى بأكثر جسارة كتبت إليكم قليلاً أيها الإخوة، كمَنْ يذكركم بسبب النعمة التى وهبت لى من الله، لأكون خادماً للمسيح يسوع فى الأمم، مباشراً خدمة إنجيل الله الكهنوتية، حتى يكون قربان الأمم مقبولاً ومقدساً بالروح القدس» (رو١٥: ١٥، ١٦)١٨٩ ... ويقول عن هذه الوظيفة الكهنوتية: «لا ‹ص ٣٢٧› يأخذ أحد هذه الوظيفة بنفسه، بل المدعو من الله كما هرون أيضاً» (عب٥: ٤) ... وقوله: «يأخذ أحد هذه الوظيفة بنفسه»، إشارة إلى مَنْ يتجرأ ليباشر خدمة الكهنوت من تلقاء ذاته.

وقد تكلمت تعاليم الرسل عن الباكورات، ووجوب تقديمها إلى رئيس الكهنة ... وهذا دليل قاطع على وجود الكهنوت المسيحى١٩٠.

● وقد أقام الرسل باكورة شمامسة العهد الجديد وعددهم سبعة الذين منهم استفانوس، بوضع أيديهم (أع٦: ٦).

● وأقام بولس وبرنابا قسوساً فى الكنائس التى أسسوها، بالصلاة ووضع الأيادى ... «وانتخبا١٩١ لهم قسوساً فى كل كنيسة. ثم صليا بأصوام واستودعاهم للرب، الذى كانوا قد آمنوا به» (أع١٤: ٢٣).

والكلمة اليونانية المترجمة «إنتخبا» هى χειροτονησαντες ومعناها الحرفى وضع الأيدى١٩٢ — ويقصد بها الرسامة الكهنوتية — وكلمة χειροτονια مستخدمة فى المصطلح الكنسى كما هى شرطونية ... واللفظ أكثر وضوحاً فى القبطية فقد جاءت العبارة كالآتى:

ⲁⲩⲭⲁ ϫⲓϫ ⲇⲉ ⲉ̀ϩ̀ⲣⲏⲓ ⲉϫⲉⲛ ϩⲁⲛⲡ̀ⲣⲉⲥⲃⲩⲧⲉⲣⲟⲥ

وترجمتها الحرفية «وضعا أياديهما على قسوس»، وهو وضع اليد الخاص بالرسامة الكهنوتية. ووردت فى الترجمة اللاتينية الشائعة للقديس جيروم They had ordained to them priests.

وهكذا تصبح الترجمة الحرفية الدقيقة لهذه الآية «رسما لهم قسوساً فى كل كنيسة بوضع أياديهما»

وقال القديس بولس لتلميذه الأسقف تيطس: «من أجل هذا تركتك فى ‹ص ٣٢٨› كريت لكى تكمل الأمور الناقصة وتقيم فى كل مدينة قسوساً كما أوصيتك» (تى١: ٥) والكلمة اليونانية المترجمة «تقيم» هى Kathistemi ومعناها يرسم الرسامة الكهنوتية. ووردت فى القبطية هكذا:

ⲟⲩⲟϩ ⲛ̀ⲧⲉⲕⲥⲉⲙⲛⲓ ⲛ̀ϩⲁⲛ ⲡ̀ⲣⲉⲥⲃⲩⲧⲉⲣⲟⲥ وترجمتها يرسم قسوساً

+ وجاء فى كتاب تعاليم الرسل فى الفصل الخاص بالأساقفة والشمامسة [لذلك سيموا لكم أساقفة وشمامسة لائقين بالرب]١٩٤ ... ولفظة سيموا وردت فى اليونانية χειροτονὲω ومعناها وضع اليد كما سبق أن ذكرنا.

+ وفيلبس المبشر أحد السبعة شمامسة، بشر فى السامرة (أع ٨: ٥)، وعمد مَنْ آمن منهم ... وعلى الرغم من أن آيات كثيرة كانت تجرى على يديه (أع٨: ٦)، إلاَّ أنه لم يستطع أن يمنحهم الروح القدس لأنه من أعمال الكهنوت، ولم يكن فيلبس كاهناً ... لذا نجد أن الرسل فى أورشليم يرسلون بطرس ويوحنا إلى السامرة «اللذين لما نزلا صليا لأجلهم لكى يقبلوا الروح القدس ... حينئذ وضعا الأيادى عليهم فقبلوا الروح القدس» (أع٨: ١٤-١٧) ... ولقد أدهش هذا الأمر سيمون الساحر حتى أنه قدم دراهم لبطرس ويوحنا قائلاً: «أعطيانى هذا السلطان». فكان رد بطرس عليه: «لتكن فضتك معك للهلاك لأنك ظننت أن تقتنى موهبة الله بدراهم» (أع٨: ١٨-٢٠) ... نعم فى سر الكهنوت هذين الأمرين: «السلطان، والموهبة الخاصة» ... هذه الموهبة التى قال عنها القديس بولس لتلميذه الأسقف تيموثاوس: «أذكرك أن تضرم أيضاً موهبة الله التى فيك بوضع يدى» (٢تى١: ٦).

+ لقد أعطى السيد المسيح الكهنوت لرسله، وهؤلاء — بوضع أيديهم على أساقفة — نقلوا إليهم حقوق الرسامات الكهنوتية. وهذا ما يُعرف باسم الخلافة الرسولية ...

وفكرة الخلافة الرسولية مفهومة ضمناً فى سفر أعمال الرسل، ومذكورة ‹ص ٣٢٩› صراحة فى الرسالة المعاصرة لاكليمنضس الرومانى إلى أهل كورنثوس١٩٥ يقول: [لقد عرف الرسل أيضاً من ربنا يسوع المسيح، أنه سيكون هناك جهاد بسبب وظيفة الأسقفية. ولهذا السبب — وإذ اقتنوا سبق معرفة كاملة — أقاموا أولئك الخدام الذين ذكرناهم لتونا، وأعطوا فيما بعد تعليمات أنه حينما يتنيحوا يجب أن يخلفهم فى خدمتهم أناس آخرون لهم تزكية]١٩٦.

وقال أيضاً: [لقد بشرنا الرسل بالإنجيل كأمر ربنا يسوع المسيح ... ذهب الرسل وأعلنوا قرب ملكوت الله. وفيما يكرزون فى الأقاليم والمدن أقاموا باكورات خدمتهم — بعد أن أختبروهم بالروح — ليكونوا أساقفة وشمامسة]١٩٧.

وقد سبق لنا أن تكلمنا عن رتب الكهنوت الثلاث: الأسقفية والقسيسية والشماسية.

‹ص ٣٣٠›

ثالثاً - العبادة الكنسية

فى هذا الفصل، نعرض لبعض جوانب العبادة فى كنيسة الرسل ... وقبل أن نتكلم عن هذه الجوانب، نقف وقفة قصيرة لنعرف شيئاً عن الكنيسة من حيث أهميتها ...

الكنيسة المسيحية:

الكنيسة فى المفهوم الرسولى هى بيت الله، عمود الحق وقاعدته (١تى٣: ١٥) ... كل مَنْ لا يسمع منها فهو كوثنى وعشار (مت١٨: ١٧) ... هى عروس المسيح١٩٨، التى خرجت من جنبه الذى طعن بالحربة على الصليب، على نحو ما تكونت حواء من أحد أضلاع آدم وهو نائم .. هى مستودع النعم والأسرار والحياة، التى بها يحيا كل مَنْ يؤمن باسم الرب يسوع، كما أشرنا إلى ذلك فى الفصل السابق ...

هذه النعم التى نناها بممارسة الأسرار الكنسية، لن نناها إلاَّ فى الكنيسة وعن طريقها ... وبعبارة أخرى نقول انه لا خلاص خارجاً عن الكنيسة ... هذا هو تعليم رب المجد نفسه، وما آمنت وعلمت به الكنيسة فى كل تاريخها ..

+ فى قصتى إيمان شاول الطرسوسى (بولس الرسول)، وكرنيليوس قائد المائة، نجد هذا الأمر واضحاً كل الوضوح ... فالرب يسوع نفسه بعد أن ظهر لبولس قرب دمشق، لم يخلصه بكلمة من فيه، بل أحاله إلى الكنيسة — إلى ‹ص ٣٣١› حنانيا الرسول الذى عمده (أع٩) ... وكرنيليوس الذى أرسل له الله ملاكاً فى رؤيا ظاهرة أمره — لكى يخلص — أن يرسل ويستدعى معلمنا بطرس من يافا .. وهذا أتى، وبعد أن بشره عمده هو وأهل بيته (أع١٠) ... أما كان يمكن أن يخلص هذان بدون الكنيسة؟ لكن هكذا رسم الله ... وفى هاتين الحادثتين، نلاحظ أن كلا من حنانيا وبطرس يمثل الكنيسة، وكل منهما باشر سر المعمودية.

+ إن الكنيسة المقدسة هى باب السماء ... هذا هو ما شهد به يعقوب أب الآباء بعد حلمه الشهير الذى رأى فيه سلماً يصل الأرض بالسماء .. فقد قال: «ما أرهب هذا المكان. ما هذا إلاَّ بيت الله، وهذا باب السماء» (تك٢٨: ١٠-١٧) ... إنه تعبير جميل دقيق ... الكنيسة هى باب السماء ... أيستطيع أن يدخل إنسان إلى موضع إلاَّ عن طريق بابه؟.. وماذا يحدث لو حاول أن يطلع من موضع آخر .. مثل هذا يقول عنه رب المجد يسوع: «أما الذى لا يدخل من الباب ... بل يطلع من موضع آخر فذاك سارق ولص» (يو١٠: ١) ...

+ لقد شبه معلمنا بطرس الكنيسة بفلك نوح، الذى خلص مَنْ كانوا فيه، وهلك مَنْ كانوا خارجه (١بط٣: ٢٠) ...

هكذا فهم المؤمنون هذه الحقيقة منذ البداية ... أنه لا خلاص خارجاً عن الكنيسة ... ومن هنا قال القديس كبريانوس الشهيد عبارته المشهورة: [ما من أحد، يقدر أن يجعل الله أباً له، ما لم تكن الكنيسة أمه].

والآن نعرض لبعض جوانب العبادة فى كنيسة الرسل ...

