← Books · The Christian Church in the Apostolic Age

الباب الرابع: الحياة المسيحية فى عصر الرسل

Christian life in the apostolic age: gifts, ministry, the priesthood and pastoral care

الباب الرابع

الحياة المسيحية فى عصر الرسل

  • قوة المسيحية الروحية.
  • الكنيسة والرعاية.
  • الخدام — الرعاية الإجتماعية — الرعاية الروحية والأدبية — التعليم.
  • بعض مبادىء مسيحية.
  • أسماء المؤمنين.

‹ص ١٧٨›

قوة المسيحية الروحية

ظهرت المسيحية على مسرح الحياة ديانة فائقة، تدعو لحياة جديدة روحية متميزة عن الحياة الفكرية والأدبية، بكونها حياة القداسة والسلام، وحياة الشركة مع الله والإتحاد به... إنها حياة خالدة، تبدأ بتجديد القلب، وتصل إلى ذروتها فى القيامة... هذه الحياة تمسك بزمام أعماق الإنسان، وتعتقه من سلطان الخطية، وتحضره فى وحدة حية مع الله فى المسيح... ومن هذه الأعماق هى تعمل كقوة مطهّرة مجدّدة، ومنظمة لكل قدرات الإنسان وعواطفه وإرادته وأفكاره، بل وحتى الجسد تحوله إلى هيكل للروح القدس...

والمسيحية تسمو فوق جميع الأديان فى نظرية الفضيلة والتقوى وممارستها، وتقدم أرفع مستوى لمحبة الله والإنسان. وليست هذه عقيدة مجردة، أو شيئاً صعب المنال نترجاه فقط، لكنها حقيقة حية فى الرب يسوع المسيح، الذى لحياته ومثاله وخلاصه، قوة وسلطان أكثر من كل قوانين ونواميس الحكماء والمشرّعين... فالأعمال تعلن عن ذاتها دوماً بصورة أقوى من مجرد الكلمات... إن شخصية السيد المسيح من المذود إلى الصليب هى بلا لوم... إنه فوق مستوى الخطية والشر «مَنْ منكم يبكتنى على خطية»... هذا ما اعترف به الأصدقاء والأعداء، إنه أطهر وأحكم إنسان ظهر على الأرض... قد تهبط الكنيسة المسيحية — كجماعة مؤمنين فقط — فى مستواها الروحى على أيدى بعض القادة الأشرار، لكن تبقى تعاليم وحياة مؤسسها قائمة دائماً، كمصدر للكمال، وينبوع للتطهير...

لم تستطيع أعظم أساليب الفكر والفلسفة أن تجدد العالم وتغلبه. لكن هذا ما فعله إنجيل المسيح، ومازال يعمله حتى الآن. لقد أجاز حكماء اليونان والرومان ألواناً من الشرور، وناقضوا مبادءهم بسلوكهم... واليهود — على الرغم من ‹ص ١٧٩› أنهم كانوا فى مستوى أرفع من مستوى الوثنيين من جهة الفضيلة — لكن أحداً من بطاركتهم أو أنبيائهم لم يصل إلى الكمال. ويروى الكتاب المقدس فى أمانة أخطاء هؤلاء جميعاً إلى جانب فضائلهم... أما المسيحية، فبلسان رسولها العظيم بولس تنادى منذرة كل إنسان، وتعلم كل إنسان بكل حكمة، لكى تحضر كل إنسان كاملاً فى المسيح يسوع (١ كو١: ٢٨).

الحياة المسيحية هى إقتداء بحياة المسيح... ومن كلمته وروحه الذى يعمل فى أسرار الكنيسة المقدسة، يتدفق سيل لم يتوقف من القوة المقدسة على الأفراد والأسرات والشعوب لنحو عشرين قرناً من الزمان... وسيظل الأمر على هذا النحو حتى يصبح الله الكل فى الكل... فكم من أشرار بلغوا عمق الرذيلة، رفعتهم المسيحية إلى علو الفضيلة. وكم من قتلة ولصوص وزناة وأشرار، تبدلت حياتهم بقوة المسيحية ونعمتها، وصاروا قديسين... لقد إستطاعت المسيحية بقوتها وفعالية نعمتها أن تحول الذئاب المفترسة إلى حملان وديعة.

والآن نعرض لبعض مظاهر قوة المسيحية الروحية:

المسيحية والفرد:

إن خطة المسيحية فى الاصلاح تبدأ دائماً من الداخل. والثورة الروحية والأدبية والفكرية الكبيرة التى أحدثتها فى العالم، كانت بدايتها فى النفس البشرية. فهدف المسيحية الأول أن يتغير الفرد، وعن طريقه تقوم بعملها فى تحويل الأسرة ثم المجتمع الكبير... لقد نظرت المسيحية إلى الفرد على أنه نواة الأسرة ونواة المجتمع المحلى، بل ونواة العالم الكبير. ومن ثم إهتمت بحياته وتجديدها، وجعلت منه الرافعة التى رفعت بها العالم القديم إلى سمو الفضيلة ١...

هكذا ظهرت فعالية المسيحية الروحية المجددة، أول ما ظهرت فى حياة الأفراد.

‹ص ١٨٠› وقد إرتفع الرسل والمسيحيون الأوائل إلى درجة من القداسة والفضيلة، أعلى بكثير مما أحرزه أبطال الفضيلة فى أية ديانة أخرى، بما فى ذلك اليهودية. كانت حياتهم اليومية شركة حية مع المسيح. وقدموا بسيرتهم نماذج من فضائل لم تكن معروفة فى كمالها قبل المسيحية، كالإتضاع ومحبة القريب، ومحبة الأعداء... لقد عاشوا حياة الكمال، وكانوا نوراً للعالم وملحاً للأرض. وكانوا أمناء فى حفظ وصية سيدهم المبارك، وأظهروه نوراً للعالم، إستضاء به كل الجالسين فى ظلمات الخطية والجهل... وقدموه بحياتهم صورة حية، فيما إصطلح العلماء على تسميته [الإنجيل غير المكتوب] ٢.