١ - يوم الرب:

هو تنظيم مسيحى خالص، يستند أساساً إلى حقيقة قيامة المسيح من بين الأموات فى يوم الأحد ... وظهرت عادة الإجتماع فى هذا اليوم فى الأسبوع التالى للقيامة، حيث كان الرسل مجتمعين فى العلية (يو٢٠: ٢٦) ... وقد وردت عنه ثلاث إشارات فى أسفار العهد الجديد ... ورد باسم «أول الأسبوع» فى موضعين ‹ص ٣٣٢› (أع٢٠: ٧؛ ١كو١٦: ٢)، وذكر باسم يوم الرب١٩٩ فى (رؤ١: ١٠).

وفى كتاب تعاليم الرسل٢٠٠ Didaché، ذكر صراحة باسم [يوم الأحد] Kyriake لأن المسيح رب Kyrios كل الأيام ... وفى رسالة برنابا٢٠١ يذكر باسم [اليوم الثامن]، أى اليوم التالى للسبت وهو اليوم السابع، ويذكر سبب تقديسه، أن الرب قام فيه ... ويوستينوس الشهيد يذكره باسم [اليوم الأول من الأسبوع]، ويربطه بخلق العالم٢٠٢، على اعتبار أن الله فى أول أيام الأسبوع خلق باكورة الخليقة، وفيه أيضاً أعطى العالم باكورة ثمار القيامة المقدسة ... وهو اليوم الثامن، لأن أيام الأسبوع السبعة ترمز إلى زمان هذا العالم بكل مشقاته، واليوم الثامن — يوم الراحة المقدس — يرمز للراحة الأبدية٢٠٣. وقبل موت المسيح وقيامته لم يكن يوم الأحد يسمى يوم الرب، بل اليوم الأول من الأسبوع.

وقد قدست كنيسة الرسل ذلك اليوم لأن الرب قام فيه من بين الأموات، وبدأت كنيسة الرسل حياتها الجديدة فيه. كما كانوا يتوقعون مجىء الرب الثانى فى مجده فى يوم أحد ... ومن هنا فقد كانت الكنيسة تحتفل بعشاء الرب فيه، بما يتضمن من إنتظار للرب [ماران أثا]٢٠٤ .. ومنذ البداية كان يوم الأحد هو يوم الأسبوع المقدس لجميع المسيحيين٢٠٥.

‹ص ٣٣٣› وأغناطيوس الشهيد يشير صراحة إلى بطلان السبت القديم وحلول الأحد محله٢٠٦، فيقول: [ليحفظ كل حبيب للمسيح يوم الرب كعيد (يوم القيامة) رأس كل أيام الأسبوع].

وبلينى الأصغر فى خطابه إلى الامبراطور تراجان سنة ١١٢ م، يشير إلى إجتماع المسيحيين فى يوم معين من الأسبوع قبيل الفجر، ليرنموا ترنيمة للمسيح.

وأوفى ما وصل إلينا عن إجتماع الأحد — فى تلك الفترة المبكرة — كتبه يوستينوس الشهيد فى دفاعه الأول حوالى سنة ١٤٠ م. يقول: [وفى اليوم المسمى الأحد، يجتمع كل مَنْ فى المدن والقرى معاً فى مكان واحد ... والأحد هو اليوم الذى نعقد فيه إجتماعنا المعتاد، لأنه هو اليوم الأول الذى أجرى الله فيه تغييراً فى الظلمة والمادة وخلق العالم. وفى نفس اليوم قام يسوع المسيح مخلصنا من بين الأموات]٢٠٧.

يقول المؤرخ فيليب كارنجتون Carrington [جميع المسيحيين يحفظون الأحد ... كل مسيحى يحفظ الأحد. كل واحد يعرف ما هو، وليس ما يدعو لشرحه (فى الأسفار المقدسة). ولم يحدث أن صار (الأحد) موضوعاً لنقاش .. إنه عادة «جامعة» بدأت فى العصر الرسولى — وكان جزءاً من التقليد الإنجيلى]٢٠٨.

٢ - إجتماعات العبادة:

+ أماكنها:

منذ البداية اجتمع المسيحيون فى بيوت خاصة للعبادة، وأقامة عشاء الرب وولائم الأغابى. وقد تأسست الكنيسة فى يوم الخمسين فى علية فى منزل مريم أم ‹ص ٣٣٤› يوحنا الملقب مرقس ... وكان أعضاء الكنيسة الموسرين — من أمثال مريم هذه فى أورشليم، وكرنيليوس فى قيصرية، وليديا فى فيلبى، وياسون فى تسالونيكى، ويستس فى كورنثوس، وبريسكيلا فى أفسس، وفليمون فى كولوسى — قد فتحوا بيوتهم بفرح لاجتماعات العبادة ... وفى المدن الكبرى كروما قسم المؤمنون أنفسهم إلى عدة مجموعات تجتمع فى بيوت خاصة ... لكن الرسول بولس يخاطبها فى رسائله كوحدة واحدة٢٠٩.

لم يحدث فى العصر الرسولى أن المسيحيين شيدوا كنائس خاصة للعبادة، على الأقل بسبب الاضطهاد الذى كان يحل بهم ويتعقبهم٢١٠. كان الرسل — على نحو ما ذكرنا — يكرزون فى الشوارع والأسواق وعلى الجبال وفى السفن والكهوف والبرارى والبيوت الخاصة ... لكن ما أن نالت المسيحية الحرية الدينية حتى بنيت آلاف الكنائس الضخمة، فى كل أنحاء العالم، تكريماً للفادى المصلوب، الذى فى أيام جسده لم يكن له أين يسند رأسه.

+ نظامها:

أقدم ما وصل إلينا عن نظام إجتماع يوم الأحد، دونه لنا يوستينوس الشهيد٢١١، وكتاب تعاليم الرسل٢١٢، الذى قدم لنا صورة مبسطة لصلوات الافخارستيا ... كان الاجتماع يبدأ بقراءة فصول من البشائر، وأحياناً أجزاء من كتابات الأنبياء حسب تعبير يوستينوس. قد يكون المقصود بالأنبياء، أنبياء العهد القديم، وقد يكون المقصود بها أيضاً كتابات ورسائل الرسل٢١٣، وبعض كتابات معاصرة مثل كتابات كليمنضس الرومانى، وكتب هرماس، وقد كانت ‹ص ٣٣٥› منتشرة وذائعة الصيت٢١٤. ومن المؤكد أن رسائل بولس كانت تقرأ٢١٥ .. يعقب ذلك عظة، كان يلقيها مَنْ يرأس الإجتماع، وغالباً ما كانت مرتبة على القراءات التى قرئت ... ثم ينهض الجميع ويصلون ويرفعون التضرعات من أجل أهم ما يعنى الكنيسة٢١٦ ... بعد ذلك يقبّل الحاضرون بعضهم بعضاً قبلة السلام ... وتبدأ بعدها صلوات الافخارستيا (تقديس الخبز والخمر)، والشعب يجاوب آمين ... ويتناول المؤمنون من الجسد والدم الأقديسين ... وتجمع الصدقات ... وهكذا ينتهى إجتماع العبادة الأسبوعى فى يوم الأحد.

٣ - الأسفار المقدسة:

+ العهد القديم:

استمر ليكون كتاب المسيحيين المقدس، كما كان بالنسبة لليهود .. كان هذا الإتجاه واضحاً. وكما أشرنا سابقاً، فقد كانت تقرأ منه أجزاء — خاصة الأسفار النبوية — فى إجتماعات العبادة الأسبوعية. كان كتاب العهد القديم معونة جبارة للدعاية المسيحية. وعبثاً حاول اليهود الإحتجاج على ذلك بأنه ليس كتاب المسيحيين. كان بالنسبة لكثير من الناس، يشكل القنطرة الحقيقية التى عبروا بها إلى المسيحية ... ومن هؤلاء يوستينوس الفيلسوف الشهيد٢١٧ ... وقد أدى كتاب العهد القديم خدمات جليلة للمسيحية. يكفى أن المسيحية قامت مرتكزة على هذا الكتاب الذى امتلأ بالنبوات عن المسيح ومجيئه وخلاصه. كما إستمدت منه المسيحية كثيراً من عقائدها وأنظمتها ... وأفاد المسيحيون من كل الإخلاقيات والفضائل وقصص معاملات الله مع البشر التى حواها هذا الكتاب .. هذا فضلاً عن سفر المزامير الذى استخدمته الكنيسة المسيحية منذ البداية فى صلواتها وعبادتها ...

‹ص ٣٣٦› بدأ المسيحيون فى عهد الرسل يقرأون العهد القديم ويفسرونه تفسيراً رمزياً ... والسيد المسيح نفسه هو الذى قادهم إلى ذلك، حين إلتقى بتلميذى عمواس عشية قيامته «وابتدأ من موسى وجميع الأنبياء يفسر لهما الأمور المختصة به فى جميع الكتب» (لو٢٤: ٢٧). ومرة أخرى ظهر لتلاميذه ولفت نظرهم إلى ما هو مكتوب عنه فى ناموس موسى والأنبياء والمزامير، «حينئذ فتح ذهنهم ليفهموا الكتب» (لو٢٤: ٤٤، ٤٥).

ونجد فى الرسالة التى تحمل اسم برنابا، إشارة إلى الاعتماد على العهد القديم٢١٨ ...

+ العهد الجديد:

وكانت الأناجيل ورسائل الرسل تتلى فى إجتماعات العبادة٢١٩. وسنتكلم عن أسفار العهد الجديد فى الباب القادم ... لكن ما نود أن نشير إليه هنا، هو أنه بعد موت الرسل، إزدادت أهمية كتاباتهم ورسائلهم كشىء بديل لتعليمهم الشفوى وحثهم المؤمنين، وصارت تستعمل أكثر من كتابات العهد القديم٢٢٠.

٤ - ولائم الأغابى:

من الأمور التى عرفتها كنيسة الرسل، ولائم المحبة التى عرفت باسم «الأغابى» Agape٢٢١ .. وكانت وجبة طعام عادية يشترك فيها كل الاخوة المؤمنين ... وكانت الأغابى تعبيراً عن روح الاخوة المسيحية الحقيقية .. فقد كان ‹ص ٣٣٧› الجميع يجلسون إلى مائدة واحدة، ويتناولون طعاماً واحداً، بصرف النظر عن المركز الإجتماعى والجاه والثروة والثقافة ... لقد أحس الجميع أنهم فعلاً أعضاء فى جماعة واحدة، بل فى جسد واحد، هو جسد المسيح.