المسيحية والمرأة:

لم يكن تأثير المسيحية قاصراً على الرجال، بل تعداه إلى النساء... لقد رفعت المسيحية المرأة من مرتبتها الذليلة التى كانت عليها فى اليهودية والوثنية، إلى مكانة ممتازة ذات أهمية، فأضحت وارثة لنفس الخلاص مع الرجل (١بط٣: ٧؛ غل٣: ٢٨) وفتحت لها آفاقاً لأنبل الفضائل... لم يكن للمرأة فى العالم الوثنى وضع وسط. فإما الحبس الكامل الذى ينطوى على الكسل والبلادة، وإما الإنطلاق فى حياة الجسد والخلاعة... لكن المسيحية رفعت من قدرها وجعلتها عوناً للرجل ٣.

وتمثل العذراء مريم أم مخلصنا نقطة التحول فى تاريخ المرأة. فهى كأم للمسيح — آدم الثانى — تقابل حواء، وبالمفهوم الروحى أم كل حى، بحسب تعبير القديس إيريناوس... فيها وبها — وهى المباركة فى النساء — بورك كل جنسها، وأزيلت عنه اللعنة والعار... نرى فيها مثال الأنثى المسيحية فى الطهارة والرقة والبساطة والتواضع والطاعة الكاملة والتسليم لله بلا تحفظ...

‹ص ١٨١› وإلى جانب العذراء يقدم لنا الإنجيل مجموعة كبيرة من التلميذات والمحبات، إلتففن حول الرب وخلدت أسماؤهن... من بينهن مريم زوجة كلوبا، وسالومى أم يعقوب ويوحنا، ومريم ومرثا، ومريم المجدلية، والمرأة الخاطئة التى غسلت قدمى الرب بدموع توبتها، ومسحتهما بشعر رأسها... يضاف إليهن بعض النساء النبيلات خدمن ابن البشر بعواطفهن وأموالهن مدة حياته فى الجسد التى عاشها فى فقر على الأرض ٤. واجتمعن أخيراً حول الصليب، وكن أول مَنْ ولجن قبره فجر القيامة (لو٢٤: ١-١٠).

وفى الفترة بين القيامة وحلول الروح القدس، كانت إجتماعات الصلاة التى يعقدها الرسل فى علية صهيون، تواظب عليها النساء والعذراء مريم (أع١: ١٤)... بل إن هذه العلية التى أصبحت أول كنيسة مسيحية فى العالم، كانت فى بيت امرأة، وهى مريم أم يوحنا الملقب مرقس وهو كاروز بلادنا (أع١٢: ١٢)... ومنذ البداية، سمح للمرأة — فى حدود معينة — أن تشترك فى خدمة الكنيسة «لأن الرجل ليس من دون المرأة، ولا المرأة من دون الرجل فى الرب. لأنه كما أن المرأة هى من الرجل، هكذا الرجل أيضاً هو بالمرأة» (١ كو١١: ١١، ١٢)... وسنعود إلى معالجة هذا الموضوع.

المسيحية والزواج والأسرة:

من أجل وأنبل الأشياء التى خلقتها المسيحية، الأسرة. فالمسيحية برفعها المرأة، لمكانتها وحريتها الحقيقية، غيّرت وقدست حياة الأسرة كلها. فهى تحرم تعدد الزوجات، وتعتبر الزواج الواحد هو الوضع الإلهى السليم... إنها تدين نظام المحظيات بكل مظاهر عدم الطهارة والدنس، وتظهر الواجبات المشتركة للزوج والزوجة، وللآباء والابناء فى صورتها الحقيقية... فالزواج فى المسيحية — كما علمت عنه — هو عمل إلهى، وليس نتيجة لتطور تدريجى فى تاريخ البشر... ‹ص ١٨٢› «الذى خلق من البدء خلقهما ذكراً وأنثى... من أجل هذا يترك الرجل أباه وأمه ويلتصق بامرأته ويكون الاثنان جسداً واحداً. إذاً ليسا بعد اثنين بل جسد واحد، فالذى جمعه الله لا يفرقه إنسان» (مت١٩: ٤-٦).

لقد رفعت المسيحية الزواج إلى مرتبة السر المقدس «يكون الاثنان جسداً واحداً»، والله — فى سرّ الزواج — بروحه هو الذى يقوم بهذه المهمة... وقد أكد القديس بولس هذه الحقيقة، كما أوضح علاقة التعاطف بين الزوج وزوجته. وشبّه إتحاد الرجل بالمرأة فى سرّ الزواج، باتحاد المسيح بكنيسته (أف٥: ٢٨-٣٣)... ولدينا عينة مباركة من العصر الرسولى، أكيلا وبريسكلا، اللذان عاونا القديس بولس فى خدمته الكرازية (أع١٨: ٢، ٢٦).

وقد بدأت علاقة الوالدين بأولادهم طوراً جديداً بواسطة المسيحية... فحل الحب المسيحى محل قسوة الأب الرومانى. فالوالدون عليهم أن يحبوا أولادهم ولا يغيظوهم، وعلى الأولاد أن يطيعوا والديهم... لكنها علاقة غير قائمة على الخوف (أف٥: ١-٤).

والقديس بولس يظهر لنا المثال الحلو للأم المسيحية حينما يقول عنها إنها: «ستخلص بولادة الأولاد إن ثبتن فى الإيمان والمحبة والقداسة مع التعقل» (١تى٢: ١٥)... إنه يرى فى المرأة المسيحية، حوّاء التى تلد الذرية المباركة التى تسحق رأس الحية، والتى تنجب للعالم يوماً فيوماً خداماً لله، ينشرون عمل الخلاص ويتممونه. هؤلاء الأولاد تغذيهم الأم بالتعليم المسيحى... وهكذا تكون الأسرة المسيحية.

ويؤكد قدسية الزواج فى المسيحية ووضعه الإلهى، عدم الطلاق... وكان الطلاق فى العصر الرسولى أمراً شائعاً وشرعياً ومألوفاً، سواء بين الوثنيين أو اليهود... والرب يسوع نفسه هو واضع أساس هذه العقيدة... فلا طلاق إلاّ لعلة الزنا...

‹ص ١٨٣›

الزواج المختلط:

وهو من المشاكل التى واجهتها الكنيسة منذ عصرها الرسولى... ويقصد به أن يكون أحد الزوجين مسيحياً والآخر غير مسيحى (وثنى أو يهودى)... كان من الطبيعى أن يظهر هذا الموضوع كمشكلة منذ فجر المسيحية... ففيما يعرض الإيمان المسيحى، كان يحدث أن تؤمن الزوجة بالمسيحية مثلاً، ولا يؤمن رجلها، وقد يحدث العكس. وتبعاً لذلك فكر الطرف المتنصر أن يتحلل من رباط الزوجية، ظناً منه أنه أصبح فى وضع غير إلهى وغير مقدس...

لكن الكنيسة — بالنسبة لهذا الوضع الخاص ٥ — صرحت باستمرار هذا الزواج المختلط القائم فعلاً، واعتبرته مقدساً... ومن ناحية أخرى لم تصرح بأن يبدأ أحد أعضائها المؤمنين علاقة زوجية جديدة بزواج مختلط.

أثيرت هذه المشكلة فى كنيسة كورنثوس، وأرسل المؤمنون إلى القديس بولس، يطلبون رأيه... فكان جوابه بالنسبة للزواج القائم والسابق على الإيمان... «إن كان أخ له إمرأة غير مؤمنة وهى ترتضى أن تسكن معه فلا يتركها. والمرأة التى لها رجل غير مؤمن، وهو يرتضى أن يسكن معها فلا تتركه. لأن الرجل غير المؤمن مقدس فى المرأة، والمرأة غير المؤمنة مقدسة فى الرجل. وإلاّ فأولادكم نجسون. أما الآن فهم مقدسون» (١ كو٧: ١٢-١٤). وكانت الكنيسة تهدف بهذا التصريح، إلى خير أولادها واستقرارهم... يضاف إلى ذلك أن الكنيسة كانت واثقة من أن الطرف المؤمن فى مثل هذه الأسرة، قادر — بما له من إمكانيات روحية وأدبية — أن يجذب ويربح للمسيح الطرف الآخر غير المؤمن ٦.

كان هذا إستثناء بالنسبة لوضع خاص وقائم فعلاً كما أوضحنا... أما بالنسبة لبدء علاقة زوجية جديدة بزواج مختلط، فقد نهى عنه الرسول بولس فى نفس ‹ص ١٨٤› الموضع، وقال: «المرأة مرتبطة بالناموس مادام رجلها حياً. ولكن إن مات رجلها فهى حرة لكى تتزوج بمَنْ تريد فى الرب فقط» (١ كو٧: ٣٩)... وعبارة «فى الرب فقط»، تعنى أن يكون مسيحياً ٧... هكذا فهم وعلم آباء الكنيسة ومعلميها منذ تاريخها المبكر... وهكذا سارت الكنيسة على هدى هذا التشريع منذ عصرها الرسولى ٨.

المسيحية والتبتل:

منذ عصر الرسل، ظهرت رغبة ملحة لدى المسيحيين لحياة التبتل، وملكت عليهم شهوة عارمة لهذا اللون من الحياة... وقد أضرم هذه الشهوة المقدسة فيهم كلمات السيد المسيح عن التبتل، وسموهم الروحى الذى جعلهم فوق الجسد، وزهدهم فى العالميات... لقد أظهر السيد المسيح سمو البتولية وقدسيتها، ورفعها إلى درجة العطية الروحية (مت١٩: ١٠-١٢)، وأوضح أنها تشبه بحياة الملائكة (مت٢٢: ٣٠؛ لو٢٠: ٣٥).

أما القديس بولس فتحدث عن البتولية حديثاً فياضاً، بيّن فيه سموها وبركاتها، بل لقد روج لها وتمنى لو صار الجميع مثله بتوليين (١ كو٧: ٨، ٣٢، ٣٣، ٣٨).

ونلاحظ أن كلام بولس الرسول عن البتولية كان إجابة على سؤال وجهته إليه كنيسة كورنثوس بخصوص البتولية والزواج (١ كو٧: ١)... ومعنى ذلك، أن موضوع البتولية والزواج قد ظهر مبكراً فى الكنيسة، منذ عصر الرسل... والموضوع لا ‹ص ١٨٥› يرتبط بالرهبنة التى أخذت وضعها كنظام فى النصف الثانى من القرن الثالث.

وموجة الحماس الشديد للسمو عن الجنس والجسد، لم تقتصر على مَنْ لم يتزوجوا، بل تعدّتهم إلى المتزوجين أيضاً، فامتنع البعض كلية عن المعاشرات الزوجية، وعاشوا مع بعضهم كإخوة وأخوات ٩، الأمر الذى دعا القديس بولس إلى التدخل، لينظم موضوع المعاشرات الزوجية بين المتزوجين (انظر ١ كو٧: ٣-٧)... كما ظهر فى تلك الفترة ما عُرف باسم «الزواج الروحى»، وهو أن يعيش رجل مع امرأة فى بيت واحد، فى إخوية روحية تقوية، بدون علاقة جنسية ١٠.