ويبدو أن الأغابى كانت مقترنة فى بادىء الأمر بالافخارستيا. لكنها سرعان ما إنفصلت عنها، وأصبح لكل وقت معين منفصل عن الآخر ... فبسبب نمو الكنيسة فى العدد ودخول عناصر كثيرة إليها، لم يكن من السهل المحافظة على تلك الصورة الطفولية البريئة ...

يبدو أن الفصل بين الأغابى والافخارستيا حدث فى الجزء الأخير من القرن الأول، إما لحكمة ارتأتها الكنيسة فى زيادة توقير سر الافخارستيا بعد أن سلك البعض إزاءه باستهتار، الأمر الذى إضطر معلمنا بولس إلى توبيخهم وتخويفهم كما نرى ذلك فى كورنثوس (١كو١١: ١٧-٣٤) ... وإما بسبب الأوضاع السياسية وموقف المسيحيين من الدولة التى بدأت تضطهدهم وتنظر إليهم كجماعة سرية .. ونرى ذلك واضحاً كل الوضوح فى خطاب بلينى الأصغر حاكم بيثينية إلى الامبراطور تراجان سنة ١١٢ ... نعلم من ذلك الخطاب أن الافخارستيا كانت تقام فجر الأحد، ووليمة الأغابى فى وقت آخر٢٢٢ ... فقد وجد المسيحيون لزاماً عليهم أن يحتفلوا بالافخارستيا خفية خشية مهاجمة السلطات أو الدهماء لهم أثناء إقامتها ... إحتفلوا بها فى فجر الأحد، فى نفس الساعة تقريباً التى قام فيها الرب ناقضاً أوجاع الموت ... بينما أقاموا الأغابى فى وقت آخر ...

كانت الأغابى وليمة طعام عادى كما قلنا، لكنها كانت تبدأ بالصلاة، وتختم أيضاً بالصلاة، ويتخلل ذلك بعض الترانيم والتسابيح الروحية٢٢٣.

وقد أشار العهد الجديد إلى ولائم الأغابى ... قال يهوذا الرسول: «هؤلاء صخور فى ولائمكم المحبية (أغابى) صانعين ولائم معاً» (يه١٢). ولا شك أن ‹ص ٣٣٨› هذا هو عين ما ذكره القديس بطرس «صانعين ولائم معكم» (٢بط٢: ١٣).

ونلمس اهتمام الكنيسة الأولى بولائم الأغابى، مما ذكره أغناطيوس الشهيد فى رسالته إلى أهل سميرنا .. [غير مصرح بالعماد أو إقامة الأغابى بدون الأسقف]٢٢٤ ...

نحن لا نعلم على وجه الدقة متى إختفت ولائم الأغابى. لكنها على أية الحالات كانت قائمة حتى القرن الرابع الميلادى٢٢٥.

٥ - الصلاة:

الصلاة وإن كانت معروفة ومستخدمة فى اليهودية والديانات الوثنية الأخرى لكنها أخذت فى المسيحية صورة أخرى، وروحاً آخر، إذ صارت تقدم فى دالة البنين بثقة إلى عرش النعمة، فى اسم واستحقاقات الرب يسوع المسيح، إلى آب سماوى، قد صولحت البشرية معه بموت ابنه ... كان المسيحيون الأوائل يقرنون كل أعمالم الخاصة بالصلوات. وقد حث القديس بولس المؤمنين أن يصلوا بلا انقطاع ... ويهمنا أن نبرز هنا بعض جوانب فى الصلاة:

+ بالإضافة إلى الصلاة الفردية والمثابرة فيها، أكد المعلمون المسيحيون من الرسل فصاعداً، ضرورة الصلاة الجماعية وأهميتها ... يقول القديس أغناطيوس الشهيد: [إذا كانت صلاة شخصين متحدين٢٢٦، لها مفعول كبير، فأى شىء لا تقدر عليه صلاة الأسقف متحدة بصلاة الكنيسة كلها]٢٢٧ ...

ويقول أيضاً: [إحرصوا على أن تقيموا إجتماعاتكم بتواتر ... لأنه بكثرة ‹ص ٣٣٩› إجتماعتكم تلاشون قوى الشيطان. وقدرته المفسدة تتبدد أمام إتفاق إيمانكم]٢٢٨.

+ كانت العادة أن يصلى الناس، إما وقوفاً والأيدى مرفوعة قليلاً نحو السماء، وإما ركوعاً على الركبتين، وإما سجوداً والوجه إلى الأرض٢٢٩.

+ كانوا يتجهون إلى الشرق فى الصلاة ... وقد بدأت هذه العادة مع قيام المسيحية ... وقد ذكر هذا الأمر وأشير إليه صراحة فى قوانين الرسل، وكتابات الآباء والمعلمين الأوائل مثل كليمنضس الاسكندرى وترتليانوس وغيرهما على أنه تقليد رسولى. كما يتضح من النقوش القديمة فى السراديب والقبور٢٣٠.

+ كان الجنسان (الرجال والنساء) يصليان فى مكان واحد معاً، لكن منفصلين عن بعضهما ... وكان الرجال يصلون حاسرى الرؤوس، بينما النساء يغطين رؤوسهن٢٣١ (١كو١١).

استخدمت الصلاة الربية فى الصلوات٢٣٢ .. ويقول المؤرخ شاف Schaff أنها استخدمت إحتراماً للنموذج الذى أعطاه ربنا يسوع المسيح نفسه (مت٦: ٩-١٣) كما أنها أعطت إحساساً بالاخوة بين المسيحيين الأوائل، وهم يصلون جميعاً إلى آب سماوى واحد «آبانا الذى فى السموات ...»٢٣٢. وقد أوجبت تعاليم الرسل إستخدام الصلاة الربية على المؤمنين ثلاث مرات فى اليوم٢٣٣.

‹ص ٣٤٠› واستخدمت الصلوات المكتوبة إلى جانب الصلوات الارتجالية ... ويقدم المؤرخ فيشر Fisher دليلاً على إستخدام الصلوات المكتوبة فى كنيسة الرسل، يقول: [وفى آخر رسالة كليمنضس الرومانى الأولى إلى كنيسة كورنثوس (حوالى سنة ٩٦)، نجد سلسلة من التوسلات المترابطة مقدمة لله. ويبدو أنها مقتسبة من ليتورجية موضوعة. ومن المحتمل جداً أنها أجزاء من الصيغة الثابتة لليتورجية التى إستخدمها كليمنضس فى كنيسته]٢٣٤.

وقد استخدمت كنيسة الرسل المزامير فى الصلوات٢٣٥ ... ولا شك أن الكنيسة المسيحية قد نقلت هذا النظام عن المجمع اليهودى .. والرسول بولس فى كلامه إلى مؤمنى كورنثوس، يؤيد استخدام المزامير ... «أيها الإخوة، متى إجتمعتم فكل واحد منكم له مزمور ...» (١كو١٤: ٢٦) ... ويقول لأهل أفسس «مكلمين بعضكم بعضاً بمزامير وتسابيح ..» (أف٥: ١٩).

٦ - التسابيح والترانيم:

وهى صورة من صور الصلاة فى قالب شعرى ... غالباً ما استخدمت فيها مزامير العهد القديم، ذلك الكنز الذى لا ينضب للتهذيب والتعزية والخبرة الروحية ... وقد نقلتها الكنيسة المسيحية عن اليهودية ... والرب نفسه استخدم التسبيح فى العهد الجديد حينما أسس سر الافخارستيا (مت٢٦: ٣٠؛ مر١٤: ٢٦) ... والقديس بولس شجع المؤمنين على ذلك «مكلمين بعضكم بعضاً بمزامير وتسابيح وأغانى روحية، مترنمين ومرتلين فى قلوبكم للرب» (أف٥: ١٩) ... «لتسكن فيكم كلمة المسيح بغنى. وانتم بكل حكمة معلمون ومنزرون بعضكم بعضاً بمزامير وتسابيح وأغانى روحية بنعمته، ومترنمين فى قلوبكم للرب» (كو٣: ١٦).

لكن بالإضافة إلى مزامير العهد القديم، أضافت الكنيسة تسابيح وترانيم ‹ص ٣٤١› وتماجيد وتبريكات، أمدت الأجيال التالية بمادة خصبة للشعر الدينى والموسيقى الكنسية، ومن أمثلتها تسبحة الملائكة عند ميلاد المخلص gloria (لو٢: ١٤)، وطلبة سمعان الشيخ (لو٢: ٢٩)، وتسبحة العذراء مريم (لو١: ٤٦-٥٥)، وتسبحة زكريا الكاهن (لو١: ٦٨-٧٩) ... يضاف إلى ذلك مقتطفات من الترانيم مبعثرة فى الرسائل٢٣٦، وماورد فى سفر الرؤيا من تماجيد وصلوات وتسابيح٢٣٧.

٧ - علامة الصليب:

كان صليب ربنا يسوع المسيح موضع فخر وتقديس وتكريم وتعبد المسيحيين منذ نشأة الكنيسة. تكلمت عنه أسفار العهد الجديد والآباء الرسوليون من أمثال أغناطيوس وبوليكاربوس، وكاتب رسالة برنابا. وتكلم عنه كثيراً وعن رموزه فى العهد القديم يوستينوس الشهيد فى حواره مع اليهودى تريفو، كما سبق أن ذكرنا ونحن نتكلم عن عقيدة الفداء والصليب ...

لا عجب إذن إن رأينا المسيحيين منذ فجر المسيحية يرسمون بعلامة الصليب على جباههم وصدورهم. جاء فى قاموس الآثار المسيحية، أن رسم علامة الصليب منذ تاريخ المسيحية المبكر إرتبط بما ورد فى (حزقيال ٩: ٤؛ رؤ٧: ٣؛ ٩: ٤؛ ١٤: ١) — ويشهد يوستينوس الشهيد باستعمال إشارة الصليب ورسمها على الإنسان المؤمن كقوة له ... كان يستخدمها المسيحيون فى كل حركة من حركاتهم منذ إستيقاظهم من نومهم حتى يأوون إلى فراشهم ...

واستخدام إشارة الصليب واضح فى الليتورجيات القديمة التى ترجع إلى الرسل ‹ص ٣٤٢› أنفسهم ... بل كان هو علامة العبادة المسيحية٢٣٨ ... ويقول القديس باسيليوس الكبير أن علامة الصليب تسلمها المسيحيون ضمن التقاليد غير المدونة التى إنحدرت إليهم من رسل المسيح: [الذين علمونا أن نرسم بعلامة الصليب أولئك الذين وثقوا فى اسم الرب يسوع المسيح]٢٣٩.

٨ - الصوم:

مبدأ الصوم ووجوبه ونفعه الروحى للمؤمنين، واضح فى أسفار العهد الجديد ... لكن ما نود الإشارة إليه هنا هو الأصوام المحددة التى رتبتها الكنيسة المسيحية فى عصر الرسل ... من هذ الأصوام:

(أ) صوم يومى الأربعاء والجمعة أسبوعياً٢٤٠ ... يوم الأربعاء لأن فيه تشاور يهوذا على حياة السيد المسيح وتسليمه، ويوم الجمعة لأن الرب تألم وصلب فيه. كان هذان اليومان يقابلان صوم يومى الاثنين والخميس عند اليهود٢٤١ ... صام المسيحيون هذين اليومين بحزن وتذلل وتوبة ... وبلغ من تقديسهم ليوم الجمعة، أنهم كانوا لا يبدأون فيه مشاريع جديدة بل يكتفون بتكميل ما بأيديهم، لأنهم اعتقدوا أن أى عمل جديد لا ينال بركة الرب٢٤٢ ... وقد أوجبت تعاليم الرسل Didaché على المؤمنين صوم هذين اليومين بتذلل٢٤٣.

(ب) صوم الأربعين المقدسة: وهو الصوم السابق لعيد القيامة (الفصح) ‹ص ٣٤٣› وقد مارسته الكنيسة منذ فجر تاريخها المبكر، وصامه المسيحيون فى العالم كله٢٤٤ لا خلاف فى أنه كان هناك صوم سابق لعيد القيامة.

وقد ظن البعض أنه أثير جدل حول مدة هذا الصوم فى تاريخ الكنيسة المبكر وذلك بسبب فهم خاطىء لعبارة وردت ضمن رسالة كتبها إيريناوس أسقف ليون (المولود حوالى سنة ١٣٠ م)، إلى فيكتور أسقف روما، بخصوص موعد تعييد الفصح (عيد القيامة)، الذى كان مثار جدل وقتذاك ...

قال إيريناوس فى رسالته المذكورة [لأن النزاع غير قاصر على اليوم فقط بل على طريقة الصوم نفسها. فالبعض يظنون أنهم يجب أن يصوموا يوماً واحداً، وغيرهم يومين، وآخرون أكثر. والبعض يحسبون يومهم أربعين ساعة نهاراً وليلاً]٢٤٥.

وبسبب شولة Semicolon فى النص اليونانى لايريناوس، أثار بعض العلماء جدلاً كبيراً حول هذه العبارة، وترجموها هكذا: [فالبعض يظنون أنهم يجب أن يصوموا يوماً واحداً، وغيرهم يومين، وآخرون أكثر، والبعض أربعين. وهم يحسبون ساعات النهار والليل معاً كيومهم]٢٤٦.

هكذا ظن البعض — نتيجة عبارة إيريناوس — أن ثمة خلاف فى الرأى كان موجوداً فى ذلك الوقت المبكر، فيما يختص بمدة الصوم الأربعينى ... لكن كلام إيريناوس لا ينصب على الصوم الأربعينى ومدته، بل على فترة الصوم الإنقطاعى السابقة لعيد الفصح ... فقد رأى البعض أن يصوموا يوماً واحداً (يوم جمعة الصلبوت)، ورأى البعض أن يصوموا يومين (جمعة الصلبوت وسبت الفرح)، ورأى البعض أن يصوموا أربعين ساعة، وتحتسب من الساعة السادسة (١٢ ظهراً) من يوم الجمعة وهى الساعة التى صلب فيها المسيح، إلى ‹ص ٣٤٤› الساعة الرابعة فجر أحد القيامة التى قام فيها المسيح.

على أن عادة حفظ هذا الصوم — وكان يسبق عيد القيامة — لا ترجع إلى عصر إيريناوس، بل قبله، إلى العصر الرسولى ... يقول إيريناوس فى رسالته السابق الإشارة إليها، التى أرسلها إلى فيكتور أسقف رومية: [وهذا الاختلاف، فى حفظ الصوم لم ينشأ فى أيامنا، بل فى أيام آبائنا قبل ذلك بوقت طويل] ... وواضح من هذه العبارة. أن الصوم السابق لعيد القيامة، وجد منذ القرن الأول المسيحى ...

والصوم الأربعينى المقدس مارسته الكنيسة فى كل أنحاء العالم. ومازال اسمه يدل على أنه كان لمدة أربعين يوماً ... فيعرف فى اللغة اللاتينية باسم Quadragesima، ومنها الكلمة الفرنسية Carême، والإيطالية Quaresima وقد أشار إليه هيبوليتس Hippolytus فى القانون العشرين من قوانينه، كما ذكره روفينوس المؤرخ ناسباً ذكره إلى أوريجينوس فى تفسيره لسفر اللاويين، كما أشار إليه القانون الخامس من قوانين مجمع نيقية كشىء ثابت ومقرر فى الكنيسة المسيحية فى العالم كله٢٤٧ ... وذكرته قوانين الرسل، وقالت إنه اتباعاً لما فعله السيد المسيح٢٤٨.

(جـ) أسبوع البصخة:

وممارسة الكنيسة للصوم فى هذا الأسبوع بتقشف زائد، أمر واضح ومتفق عليه من الجميع ... ولعل فيما ذكره أيريناوس فى رسالته إلى فيكتور أسقف رومية، مايكفى لاثبات أن صوم أسبوع البصخة تقليد رسولى ... يقول المؤرخ كارنجتون Carrington فى تاريخه للقرن الأول المسيحى [كانت هناك عادة سنوية لحفظ ‹ص ٣٤٥› البصخة فى صورتها المسيحية ... وهناك أدلة غير مباشرة على ذلك فى العهد الجديد. والإشارات الواردة فى الرسالة الأولى إلى كورنثوس عن الفصح، ومصادر أخرى كثيرة، تحملنا على الاعتقاد أنه كان هناك إهتمام كبير بها. والأناجيل ورسالة بطرس الأولى، ورسالة اكليمنضس الرومانى — بصور مختلفة — تؤيد هذا الأعتقاد]٢٤٩.

٩ - الأعياد المسيحية:

يصعب تحديد الأعياد المسيحية التى إحتفلت بها الكنيسة فى العصر الرسولى. لكن يبدو أن معظم الأعياد المسيحية كانت تحويلاً لأعياد يهودية. لكن الشىء المؤكد أن الكنيسة إحتفلت بعيدى القيامة والخمسين ... الأول لقيامة رب المجد يسوع، والثانى لحلول الروح القدس وتأسيس الكنيسة ... ولا غرابة فى ذلك، فالمسيح المصلوب والقائم من بين الأموات والحى فى الكنيسة، كان هو الفكر الذى استغرق فيه المسيحيون الأوائل، وكان موضوع تأملهم ... وعلى نحو ما استبدلوا السبت بالأحد، هكذا استبدلوا عيدى العهد القديم الكبيرين — الفصح والحصاد — ليصبحا عيدى القيامة والعنصرة (الخمسين)٢٥٠ ... وقد وردت إشارات كثيرة عنهما فى سفر الأعمال والرسائل٢٥١.

١٠ - الصلاة على الراقدين:

من المؤكد أن الكنيسة فى عصر الرسل مارست طقساً خاصاً بالصلاة على ‹ص ٣٤٦› الراقدين٢٥٢. وبدأ المؤمنون فى البيئات الوثنية — كبلاد اليونان وآسيا الصغرى — يدفنون موتاهم، بعد أن كانوا يحرقون أجسادهم ... ومما شجع على الاهتمام بأجساد القديسين والصلاة عنها، العقيدة المسيحية الخاصة بقيامة الراقدين والحياة الأخرى. بعد موت إستفانوس رئيس الشمامسة، حمل رجال أتقياء جسده، وعملوا عليه مناحة عظيمة (أع٨: ٢) ... وقد صار هذا تقليداً متبعاً فى كل الكنيسة منذ ذلك الوقت. ويرجح أن الطقس الجنائزى كان يتألف من صلوات عن نفس المنتقل وعظات٢٥٢. على أن هذه الصلوات الجنائزية لم تكن مجرد طقوس إحتفالية، بل مارستها الكنيسة إيماناً منها بنفعها من أجل راحة أنفس المنتقلين، الذين عاشوا حياة مقدسة، لكن «لحقهم توان أو تفريط كبشر» ... فالكنيسة تصلى من أجل الهفوات والشهوات، أو بتعبير يوحنا الرسول، تصلى من أجل مَنْ لم يخطئوا خطايا مميتة «موجبة للموت» (١يو٥: ١٦). وهذا النص الذى أورده يوحنا هنا خاص بأنفس المنتقلين، ولا يمكن أن يكون خاصاً بمَنْ لايزالون أحياء٢٥٣ ... فالكنيسة — بلسان القديس بولس تأمر بنيها بالصلاة لأجل جميع الناس (انظر ١تى٢: ١-٣).

وهكذا أيضاً طلب القديس بولس الرحمة لنفس انيسيفورس «ليعطه الرب أن يجد رحمة من الرب فى ذلك اليوم» (٢تى١: ١٨). وكل الأدلة تدل على أن انيسيفورس كان قد مات فى ذلك الوقت ... وكون القديس بولس يطلب له رحمة من الرب فى ذلك اليوم، معناه أن الصلاة تفيد الراقدين الذين قضوا حياتهم فى عيشة مقدسة مع الرب٢٥٤.

صورة للعماد

رسم على إحدى المقابر بسراديب روما — ويلاحظ إتمام السر بالتغطيس

رسم نوح يخرج من الفلك فى إحدى المقابر لسراديب روما. وكان رمزاً للمعمودية (١بط٣: ٢٠، ٢١).