ويحاول البعض أن يقلل من قيمة كلام الرسول عن البتولية، فيقول إن كلام بولس فى هذا المقام موجه للخدام، وبالذات الذين يشتغلون بالكرازة، على إعتبار أن هذا اللون من الحياة يناسبهم أكثر من الارتباط ببيت وزوجة وأولاد... لكن الرسول يتكلم كلاماً عاماً يوجهه لجميع المؤمنين، ويقول: «حسن للرجل أن لا يمسّ امرأة». وهنا يتكلم عن أى رجل، وليس الخادم... والكلام كله يسير على هذا النمط، وبنفس النغمة... (انظر ذهبى الفم فى تفسيره للاصحاح السابع من الرسالة الأولى إلى كورنثوس N.P.N.F., Vol 12 p. 105).

وقد شجع على الحماس للبتولية، حياة العذراء مريم وميلاد الرب يسوع منها ‹ص ١٨٦› وهى عذراء، وحياة يوحنا المعمدان، بل وحياة الرب يسوع نفسه ١١، كما شجعتها، تلك الحقيقة التى علّمت بها المسيحية، أن المؤمنين هم أعضاء فى جسد المسيح وهيكل للروح القدس (١ كو٦: ١٥، ١٩)... وشجع على حياة التبتل أيضاً ما كشفه القديس يوحنا فى رؤياه عن مركز البتوليين فى العالم العتيد، حينما ذكر المائة والأربعة وأربعين ألفاً المصاحبين للخروف على جبل صهيون السمائى، الذين يترنمون بترنيمة خاصة بهم، وقال عنهم: «هؤلاء هم الذين لم يتنجسوا مع النساء لأنهم أبكار...» ١٢ (رؤ١٤: ١-٥).

وقد أفاض آباء الكنيسة الأوائل فى مدح البتولية وتمجيدها ١٣. وأظهرت الكنيسة تقديرها لها فى معاملة المتبتلين وأماكن جلوسهم فى الكنيسة. فرتبت أن يجلسوا فى الصفوف الأولى قبل بقية المؤمنين ١٤... ومما يوضح شرف التبتل والعفة فى كنيسة الرسل، أن المتزوج ثانية كان لا يتمتع بشرف الكهنوت... هكذا إشترط القديس بولس فى الأسقف والشماس أن يكون كل منهما بعل امرأة واحدة ١٥... وحينما يقول: «بعل امرأة واحدة»، لا يقصد تعدد الزوجات، فهذا الأمر لا وجود له فى المسيحية، لكنه يقصد ألاّ يكون قد إرتبط بأكثر من زيجة واحدة... وحتى الأرملة، التى لها وضع خاص وتخدم فى الكنيسة، لا تحتسبها الكنيسة فى صفوف الأرامل إلاّ إذا كانت قد ترملت بعد زيجة واحدة (١تى٥: ٩).

‹ص ١٨٧›

المسيحية والمجتمع :

المسيحية تعلم وتنادى بالمحبة ... وإن كان أساس المحبة فى الفرد والأسرة لكنها لا تقف عند هذه الحدود. إنها تشمل كل البشر وتضمهم بين ذراعى حنوها ... فبينما أقامت الروح القومية قديماً، حواجز ضخمة بين الشعوب المختلفة (يهود وأمم، ورومان ويونان وبرابرة) حتى كانوا كالغرباء بالنسبة لبعضهم البعض، إذ بالمسيحية تزيل هذه الحواجز جميعاً، وتعلم أن الله «صنع من دم واحد كل أمة من الناس يسكنون على كل وجه الأرض» (أع١٧: ٢٦) ...

وبتمجيد فكرة الإنسانية ووضعها فوق القومية، غيّرت المسيحية بالتدريج وجه العالم القديم، وطعمت فكرة الوطنية الجامدة بمشاعر أنبل وأفكار أرحب١٦.

لقد تغلغلت المسيحية فى حياة الناس المدنية والإجتماعية بفضيلتها وأدبياتها وقادتهم فى الطريق نحو التمدين الحقيقى ... هى لا تقدم شكلاً معيناً للحكم، بل إنها تمتنع عن كل التدخلات الخاطئة فى الشئون السياسية الدنيوية ... هى تستطيع أن تحيا فى ظل أى نظام من أنظمة الحكم، ويمكنها أن تنتعش تحت ضغط وإضطهاد الحكومات، على نحو ما تُظهر الفترة المبكرة من تاريخها ... لكنها تعلن واجبات الحكام والرعية، وتشجع على إبطال القوانين والأنظمة غير الصالحة، وإحلال ما هو صالح بدلها ... وهى لا تقر الحكم الاستبدادى والفوضوى، وتميل — تحت كل وضع من أوضاع الحكم — نحو النظام واللياقة والعدل والإنسانية والسلام.

والإنجيل يصلح العلاقات الدولية، ويهدم فواصل البغضة والكراهية بين مختلف الأمم والأجناس ... إن روح المسيحية روح مسكونية جامعة، تسمو على كل النعرات الإقليمية، على نحو ما كان المسيحيون جميعاً فى كنيسة أورشليم «قلباً واحداً ونفساً واحدة» (أع٤: ٣٢) ... لقد وقع لها بعض الاضطرابات ‹ص ١٨٨› العرضية والاصطدامات الوقتية، كما حدث بين بولس وبطرس، وبين المتنصرين من اليهود والأمم، لكن لا تأخذنا الدهشة، بل نعجب على الغلبة المتواصلة لروح الإنسجام والمحبة على الطبيعة القديمة المتبقية ... فلقد أرسل مسيحيو كنائس بولس الأمميون الفقراء فى اليونان ومقدونية إحساناتهم لليهود المتنصرين فى أورشليم. وهكذا برهنوا على عرفانهم للإنجيل وشركته التى اقتبلوها من الكنيسة الأم بأورشليم١٧.