  1. ‹ص ٢٦٢› (١) Rawson Lumby; The History of The Creeds, pp. 1-11. انظر: تفسير المؤرخ روفينوس لقانون إيمان الرسل — وقد أشرنا إليه فى موضع آخر فى هذا الفصل.
  2. ‹ص ٢٦٢› (٢) The Incarnation of the Son of God, pp. 93, 94.
  3. ‹ص ٢٦٣› (٣) انظر: رو ١٦: ١٧، ١٨؛ غل ١: ٦-٩؛ كو ٢: ٤، ٨؛ تى ٣: ١٠؛ عب ١٣: ١٩؛ ٢بط٢: ١؛ ١يو٤: ١.
  4. ‹ص ٢٦٣› (٤) Ignatius: phild, 2.3.6; Smyrn., 4.5.6; Eph., 16; Trall., 6,11.
  5. ‹ص ٢٦٣› (٥) Polycarp, Phil., 7.
  6. ‹ص ٢٦٥› (٦) The History of the Creeds; p. 7.
  7. ‹ص ٢٦٥› (٧) Eph., 7.
  8. ‹ص ٢٦٥› (٨) Trall., 9.
  9. ‹ص ٢٦٥› (٩) Smyrn., 1.
  10. ‹ص ٢٦٥› (١٠) Phil., 7.
  11. ‹ص ٢٦٥› (١١) 1 Apol. 33.
  12. ‹ص ٢٦٥› (١٢) Dial., 43.
  13. ‹ص ٢٦٧› (١٣) اللفظ لا علاقة له بالرسم والتصوير. اللفظ اليونانى Prographo ومعناه يُشهر أو يُعلن.
  14. ‹ص ٢٦٧› (١٤) Eph. 18.1
  15. ‹ص ٢٦٧› (١٥) Trall., 1.2; phild., 3.1.
  16. ‹ص ٢٦٧› (١٦) Phil., 7.1.
  17. ‹ص ٢٦٧› (١٧) Dial. Chs. 55, 86, 89-91.
  18. ‹ص ٢٦٧› (١٨) The Ep. of Barnabas; Ch. 11.
  19. ‹ص ٢٦٨› (١٩) Wuest; Studies in the Vocabulary of the greek N.T.; pp. 132-139.
  20. ‹ص ٢٦٨› (٢٠) Torrance; The Doctrine of grace in the Apostolic Fathers; pp. 20,21.
  21. ‹ص ٢٧٠› (٢١) المقصود بالأعمال هنا، أعمال البشر السابقة للفداء.
  22. ‹ص ٢٧٠› (٢٢) انظر: أف ١: ٤-٦؛ ٢تى ١: ٩؛ رؤ٢١: ٦؛ ٢٢: ١٧.
  23. ‹ص ٢٧١› (٢٣) الأنبا غريغوريوس: مفهوم الخلاص فى الكنيسة الأرثوذكسية — محاضرة فى مؤتمر خريجى الكلية الإكليريكية فى الفترة من ٦ إلى ٩ فبراير سنة ١٩٦٧.
  24. ‹ص ٢٧٢› (٢٤) Weiss, Earliest Christianity, Vol. 1, pp. 94-96.
  25. ‹ص ٢٧٢› (٢٥) انظر: أع ٣: ١٥؛ ٤: ١٠؛ ٥: ٣٠-٣٢.
  26. ‹ص ٢٧٣› (٢٦) The History of Creeds; p. 7.
  27. ‹ص ٢٧٣› (٢٧) Clement of Rome, Ep. to the Corinthians, Chs. 16, 24.
  28. ‹ص ٢٧٣› (٢٨) Mag., 11; Tral. 1,2,9; Phild., Chs. 6,8, Smyrn. Chs. 1,6,7.
  29. ‹ص ٢٧٣› (٢٩) Ch. 2.
  30. ‹ص ٢٧٣› (٣٠) 1 Apol., Chs. 13, 31, 35, 50.
  31. ‹ص ٢٧٣› (٣١) Dial., Chs. 54, 95-110.
  32. ‹ص ٢٧٣› (٣٢) Ch. 19.
  33. ‹ص ٢٧٤› (٣٣) نحن لا نثبت هنا لاهوت المسيح من العهد القديم أو من كلام السيد المسيح الوارد فى الأناجيل، بل من كتابات الآباء الرسل والآباء الرسوليين فقط. لأن قصدنا هو إظهار عقيدة كنيسة الرسل فيما يختص بشخص المسيح.
  34. ‹ص ٢٧٥› (٣٤) The Divinity of Our Lord; p. 377.
  35. ‹ص ٢٧٥› (٣٥) هكذا فى القبطية ⲉⲧⲧⲱⲃϩ ⲙ̀ⲡⲉⲕⲣⲁⲛ؛ ⲛ̀ⲛⲏⲉⲧⲧⲱⲃϩ ⲙ̀ⲡⲁⲓⲣⲁⲛ بمعنى صلى أو طلب وتضرع.
  36. ‹ص ٢٧٥› (٣٦) هكذا فى القبطية ⲉⲕⲧⲱⲃϩ ⲙ̀ⲡⲉϥⲣⲁⲛ
  37. ‹ص ٢٧٥› (٣٧) لا جدال فى أن هذا التعبير معناه الصلاة — انظر: Hastings, Dictionary of the Bible, p. 744.
  38. ‹ص ٢٧٧› (٣٨) Rom. 4. 3.
  39. ‹ص ٢٧٧› (٣٩) Mart. St. Polyc. ch. 14.
  40. ‹ص ٢٧٧› (٤٠) Martyrdom of Polycarp; ch. 17.
  41. ‹ص ٢٧٧› (٤١) Justin; 1, Apol., 6. 17.
  42. ‹ص ٢٧٨› (٤٢) Justin; Dial., ch. 68.
  43. ‹ص ٢٧٨› (٤٣) يؤكد كثير من العلماء صحة نسبتها إليه — انظر: A.N.F., Vol. 7; pp. 537, 538.
  44. ‹ص ٢٧٨› (٤٤) A.N.F., Vol 7; p. 555.
  45. ‹ص ٢٧٨› (٤٥) H.E., 5, 28, 5.
  46. ‹ص ٢٧٩› (٤٦) Contra Celsus; 8, 67.
  47. ‹ص ٢٧٩› (٤٧) The Divinity of Our Lord; pp. 394, 395. مازالت هذه الففرة فى تسبحة الملائكة ضمن صلاة باكر المستخدمة فى الكنيسة حتى الآن.
  48. ‹ص ٢٧٩› (٤٨) Documents of the Christian church, pp. 4, 5.
  49. ‹ص ٢٨٠› (٤٩) موضوع الصخرة موضوع جدير بالملاحظة والتأمل، خصوصاً بعد أن كشف معلمنا بولس أن «الصخرة كانت المسيح». فحينما طلب موسى أن يرى مجد الله، أمره الرب أن يقف على صخرة (خر٣٣: ١٨-٢٣). هل فى ذلك إشارة إلى أنه لن يرى الله إلاَّ مَنْ يقف على الصخرة أى يكون على أساس المسيح؟! انظر وتأمل فى (مز١٠٥: ٤١؛ ١١٤: ٨) بعد ربط الصخرة بالنهر والمياه والينابيع ...
  50. ‹ص ٢٨١› (٥٠) انظر: يع ٥: ٤، ٧، ٨، ١٠، ١١، ١٤، ١٥؛ ٢: ١.
  51. ‹ص ٢٨١› (٥١) الأستاذ السابق للغة العهد الجديد اليونانية بمعهد مودى للكتاب المقدس فى شيكاغو.
  52. ‹ص ٢٨٢› (٥٢) Wuest; philippians in the Yreek N.T.; pp. 62;65.
  53. ‹ص ٢٨٣› (٥٣) Wuest; Colossians in the Yreek N.T.; pp. 181-183.
  54. ‹ص ٢٨٣› (٥٤) كلمة «يحل» فى النص اليونانى الأصلى يفيد عنصر الدوام والاستمرار ولا يعنى الحلول المؤقت.
  55. ‹ص ٢٨٦› (٥٥) Corinthians, 7. 4.
  56. ‹ص ٢٨٦› (٥٦) Corinthians, 12. 7.
  57. ‹ص ٢٨٦› (٥٧) Corinthians, 21, 6.
  58. ‹ص ٢٨٦› (٥٨) Corinthians, 36. 1.
  59. ‹ص ٢٨٦› (٥٩) Eph., 7. 2.
  60. ‹ص ٢٨٦› (٦٠) Eph., 18. 2.
  61. ‹ص ٢٨٦› (٦١) Rom., 3. 3.
  62. ‹ص ٢٨٦› (٦٢) Smyrn., 1.
  63. ‹ص ٢٨٧› (٦٣) Polyc., 8.3; Smyrn., 3.1. f; cf. 2. 1; Tarll. 9. 2; Rom. 7. 3.
  64. ‹ص ٢٨٧› (٦٤) Eph., 15.
  65. ‹ص ٢٨٧› (٦٥) Magn., 6. دانيال ٢: ٤٤؛ ٧: ١٤، ٢٧؛ لو ١: ٣٣
  66. ‹ص ٢٨٧› (٦٦) Eph., 20. 2.
  67. ‹ص ٢٨٧› (٦٧) Magn., 7. 2.
  68. ‹ص ٢٨٧› (٦٨) Magn., 1. 2; Trall. 2. 2; cf. Phild. 4. 1; 7. 2; 8. 1; 9. 1; Polc. 1. 2; 5. 2; Magn. 13. 2; 7. 1. f; Smyrn., 3.3; Eph. 3, 2; 5: 1.
  69. ‹ص ٢٨٨› (٦٩) Eph., 1. 1.
  70. ‹ص ٢٨٨› (٧٠) Eph., 7.2; 18.2; Rom., 3.3; Smyrn., 1.1; - cf., Polc., 2.2; 8.3; Rom., 6.3; 7.3; Eph., 1.1.
  71. ‹ص ٢٨٨› (٧١) Torrance; The Doctrine of grace in the Apostolic Fathers; pp. 57, 58.
  72. ‹ص ٢٨٨› (٧٢) Smyrn., 6. 1.
  73. ‹ص ٢٨٨› (٧٣) المسيحية ديانة توحيدية — انظر: مت١٩: ١٧؛ مر١٢: ١٩؛ ٣٢؛ يو١٧: ٣؛ أع١٠: ٣٦؛ رو٣: ٣٠؛ ١٠: ١٢؛ ١كو٨: ٤، ٦؛ ١٢: ٦؛ غل٣: ٢٠؛ أف٤: ٦؛ ١تس١: ٩؛ ١تى٢: ٥؛ رؤ١: ٨، ١٧؛ ٢٢: ١٣.
  74. ‹ص ٢٨٩› (٧٤) Didache; ch. 7. 1, 3.
  75. ‹ص ٢٨٩› (٧٥) A.N.F.; p. 537.
  76. ‹ص ٢٩٠› (٧٦) Eph., 21; Trall., 13; Phild., 11; Smyrn., 13; Polyc., 8.
  77. ‹ص ٢٩٠› (٧٧) The Martyrdom of Polycarp; Ch. 22.
  78. ‹ص ٢٩٠› (٧٨) 1 Apol. chs. 6, 63 - 65.