المسيحية والرق :

سبق أن أشرنا إلى الرق فى العالم الوثنى، وما وصل إليه العبيد من مذلة واحتقار وسوء معاملة ... هذا فى الوثنية، أما اليهودية فقد أظهرت معاملة أفضل للعبيد، فأوصت بعدم إساءة معاملتهم، وأمرت بعتق جميع العبيد اليهود فى سنة اليوبيل، التى تقع كل خمسين سنة (لاويين ٢٥: ٣٩-٤٦).

جاءت المسيحية ولم تصدر تشريعاً عاماً وصريحاً ضد نظام الرق، بل على العكس تقابلنا بعض نصوص فى رسائل الرسل تدعو العبيد إلى الطاعة الكاملة لسادتهم حسب الجسد، وتقديم الإكرام والخضوع اللائقين بهم١٨ ... وهذا ما دعا بعض أعداء المسيحية إلى أن يأخذوا عليها هذا الموقف، إنها لم تطالب بالغاء الرق، بل شجعت عليه.

والواقع أن الإنجيل — بروحه العام أكثر من أى نص خاص — قاوم روح التعسف المستمر والتحقير الأدبى نحو فئة الأرقاء ... وهو لم يوص فى أى موضع منه بالعنف الخارجى أو المقاييس الثورية، لأن ذلك — فضلاً عن كونه يتعارض مع طبيعة المسيحية ورسالتها — فإنه كان عديم الجدوى، بل ضار فى تلك الأزمنة ... وعوضاً عن ذلك، عالج المشكلة علاجاً جذرياً ‹ص ١٨٩› داخلياً، هادفاً بالدرجة الأولى إلى تلطيف حدة الشر ونزع شوكته، وأخيراً أبطاله كلية١٩.

فالمسيحية تهدف قبل كل شىء إلى تحرير الإنسان — دون نظر إلى رتبة أو وضع إجتماعى — من أشر أنواع العبودية، ألاَ وهى عبودية الخطية، وتهبه حرية روحية حقيقية، وتؤكد الوحدة الأولى لكافة البشر المخلوقين على صوة الله، وتعلم بالفداء العام، والمساواة الروحية للجميع قدام الله «ليس عبد ولا حر .. لأنكم جميعاً واحد فى المسيح يسوع» (غل٣: ٣٨) ...

لقد تصرفت المسيحية إزاء مشكلة العبيد، بنفس طريقة الحل الموضوعى المنهجى، الذى عالجت به كثيراً من مشكلات الحياة. إنها تهتم أولاً ودائماً بالعلاج الجذرى ... تهتم بعلاج أساس المشكلة، لأن فى هذا حسم للمشكلة وإستئصال لها من جذورها. ومن ناحية أخرى تهتم أن يكون علاجها سلمياً بما يتفق وطبيعة رسالتها ... فنحن نرى أنها إهتمت بعلاج المشكلات الروحية جذرياً فعالجت القتل بالنهى عن مجرد الغضب «كل مَنْ يغضب على أخيه باطلاً فهو قاتل نفس» (١يو٣: ١٥). وعالجت شهوة الجسد وأنواع الزنا، بالنهى عن مجرد النظرة المصحوبة بشهوة جسدية (مت٥: ٢٨) ... وهذا يتفق مع منهجها، الذى يقضى بعدم وضع رفعة جديدة على ثوب عتيق، أو خمراً جديدة فى زقاق عتيقة ... لأنه ماذا يحدث لو لم يراع هذا المنهج؟ الجواب بفم رب المجد ... «يصير الخرق أردأ ... والخمر تنصب والزقاق تتلف» (مت٩: ١٦، ١٧).

هذا هو ما علمته المسيحية إزاء مشكلة الرق والعبيد ... لقد نادت بالاصلاح الأدبى، دون أن تدخل فى صراع مع الدولة وتشريعها الخاص بالعبيد ... لم يكن من رسالتها الروحية، ومبادئها التى حددتها لنفسها، أن تعلن أو تطلب — من الوجهة القانونية — إنهاء نظام الرق. لو فعلت ذلك لجعلت من نفسها قوة سياسية، وتدخل فى صراع مسلح، وتعرّض ما يؤخذ بالسيف إلى أن يفقد بالسيف ... ما كان أسهل على المسيحية، أن تصدر شعارات ‹ص ١٩٠› براقة تخص العبيد وتحريرهم٢٠، حتى ما تكسبهم إلى صفوفها، لكنها لم تفعل شيئاً من ذلك. كان ذلك معناه قيام العبيد بثورات عارمة، لم تكن جديدة عليهم، فقد قاموا بعدة ثورات قبل ذلك وسحقتها قوات الدولة وانتهت إلى لا شىء. كانت إيطاليا فى ذلك الوقت قد سحقت لتوها إحدى ثورات العبيد بكل صعوبة، وكانت يقظة لأية محاولة أخرى٢١. إن تحريك مثل هذه الثورات كان لا يؤدى إلى التقدم خطوة واحدة نحو الحرية .. بل فى هذه الحالة، كان أمام المسيحية طريقان: إما أن تزول، وإما أن تتوقف عن أن تكون ديانة الروح ...

ومن ناحية أخرى، فإن العبد الذى حطم قيود عبوديته المادية، ونال الحرية قبل أن يتحرر داخلياً (روحياً) لا يكون قد تحرر حقاً ... فقد يبقى على كل رذائل العبودية، ويستخدم حريته المكتسبة وقوته، إستخداماً إستبدادياً خاطئاً .. وفى هذه الحالة كانت العبودية ستظل باقية بكل فظاعتها، مع تغير واحد، هو أن المضطهدين سيتحولون إلى مُضطِهدين ...