  79. ‹ص ٢٩٠› (٧٩) Theophilus to Autolycus, B. 2, ch. 15.
  80. ‹ص ٢٩٠› (٨٠) الآب كلمة سريانية معناها الأصل أو الوجود أو الكيان الإلهى.
  81. ‹ص ٢٩٠› (٨١) أنبا غريغوريوس: الواحد فى الثالوث (مذكرات لطلبة الكلية الإكليريكية).
  82. ‹ص ٢٩٠› (٨٢) انظر كتاب «الخلاص فى المفهوم الأرثوذكسى» لنيافة الأنبا شنوده.
  83. ‹ص ٢٩١› (٨٣) De Pressensé, Vol. 1. p. 223.
  84. ‹ص ٢٩١› (٨٤) Schaff; Vol. 1; pp. 517 - 525.
  85. ‹ص ٢٩١› (٨٥) فى مقدمته للعهد الجديد طبعة سنة ١٥٢٤ انظر: Schaff, Vol. 1, p. 521.
  86. ‹ص ٢٩٢› (٨٦) نلاحظ أن هذه هى نفس كلمات يوحنا المعمدان (مت٣: ١٠) ... ومعنى هذا، أنه لا خلاف فى هذه العقيدة بالذات بل هى لازمة فى كل زمان، وتحت ظل أية شريعة دينية.
  87. ‹ص ٢٩٣› (٨٧) فى الأصل اليونانى hupomoné ومعناها الثبات والمثابرة. ولذا فقد وردت فى الترجمة الإنجليزية by patient continuance والمعنى الثبات والمثابرة فى العمل الصالح.
  88. ‹ص ٢٩٤› (٨٨) فى الأصل اليونانى diabainö، ومعناها «يؤكد بقوة».
  89. ‹ص ٢٩٤› (٨٩) يعلق القديس يوحنا الذهبى فمه على كلمة «نسلك» فيقول [لا يجب علينا مجرد البدء فقط، بل يجب علينا أن «نسلك فيها». فنحن فى حاجة إلى فضيلة دائمة، تستمر إلى يوم وفاتنا] on the Ephesians, Hom. 4.
  90. ‹ص ٢٩٧› (٩٠) هكذا فى الترجمة اللاتينية الشائعة للقديس إيرونيموس. وكذلك فى الترجمة القبطية.
  91. ‹ص ٢٩٧› (٩١) انظر: ١بط١: ١٣-١٦؛ ٢: ١١، ١٢؛ ٣: ٢، ١٢.
  92. ‹ص ٢٩٧› (٩٢) الفعل اليونانى Poieö، ويقصد به الأعمال والممارسات المتعددة.
  93. ‹ص ٢٩٨› (٩٣) Torrance; The Doctrine of grace in the Apostolic Fathers; p. 55.
  94. ‹ص ٢٩٨› (٩٤) Didachê; 5. 2.
  95. ‹ص ٢٩٨› (٩٥) Didachê, 16. 2. — يعلق أحد علماء اللاهوت البروتستانت على هذه العبارة بقوله: «لم تقبل الكنيسة الأولى بوجه عام الاعتقاد بعدم وجود مغفرة بعد العماد. لكن يبدو أنها أتت بسرعة إلى الاعتقاد أنه لا يوجد غفران مجانى بعد العماد. لقد ارتدت إلى الإنسان الطبيعى الذى يؤمن أنه يخلص بالأعمال الصالحة. وفى نفس الوقت عرف على وجه الخصوص أن الجهود البشرية تحتاج إلى معونة إلهية وأن التوبة والغفران لا غنى عنهما» (Moody; The childhood of the Church; p. 76.).
  96. ‹ص ٢٩٨› (٩٦) Clement; 1 Corinthians, ch. 62.
  97. ‹ص ٢٩٩› (٩٧) Clement; 1 Corinthians, 30. 3. Cf. 33.8; 32.3; 58.2; 59.1, 35.3.
  98. ‹ص ٢٩٩› (٩٨) Clement; 1 Corinthians, 33. 7.
  99. ‹ص ٢٩٩› (٩٩) Clement; 1 Corinthians, 7.4.
  100. ‹ص ٢٩٩› (١٠٠) The Doctrine of grace; p. 54.
  101. ‹ص ٢٩٩› (١٠١) The Doctrine of grace in the Apostolic Fathers, pp. 67-70.
  102. ‹ص ٢٩٩› (١٠٢) Eph. 14. 2.
  103. ‹ص ٣٠٠› (١٠٣) Trall., 13. 3.
  104. ‹ص ٣٠٠› (١٠٤) Eph., 3. 1. — لنلاحظ إتضاع هذا العملاق الروحانى. أن كلامه فى هذه العبارة، وسابقتها، تجسيد لكلمات القديس بولس: «تمموا خلاصكم بخوف ورعدة» (فى٢: ١٢) ... أين هذا الكلام من اعتداد مَنْ يقول فى كبرياء «أنا خلصت»!!
  105. ‹ص ٣٠٠› (١٠٥) Eph., 11. 1.
  106. ‹ص ٣٠٠› (١٠٦) Smyrn., 6.2.
  107. ‹ص ٣٠٠› (١٠٧) Doctrine of grace in the Apostolic Fathers; p. 93.
  108. ‹ص ٣٠٠› (١٠٨) Phil., 7.2.
  109. ‹ص ٣٠٠› (١٠٩) Phil., 2. 2.
  110. ‹ص ٣٠١› (١١٠) Phil., 8. 1.
  111. ‹ص ٣٠١› (١١١) انظر: سمعان سليدس؛ الصلاة عن المنتقلين ص ٤ — ٣١.
  112. ‹ص ٣٠٢› (١١٢) انظر: ٢تى١: ١٠، ١٢؛ ٤: ١، ٨؛ أع١٠: ٤٢؛ ١تس٤: ١٤، ١٦.
  113. ‹ص ٣٠٢› (١١٣) انظر: أع١٧: ٣١؛ ٢٣: ٦؛ ٢٤: ١٥، ٢٥؛ ٢٦: ٢٢، ٢٣.
  114. ‹ص ٣٠٣› (١١٤) يشير معلمنا بولس إلى قانون الإيمان هذا فى (رو٦: ١٧؛ غل٦: ١٦). انظر أيضاً: Rufinus; Acommentary on the Apostles' Creed (N.P.N.F., series 2) Vol. 3, pp. 541-563. Rawson Lumby; The History of the Creeds, pp. 1-11. Documents of the Christion Church, pp. 33, 34.
  115. ‹ص ٣٠٣› (١١٥) Apost. Const. B. 5, ch. 7.
  116. ‹ص ٣٠٣› (١١٦) Clement, 1 Corinthians, ch. 24.
  117. ‹ص ٣٠٣› (١١٧) Phil., 7. 1.
  118. ‹ص ٣٠٣› (١١٨) Fragments of the Lost work of Justin Martyr on the Resurrection A.N.F.) Vol. 1, pp. 294-299.
  119. ‹ص ٣٠٤› (١١٩) فى اللغأت الأخرى — غير العربية — لكل من هذين المعنيين لفظ خاظ فالتقليد بمعنى المحاكاة فى الإنجليزية والفرنسية imitation والتقليد بالمعنى الكنسى tradition. وفى اليونانية Paradocis وهى نفسها فى القبطية.
  120. ‹ص ٣٠٤› (١٢٠) Carrington; Vol. 1, pp. 51, 210, 273; Schaff, Vol. 1, p. 571.
  121. ‹ص ٣٠٥› (١٢١) انظر ١كو٥: ١؛ ٧: ١؛ ٨: ١؛ ١١: ١٨؛ ١٥: ١٢؛ ١٦: ١؛ غل١: ٦، ٧ ... إلخ.
  122. ‹ص ٣٠٥› (١٢٢) H.E. 3, 24, 3; De Pressensé; Vol. 1, pp. 217, 218.
  123. ‹ص ٣٠٦› (١٢٣) انظر مر١: ١٥؛ ١٣: ١٠؛ ١٤: ٩؛ ١٦: ١٥؛ رو٢: ١٦: ١٦؛ ٢٥؛ غل٢: ٢؛ كو١: ٢٣؛ ١تس٢: ٩. — انظر أيضاً: Hastings; Dictionary of the Bible, p. 304.
  124. ‹ص ٣٠٧› (١٢٤) لفظ «تقليد وتقاليد» فى هذه الآيات، ورد فى الترجمة العربية البيروتية البروتستانتية المتداولة «تعليم وتعاليم» وهى ترجمة خاطئة للكلمة، وقد وردت تقليد وتقاليد فى اليونانية واللاتينية والقبطية واللغات الحديثة ... والعجيب أن مترجمى الترجمة العربية، ترجموا نفس الكلمة اليونانية الواردة فى (مت١٥: ٦) بكلمة «تقليد». وذلك فى الموقف الذى يذم فيه السيد المسيح تقليد الكتبة والفريسيين!
  125. ‹ص ٣٠٨› (١٢٥) Daniélou, Vol. 1, pp. 68, 69.
  126. ‹ص ٣٠٨› (١٢٦) H.E. 3, 36,4.
  127. ‹ص ٣٠٩› (١٢٧) Fargments of Papias, ch. 1 (A.N.F., Vol. 1, p. 153); Eusebius H.E. 3, 39.
  128. ‹ص ٣٠٩› (١٢٨) De Pressensé, Vol. 1; pp. 218, 219.
  129. ‹ص ٣٠٩› (١٢٩) Phil., 7.
  130. ‹ص ٣١٠› (١٣٠) Trall., 2. 3.
  131. ‹ص ٣١١› (١٣١) ومن الأمثلة التى سارت الكنيسة على نهجها أنه فى شريعة خروف الفصح أمر الرب شعبه أن يأكلوه بعجلة وأحقاؤهم مشدودة وأحذيتهم فى أرجلهم وعصيهم فى أيديهم (خر١٢: ١١). لكن اليهود بعد حصولهم على الراحة بدخولهم أرض الميعاد غيروا أسلوبهم فى أكل خروف الفصح تدليلاً على وصولهم إلى الراحة. فكانوا يأكلونه وهم متكئين. وهكذا مارسه السيد المسيح (مت٢٦: ٢٠؛ مر١٤: ١٨؛ لو٢٢: ١٤) ... هكذا نرى أن هذا الإجراء من جانب الكنيسة هو أمر مشروع.
  132. ‹ص ٣١٢› (١٣٢) هذه هى الترجمة الدقيقة للآية — يخلص وليس خلص كما فى الترجمة البيروتية البروتستانتية، هكذا فى الأصل اليونانى والترجمة القبطية وفى الترجمة اللاتينية القديمة وكل الترجمات.
  133. ‹ص ٣١٢› (١٣٣) انظر هذا الموضوع فى الفصل الخاص بعقيدة الخلاص بالإيمان والأعمال.
  134. ‹ص ٣١٢› (١٣٤) انظر: يو٣: ٣، ٧؛ تى٣: ٥؛ يع١: ١٨؛ ١بط١: ٣؛ ٤، ٢٣.
  135. ‹ص ٣١٢› (١٣٥) أع٢: ٣٨؛ ٢٢: ١٦؛ ١كو٦: ١١؛ أف٥: ٢٦؛ تى٣: ٥؛ عب١٠: ٢٢؛ ١بط٣: ٢١.
  136. ‹ص ٣١٢› (١٣٦) Justin Martyr; 1 Apol.; 61.
  137. ‹ص ٣١٢› (١٣٧) Didachê, 7; Justin, 1 Apol.; 65.
  138. ‹ص ٣١٣› (١٣٨) انظر: أع٨: ٢٦؛ ٩: ١٠، ١١؛ ١٠: ١٩، ٢٠.
  139. ‹ص ٣١٣› (١٣٩) Harnack; The Mission ..., p. 391.
  140. ‹ص ٣١٣› (١٤٠) Didachê; 7.
  141. ‹ص ٣١٣› (١٤١) Smyrn., 8.
  142. ‹ص ٣١٣› (١٤٢) Apos. Const., 8. 11.
  143. ‹ص ٣١٣› (١٤٣) Danielou; Vol. 1, p. 69.
  144. ‹ص ٣١٣› (١٤٤) Didachê, 7.
  145. ‹ص ٣١٤› (١٤٥) De pressense Vol. 1, p. 374; L'Eglise primitive, p. 367.
  146. ‹ص ٣١٤› (١٤٦) R. Lumby; The History of the Creeds; pp. 1-111; Documents of the christian church, pp. 33, 34.
  147. ‹ص ٣١٤› (١٤٧) Gore; The Incarnation of the Son of God; pp. 93, 94.
  148. ‹ص ٣١٤› (١٤٨) أع٨: ٣٨؛ كو٢: ١٢؛ رو٦: ٤؛ ١كو١٠: ١، ٢. — انظر أيضاً: Didachê, 7; Epistle of Barnabas. 11: Hermas, Similitude, 9, 16; Dictionary of christian, Antiquitus, Vol. 1, p. 161; De Pressensé, Vol 1, p. 374; Hill, pp. 351 - 355. Schaff; Vol. 1, pp. 468, 469.
  149. ‹ص ٣١٤› (١٤٩) Les Premiers Chretiens, p. 82. C.F. Liddon; The Divinity of our Lord p. 332.
  150. ‹ص ٣١٥› (١٥٠) Dictionary of christian Biography, Vol. 1, p. 163.
  151. ‹ص ٣١٥› (١٥١) Justin, 1 Apol. 79.
  152. ‹ص ٣١٥› (١٥٢) Dictionary of christian Antiquities, Vol. 1, pp. 169-170; Fisher, pp. 565,566; Daniélou, p. 161, Schaff, Vol. 1, pp. 469-471.
  153. ‹ص ٣١٥› (١٥٣) Against Heresies, 2. 39.
  154. ‹ص ٣١٥› (١٥٤) Origen; Hom., 8 on Leviticus, Hom. 19 on St. Luke; Comment. Romans, 5. 16.
  155. ‹ص ٣١٦› (١٥٥) مت٣: ١٦؛ مر١: ١٠؛ لو٣: ٢٢؛ يو١: ٣٢.
  156. ‹ص ٣١٦› (١٥٦) Schaff, Vol. 1, p. 471.
  157. ‹ص ٣١٦› (١٥٧) ميرون كلمة يونانية قبطية معناها دهن أو طيب — انظر: Daniélou; The Bible and the Liturgy, pp. 114, 115.
  158. ‹ص ٣١٧› (١٥٨) Theophilus to Autolycus, B. 1, Ch. 12.
  159. ‹ص ٣١٧› (١٥٩) أع٢: ٤٢، ٤٦؛ ٢٠: ٧-١١.
  160. ‹ص ٣١٧› (١٦٠) Didachê; 9: 10, 14.
  161. ‹ص ٣١٨› (١٦١) Didachê, 10. 6 — فى موضوع الافخارستيا، طبقت تعاليم الرسل قول الرب: «لا تعطوا القدس للكلاب» (مت٧: ٦) على غير المؤمنين، وأنهم يجب ألاَّ يتناولوا من الافخارستيا (Didachê, 9.5) — وهنا نلاحظ كيف تدعى الافخارستيا قدساً.
  162. ‹ص ٣١٩› (١٦٢) Rom., 7. 3.
  163. ‹ص ٣١٩› (١٦٣) Smyrn., 7.
  164. ‹ص ٣١٩› (١٦٤) Didachê, 14.
  165. ‹ص ٣١٩› (١٦٥) هذه الكلمات صدى لكلمات السيد المسيح الواردة فى العظة على الجبل (مت٥: ٢٣، ٢٤).
  166. ‹ص ٣١٩› (١٦٦) ملاخى ١: ١١، ١٤.
  167. ‹ص ٣١٩› (١٦٧) The Riddle of the Didache, pp. 4, 5.
  168. ‹ص ٣٢٠› (١٦٨) Dial., 117.
  169. ‹ص ٣٢٠› (١٦٩) Phild., 4.
  170. ‹ص ٣٢٠› (١٧٠) Didachê, 9. 4; Les Premiers Chrétiens, p. 85.
  171. ‹ص ٣٢٠› (١٧١) Leitzmann, pp. 150, 151.
  172. ‹ص ٣٢١› (١٧٢) هذا ما تردده الكنيسة فى صلوات القداس الإلهى، سواء ما يقوله الكاهن أو الشعب «... تبشرون بموتى وتعترفون بقيامتى وتذكروننى إلى أن أجىء» ...
  173. ‹ص ٣٢١› (١٧٣) مت٢٦: ٢٨؛ يو٦: ٥١، ٥٤، ٥٥، ٥٦، ٥٨. وهذا ما تعبر عنه الكنيسة فى القداس الإلهى ... «إجعلنا مستحقين كلنا يا سيدنا أن نتناول من قدساتك طهارة لأنفسنا وأجسادنا وأرواحنا».
  174. ‹ص ٣٢١› (١٧٤) 1 Apol., 66.
  175. ‹ص ٣٢١› (١٧٥) The Doctrine of grace in the Apostolic Fathers; p. 64. أليس هذا هو نفس المعنى الذى رمى إليه القديس بولس بتشبيهه المؤمن بغصن زيتونة برية، طعم فى الزيتونة الجيدة ربنا يسوع المسيح، وهكذا يصير شريكاً فى أصل الزيتونة ودسمها (رو١١: ١٧، ٢٤).
  176. ‹ص ٣٢٢› (١٧٦) 1 Apol. 65, 67.
  177. ‹ص ٣٢٢› (١٧٧) Eph., 5.
  178. ‹ص ٣٢٣› (١٧٨) Didaché, 4. 14.
  179. ‹ص ٣٢٣› (١٧٩) Didaché; 14. 1.
  180. ‹ص ٣٢٣› (١٨٠) يقول السيد المسيح: «إن أخطأ إليك أخوك فاذهب وعاتبه بينك وبينه وحدكما. إن سمع منك فقد ربحت أخاك ... وإن لم يسمع منهم فقل للكنيسة» (مت١٨: ١٧) — والمقصود بالكنيسة هنا كهنة الكنيسة.
  181. ‹ص ٣٢٤› (١٨١) 1 Corinthians, 51. 3.
  182. ‹ص ٣٢٤› (١٨٢) Phild; 8. 1.
  183. ‹ص ٣٢٤› (١٨٣) Torrance; The Doctrine of grace in the Apostolic Fathers; pp. 77, 78.
  184. ‹ص ٣٢٤› (١٨٤) Cictionary of christian Antiquities, Vol. II, p. 2004.
  185. ‹ص ٣٢٥› (١٨٥) موسهيم: كتاب ١ قرن ١ قسم ٢ فصل ٤ ..
  186. ‹ص ٣٢٥› (١٨٦) تك١: ٢٧، ٢٨؛ ٩: ١.
  187. ‹ص ٣٢٦› (١٨٧) Polyc., 5.
  188. ‹ص ٣٢٦› (١٨٨) قال الرب يسوع لتلاميذه قبيل صعوده «كما أرسلنى الآب أرسلكم أنا. ولما قال هذا نفخ وقال لهم اقبلوا الروح القدس. مَنْ غفرتم خطاياه تغفر له. ومَنْ أمسكتم خطاياه أمسكت» (يو٢٠: ٢١، ٢٢) ... هذه النفخة اقتبل بها الرسل الروح القدس — لا للإمتلاء — بل كسلطان كهنوتى لهم. أما حلول الروح القدس عليهم وامتلاؤهم منه، فقد تم يوم الخمسين.
  189. ‹ص ٣٢٦› (١٨٩) هكذا فى النصين اليونانى واللاتينى. والكلمة المترجمة «خادماً» ليست diakonos بل leitourgos — وتعنى الخادم الذى يخدم خدمة الليتورجية أى خدمة الذبيحة والقداس. والكلمة المترجمة «خدمة إنجيل الله» هى leitourgeo وهى خدمة الكهنوت. انظر: (Wuest; Romans in the greek N.T., p. 249)
  190. ‹ص ٣٢٧› (١٩٠) Didaché, 13 — انظر هامش ص ٣٨١ من مجموعة (A.N.F., Vol. 7)
  191. ‹ص ٣٢٧› (١٩١) الأصلح أن تترجم «رسما لهم» أو «شرطنا لهم» ...