كان من الأهمية بمكان إذن، أن تحرص الكنيسة على عدم إحداث هزة فى المجتمع يتعرض معها الجميع، وتتعرض رسالتها إلى خطر محقق ... لم تبطل الكنيسة الرق بنص صريح، لكن من الإنصاف القول إنها قوضت هذا النظام بما أحدثته من تغييرات جوهرية فى حياة الإنسان. والنتيجة، أنه حينما يفيق ذلك المخلوق البائس — الذى كان يعامل كآلة صماء أو كجسد بلا نفس — لكرامته الأدبية، وحقوقه وواجباته، تبطل الحجة لإبقائه فى العبودية. والمسيحية وقد ظهرت أولاً حامية للعبد فى ضعفه، كانت تميل دائماً إلى تحريره الكامل٢٢.

‹ص ١٩١›

جهود الكنيسة لإبطال الرق :

١ - كان أول ما ينبغى عمله هو إصلاح حالة العبيد بتبنى قضيتهم وحمايتهم من سوء معاملة سادتهم ... كان السادة غير المؤمنين خارجين عن سلطان الكنيسة، أما المؤمنون فكانت توصيهم باللطف وطول الأناة والعدل، وتناشدهم أن يعاملوا عبيدهم معاملة حسنة «وأنتم أيها السادة، افعلوا لهم (العبيد) هذه الأمور، تاركين التهديد، عالمين أن سيدكم أنتم أيضاً فى السموات، وليس عنده محاباة» (أف٦: ٩).

لقد أعاد القديس بولس ثانية، العبد اللاجىء إليه — إنسيموس — إلى مولاه الأرضى فليمون، بعد أن جذبه إلى معرفة المسيح. لكنه أوصى فليمون أن يقبل العبد ويعامله فيما بعد كأخ محبوب فى المسيح، بل كأحشاء الرسول (فل١٢، ١٦) ... من المستحيل أن نتصور إمكان وجود علاج أفضل من ذلك. ومن المستحيل أن نجد فى الأدب القديم، ما يوازى رسالة بولس الرسول القصيرة إلى فليمون، والمملوءة لطفاً ورقة وإنسانية، فضلاً عن المشاركة الرقيقة لعبد مسكين٢٣.

٢ - كانت المعاملة القاسية التى يلقاها العبد من سيده المؤمن، سبباً كافياً لطرد ذلك السيد من جماعة المؤمنين. كما كانت الكنيسة تسقط لقب مسيحى عمَنْ يسيئون معاملة تابعيهم وخدمهم٢٤.

٣ - ولم يكن مجرد إعطاء الحماية والمعاملة الحسنة للعبيد كافياً، بل كان على السادة أن يسموا بهم أدبياً، فيعلمونهم الحق، ويقودونهم إلى النور ... ‹ص ١٩٢› وكان على السيد المسيحى أن يكون مستعداً أن يضع نفسه ليكون معلم عبده طواعية، تحركه غيرته نحو أخيه العبد إلى ذلك الواجب ... وكان السادة يتممون هذا الواجب المقدس الصعب عن حب. هذا الأمر دعا الفيلسوف الوثنى كلسوس لأن يسخر من المسيحية لعنايتها بالعبيد. فرد عليه أوريجينوس موضحاً أن المسيحية آثرت الإتجاه إلى منبوذى العالم القديم، مبتدئة بالعبيد، الذين لم يفكر فيهم أحد. وقال له: [نحن نشعر أننا مدينون للعقلاء والجهلاء .. نحن لا نرفض أحداً، ولا حتى العبد العادى. فنحن نميل نحوه كما إلى طفل أو امرأة جاهلة، آملين أن نجعله فى وضع أفضل]٢٥.

٤ - ما أن يقبل العبيد والإماء الإيمان المسيحى، حتى كانوا يحصلون على عضوية الكنيسة كاملة، ويرفعون فيها إلى مستوى الأحرار. كانوا يعتبرون إخوة وأخوات للمؤمنين بكل ما فى هذه الكلمة من معنى. وقد أشار بولس فى رسالته إلى كولوسى إلى «أبفراس العبد الحبيب معنا، الذى هو خادم أمين للمسيح» (كو١: ٧) ... ليس فى الكنيسة أى أثر للفوارق الإجتماعية بين المسيحيين فى أوقات العبادة. والفاصل الوحيد كان هو الذى يفصل الموعوظ عن المؤمن، والجنسين عن بعضهما٢٦ ... بل ربما كان العبد فى حالة أفضل روحياً، حينما يكون هو مؤمناً وسيده مايزال موعوظاً ... والعبد الذى يسجد جنباً إلى جنب مع سيده فى عبادة نفس الإله، لا يمكن أن يستمر فيه الاحساس بعدم الكرامة، أو مركب النقص الذى يرتبط بوضعه الإجتماعى. وقد أوجبت قوانين الرسل على السيد أن يحب عبده كابن أو كأخ بسبب إيمانهم الواحد٢٧.

٥ - كان فى إمكان العبد أن يقبل أية وظيفة كنسية، حتى الأسقفية، إذا دعى إلى ذلك٢٨ ... ولدينا مثل على ذلك، كلستوس Callistus الذى كان ‹ص ١٩٣› عبداً مسيحياً لسيد مسيحى، ووصل إلى منصب أسقف روما (٢١٧ — ٢٢٢) وذكر فى قوانين الرسل أن أنسيموس الذى كان عبداً لفليمون رسم أسقفاً على بيرية٢٩.

٦ - وبفضل جهود الكنيسة فى التعليم ورعايتها الروحية، أخذ كثير من السادة المسيحيين يعتقون عبيدهم المسيحيين ... وكثيراً ما كان يتم عتق العبيد وتحريرهم فى الكنيسة، فى أيام الأعياد الكبيرة، وعلى الأخص عيد القيامة، تذكاراً لعمل المسيح الفادى الذى حررنا من أسر إبليس ... وكان ينظر إلى هذا العمل كعمل من أعمال الرحمة المقبولة لدى الله٣٠.

٧ - ونظراً لأن الحياة الدينية للعبيد المسيحيين الذين يعملون مع سادة غير مسيحيين كانت فى خطر، فالكنيسة فى بعض الأحيان، كانت تشجع السادة الوثنيين على تحرير عبيدهم المسيحيين مقابل فدية مالية تدفعها الكنيسة*.

٨ - من الناحية الأدبية، كانت شخصيات العبيد تتمتع بكل إحترام الأحرار داخل الكنيسة. كان يجب إحترام الإماء، ولا يعتدى عليهن بسبب ضعفهن .. وكانت الكنيسة تحمى الروابط الزوجية للعبيد، وتنتظر منهم فضائل كما من الأحرار. وكنتيجة لذلك حازت فضائلهم نفس التقدير والاحترام وقد صار منهم شهداء وشهيدات٣١.

٩ - أما من جهة العبيد أنفسهم، فقد إهتمت الكنيسة بحياتهم ونفسياتهم وروحياتهم وكانت تقوم بتعليمهم وتلقينهم الإيمان٣٢.

‹ص ١٩٤› وإن كانت المسيحية لم تستطع — بقرار أو نداء أو تعليم — أن تحرر العبيد كلهم دفعة واحدة، لكنها كانت أولى الأنظمة التى جعلت من طاعة العبيد التى بلا سند، واجباً أدبياً يؤدى بفرح، بعد أن كانت الأنظمة القديمة تحرص على طاعة العبيد عن طريق الإرهاب والتخويف٣٣ ... وهكذا أوصى القديس بولس العبيد بالصبر، وأن يبقوا فى حالتهم، ويعزوا أنفسهم بالفكرة أنهم عتقاء الرب ... «الدعوة التى دعى فيها كل واحد فليلبث فيها. دعيت وأنت عبد فلا يهمك. بل وإن إستطعت أن تصير حراً فاستعملها بالحرى. لأن مَنْ دعى فى الرب وهو عبد فهو عتيق الرب. كذلك أيضاً الحر المدعو هو عبد للمسيح» (١كو٧: ٢٠-٢٢).

ومن ناحية أخرى عاونت المسيحية فى تخفيف العار الذى كان مرتبطاً بالعمل كما كانت نظرة المجتمع القديم — لقد أكدت المسيحية وجوب العمل٣٤ وطالما كان العمل مرتبطاً بالعبودية، فقد إستراح العبيد من الخزى الذى لحقهم ولصق بهم٣٥.

وقد لاحظ العالم دى روسى De Rossi، الذى كرس جهوده لدراسة سراديب روما والمقابر المسيحية الأولى أن لقب «عبد» لم يشاهده إطلاقاً فى الكتابات على المقابر المسيحية٣٦.

المواهب الروحية

منحت كنيسة الرسل منذ تأسيسها فى يوم الخمسين، كل المواهب ‹ص ١٩٥› الروحية٣٧ التى تحتاجها — لا لتبهر الناس بها، بل لأجل نشر الإيمان الجديد، وتجديد العالم روحياً وأدبياً ... ولقد كانت هذه المواهب بمثابة ثياب عرسها الذى تزينت به، وعدتها التى صمدت بها إزاء مقاومات اليهود والوثنيين وتعرف هذه المواهب الروحية فى اليونانية باسم charismata أو مواهب النعمة، تمييزاً لها عن المواهب الفطرية الطبيعية ...

وهذه المواهب الروحية طاقات وظواهر للروح القدس «أنواع مواهب واحدة، ولكن الروح واحد» (١كو١٢: ٤) ... أما تنوع المواهب، فلكى تفى بحاجات الكنيسة المتنوعة «ولكنه لكل واحد يعطى إظهار الروح للمنفعة» (١كو١٢: ٧) ... وهى فائقة للطبيعة من جهة مصدرها، لكنها تتمشى مع الفضائل الطبيعية ... وفى عملها تتبع قدرات الإنسان العقلية والأدبية، وتسمو بها وتنشطها، وتقدسها لخدمة المسيح.

وهذه المواهب غيرية، أى أنها توهب لأجل خدمة الآخرين ... هكذا دعاها القديس بولس فى (١كو١٢: ٤-٧) «خدم، أعمال، منفعة» ... «أنواع خدم موجودة ولكن الرب واحد. وأنواع أعمال موجودة ولكن الله واحد. الذى يعمل الكل فى الكل. ولكنه لكل واحد يعطى إظهار الروح للمنفعة» ... وهكذا ينبغى ألاَ يسعى الإنسان وراء هذه المواهب من أجل ذاتها، أو لأجل الاستئثار بها لفائدته الشخصية «ليس أنى أطلب العطية، بل أطلب الثمر المتكاثر لحسابكم» (فى٤: ١٧).

على أن تمتع البعض بأنواع من المواهب لا يعنى بالضرورة أن هؤلاء الناس قد يحيون فى قداسة السيرة، أو أنهم ذوو حظوة لدى الله٣٨ ... فقد كشف لنا الرب ‹ص ١٩٦› يسوع عن هذه العينة من الناس، وقال إن كثيرين سيأتون إليه فى اليوم الأخير ويقولون له: «باسمك تنبأنا، وباسمك أخرجنا شياطين، وباسمك صنعنا قوات كثيرة» ... ومع ذلك يقول لهم الرب: «إنى لا أعرفكم قط، إذهبوا عنى يا فاعلى الإثم» (مت٧: ٢٢، ٢٣).