  192. ‹ص ٣٢٧› (١٩٢) Liddell and scott's greek — English Lexicon.
  193. ‹ص ٣٢٨› (١٩٤) Didaché, 15 — انظر هامش ص ٣٨١ من مجموعة (A.N.F., Vol. 7)
  194. ‹ص ٣٢٩› (١٩٥) The History of christianity in the light of Modern knowledge pp. 456, 457.
  195. ‹ص ٣٢٩› (١٩٦) 1 Corinthians, 44
  196. ‹ص ٣٢٩› (١٩٧) 1 Corinthians, 42.
  197. ‹ص ٣٣٠› (١٩٨) ٢كو١١: ٢؛ رؤ٢١: ٢؛ ٩؛ ٢٢: ١٧.
  198. ‹ص ٣٣٢› (١٩٩) المقصود هنا يوم الأحد المعروف، وليس يوم الدينونة الأخير، كما يحاول البعض تفسيره — يقول الأستاذ وست "Wuest" كان عبارة — يوم الرب — تعبيراً اصطلاحياً فى القرن الأول له معنى خاص، ولا يمكن تفسيره بمعنى آخر — انظر: Wuest, golden Nuggets from the greek N.T., pp. 78, 79.
  199. ‹ص ٣٣٢› (٢٠٠) Didaché, 14. 1.
  200. ‹ص ٣٣٢› (٢٠١) The Epistle of Barnabas; 15. 9.
  201. ‹ص ٣٣٢› (٢٠٢) 1 Apol., 67، وكلام يوستينوس فى غاية الوضوح، فهو يسميه يوم الشمس The day of the sun (sunday)
  202. ‹ص ٣٣٢› (٢٠٣) Daniélou, The Bible and the Liturgy, pp. 242, 243, 262.
  203. ‹ص ٣٣٢› (٢٠٤) كلمة آرامية معناها «تعالَ يا ربنا».
  204. ‹ص ٣٣٢› (٢٠٥) Leitzmann, A History of the Early church, pp. 68, 69.
  205. ‹ص ٣٣٣› (٢٠٦) Magn., 9. 1.
  206. ‹ص ٣٣٣› (٢٠٧) 1 Apol., 67.
  207. ‹ص ٣٣٣› (٢٠٨) Carrington, Vol. 1, p. 466.
  208. ‹ص ٣٣٤› (٢٠٩) انظر: رو١٦: ٥؛ ١كو١٦: ١٩.
  209. ‹ص ٣٣٤› (٢١٠) Dictionary of christian Antiquities, Vol. 1, p. 366; Schaff, Vol. 1, p. 475.
  210. ‹ص ٣٣٤› (٢١١) 1 Apol., 67.
  211. ‹ص ٣٣٤› (٢١٢) Didaché, chs. 8-10.
  212. ‹ص ٣٣٤› (٢١٣) انظر Didachê, 11 حيث يذكر الرسل باسم أنبياء.
  213. ‹ص ٣٣٥› (٢١٤) Daniélou, Vol. 1, p. 74.
  214. ‹ص ٣٣٥› (٢١٥) انظر: ١تس٥: ٢٧؛ كو٤: ١٦.
  215. ‹ص ٣٣٥› (٢١٦) See: Justin Martyr, 1 Apol., 65.
  216. ‹ص ٣٣٥› (٢١٧) Dial., 7.
  217. ‹ص ٣٣٦› (٢١٨) Epist. Barnabas, 1.7; See, Harnack, History of Dogma, Vol. 1, pp. 175 f.
  218. ‹ص ٣٣٦› (٢١٩) انظر: ١تس٥: ٢٧؛ كو٤: ١٦.
  219. ‹ص ٣٣٦› (٢٢٠) Schaff, Vol. 1, p. 462.
  220. ‹ص ٣٣٦› (٢٢١) Harnack, Missions, p. 156; De Pressensé, pp. 523, 524; Fisher, pp. 546-549.
  221. ‹ص ٣٣٧› (٢٢٢) Documents of the christian church, pp. 4, 5.
  222. ‹ص ٣٣٧› (٢٢٣) Hastings, Dictionary of the Bible, p. 556.
  223. ‹ص ٣٣٨› (٢٢٤) Smyrn., 8.2.
  224. ‹ص ٣٣٨› (٢٢٥) Ency. of Religion and Ethics, Vol. 1, pp. 171, 172.
  225. ‹ص ٣٣٨› (٢٢٦) يشير إلى قول السيد المسيح الوارد فى (مت١٨: ١٩، ٢٠).
  226. ‹ص ٣٣٨› (٢٢٧) Eph., 5.
  227. ‹ص ٣٣٩› (٢٢٨) Eph., 13.
  228. ‹ص ٣٣٩› (٢٢٩) انظر: ١تى٢: ٨؛ لو٢٢: ٤١؛ مت٢٦: ٣٩.
  229. ‹ص ٣٣٩› (٢٣٠) Dictionary of christian Antiquities, Vol. 1, p. 518; Vol. 2, p. 1684.
  230. ‹ص ٣٣٩› (٢٣١) كان الرجال فى اليهودية والوثنية على السواء، يصلون ورؤوسهم مغطاة كعلامة للتحرر. لكن كشف الرأس بالنسبة للرجال فى المسيحية إشارة إلى أن المسيح قد اعتقهم. انظر: Dictionary of chritstian Antiquities, Vol. 2, p. 1684.
  231. ‹ص ٣٣٩› (٢٣٢) Schaff, Vol. 1, p. 463; Harnack, History of Dogma, Vol. 1, pp. 332-334; Fisher, p. 567; Leitzmann, A History of the Early church, p. 65.
  232. ‹ص ٣٣٩› (٢٣٣) Didachê, 8.
  233. ‹ص ٣٤٠› (٢٣٤) Fisher; pp. 566-568.
  234. ‹ص ٣٤٠› (٢٣٥) Schaff; Vol. 1, p. 463; Leitzmann; pp. 148, 149.
  235. ‹ص ٣٤١› (٢٣٦) من أمثلتها الواضحة جداً والمتفق عليها بين العلماء ما جاء فى (أف٥: ١٤؛ ١تى٣: ١٦) وهذا نتيجة دراسة قام بها بعض العلماء لهذه النصوص فى اليونانية انظر ... Hill, p. 371; Schaff, Vol. 1, p. 464.
  236. ‹ص ٣٤١› (٢٣٧) Schaff, Vol. 1, pp. 463, 464; Leitzmann, pp. 148, 149.
  237. ‹ص ٣٤٢› (٢٣٨) Dictionary of christian Antiquities, Vol. 2, pp. 1895 - 1897.
  238. ‹ص ٣٤٢› (٢٣٩) Daniélou, Bible and Liturgy, p. 54.
  239. ‹ص ٣٤٢› (٢٤٠) ما عدا أيام الفرح كالأعياد السيدية والخماسين.
  240. ‹ص ٣٤٢› (٢٤١) فى تقليد اليهود أن موسى صعد إلى الجبل ليتسلم الشريعة يوم الاثنين وهبط من الجبل يوم الخميس. هكذا صلى الفريسى فى الهيكل «أصوم مرتين فى الأسبوع» (لو١٨: ١٢).
  241. ‹ص ٣٤٢› (٢٤٢) مازال هذا الاحساس موجوداً حتى اليوم. فالناس تتشاءم من القيام بالأعمال الهامة والخطيرة يوم الجمعة.
  242. ‹ص ٣٤٢› (٢٤٣) Didachê, 8. 1; Schaff, Vol. 1, pp. 479, 480; Hill, pp. 368-369; Leitzmann, pp. 66, 69.
  243. ‹ص ٣٤٣› (٢٤٤) Dictionary of christian Antiquities, Vol. 2, p. 972.
  244. ‹ص ٣٤٣› (٢٤٥) Eusebius, H.E., 5. 24. 12.
  245. ‹ص ٣٤٣› (٢٤٦) See, footnote, p. 243 (N.P.N.F., series 2, Vol. 1.).
  246. ‹ص ٣٤٤› (٢٤٧) Dictionary of christian Antiquities. Vol. 1, p. 972; Ency. of Religion and Ethics, Vol. 5, p. 766.
  247. ‹ص ٣٤٤› (٢٤٨) Apostolical Constitutions, 5. 13.
  248. ‹ص ٣٤٥› (٢٤٩) Ency. of Religion and Ethics, Vol. 5, p. 766; Dictionary of christian Antiquities, Vol. 1, p. 779; Schaff, Vol. 1, p. 480; Carrington, Vol. 1, pp. 466, 467.
  249. ‹ص ٣٤٥› (٢٥٠) Dictionary of christian Antiquuities, Vol. 1, pp. 669, 670; Schaff; Vol. 1, p. 480; Daniélou, Vol. 1, pp. 75, 76.
  250. ‹ص ٣٤٥› (٢٥١) انظر: أع١٨: ٢١؛ ٢٠: ٦، ١٦؛ ١كو٥: ٧، ٨؛ ١٦: ٨.
  251. ‹ص ٣٤٦› (٢٥٢) De Pressensé, Vol. 1, p. 381.
  252. ‹ص ٣٤٦› (٢٥٣) انظر: سمعان سليدس، الصلاة على المنتقلين ص ١٤٠ — ١٤٨.
  253. ‹ص ٣٤٦› (٢٥٤) انظر: ٢تى١: ١٦؛ ٤: ١٩. — Wuest, The Pastoral Epistles, p. 126.

From The Christian Church in the Apostolic Age by Anba Youannis, Bishop of Gharbiya (first published in 1971 under his monastic name, Fr Shenouda al-Suriani), third edition, May 1987, printed at the Anba Ruways offset press, Abbasiyya, Cairo.

يُنشر هذا النص بإذن من إيبارشية الغربية.

Published with the permission of the Diocese of Gharbiya.