على أنه يجب الإشارة إلى الخطر الذى كان يكمن فى هذه المواهب الروحية .. إذ بدأ الشيطان يحارب البعض بتقليدها وادعائها، إما بقصد الإحتيال أو الكسب المادى، حتى فى ذلك الوقت المبكر جداً من تاريخ الكنيسة ... وقد حذر كتاب تعاليم الرسل Didache الكنائس من أمثال هؤلاء الأشخاص المحتالين٣٩.

ويمكن تقسيم المواهب الروحية بصفة عامة إلى ثلاثة أنواع :

أولاً - مواهب عقلية تختص بالعلم، وهى نظرية وتختص باللاهوت والعقيدة.

ثانياً - مواهب تتمشى مع العاطفة وتختص بالشعور، وتظهر فى العبادة المقدسة من أجل بنيان حياة الأفراد والكنيسة.

ثالثاً - مواهب عملية تختص بالإدارة، وبقصد إدارة الكنيسة وتنظيمها وحكمها.

وهذه المواهب غير منفصلة عن بعضها إنفصالاً متميزاً تماماً، لكنها تعمل معاً فى توافق من أجل الهدف الواحد، ألاَ وهو بنيان جسد المسيح الذى هو الكنيسة.

وموضوع المواهب الروحية، يكتنفه الغموض، كما يقول القديس يوحنا الذهبى فمه، نظراً لقلة معلوماتنا عنها، إلاَ من الإشارات العابرة فى رسائل القديس بولس، ولتوقف وجودها فى الكنيسة بالصورة التى كانت عليها فى كنيسة الرسل. لكننا نحاول أن نلقى عليها بعض الضوء ...

‹ص ١٩٧›

(أ) موهبة الحكمة والعلم :

ويقصد بالحكمة الذى يفسر بعمق وحكمة أسرار مقاصد الله، ووسائل خلاص الإنسان، بينما يقصد بالعلم تفسير كلام الحكمة للمؤمنين ليعرفوا طريق الخلاص ... «لواحد يعطى بالروح كلام حكمة ... ولآخر كلام علم بحسب الروح الواحد» (١كو١٤: ٨).

(ب) موهبة التعليم :

وتختص بالاستخدام العملى لموهبة العلم، وتعطى صاحبها قوة لشرح الأسفار المقدسة بوضوح لتعليم وتثقيف وبنيان المؤمنين ... «ولكن لنا مواهب مختلفة بحسب النعمة المعطاة لنا. أنبوة فبالنسبة إلى الايمان. أم خدمة ففى الخدمة. أم المعلم ففى التعليم» (رو١٢: ٦، ٧).

(جـ) موهبة النبوة :

وتتصل بالموهبتين السابقتين ... وهى عادة تستخدم لغة الالهامات العالية، دون العرض والدليل المنطقى ... وتنحصر رسالتها فى التنبؤ بحوادث المستقبل (أع١١: ٢٨)، وكشف مقاصد الله الخفية، ومعانى الأسفار المقدسة العميقة، وخفايا القلوب (١كو١٤: ٢٥)، وأعماق الشر، وأمجاد النعمة المخلصة. وأحياناً كانت ترشد لتعيين البعض للخدمة فى الكنيسة (أع١٣: ١، ٢؛ ١تى٤: ١٤) ... وبينما موهبة التعليم تناسبها حالات الهدوء والنمو الطبيعى للكنيسة، فإن موهبة النبوة تنشط فى البدايات، وأوقات الشدائد.

(د) موهبة تمييز الأرواح :

وكان لابد من وجود هذه الموهبة كضابط ومرشد لموهبة النبوة، للتمييز بين ‹ص ١٩٨› الأنبياء الحقيقيين والأنبياء الكذبة، بين الإلهام الحقيقى والإنفعال البشرى أو الشيطانى ... وبعبارة عامة، كانت هذه الموهبة للتمييز والتفريق بين ما هو صواب وما هو خطأ ... «أما الأنبياء، فليتكلم إثنان أو ثلاثة، وليحكم الآخرون» (١كو١٤: ٢٩).

(هـ) التكلم بألسنة٤٠ :

وموضوع التكلم بألسنة من اعقد الأمور المتصلة بالكنيسة الأولى، وأكثرها صعوبة وغموضاً ... إختلف علماء الكنيسة وآباؤها بخصوصه، ولم يعطوا رأياً محدداً واضحاً بشأنه، نظراً لأن هذه الظاهرة إنتهت تقريباً بانتهاء عصر الرسل، وكان لا وجود لها فى زمانهم.

ظهرت موهبة الألسن مع مولد كنيسة العهد الجديد يوم الخمسين (أع٢: ١-١٣) ... وبعدها نقرأ عنها مرتين فى سفر أعمال الرسل (أع١٠: ٤٦؛ ١٩: ٦). أما فى الرسائل فلم يتناولها سوى بولس فى رسالته الأولى إلى كورنثوس (١كو١٢-١٤)٤١.

والواقع أن موهبة التكلم بألسنة، وإن كانت تذكر صراحة وبهذه التسمية فى المواضع التى أشرنا إليها، لكنها تختلف عن بعضها فى الجوهر، ولا تعبر عن ظاهرة واحدة ... فمعجزة يوم الخمسين كانت معجزة تمتاز بطابعها الخاص وهدفها الخاص٤٢ ... تكلم التلاميذ بفضلها بلغات مختلفة من أجل حاجة ‹ص ١٩٩› سامعيهم بقصد تبشيرهم ... أما التكلم بالألسن المذكور فى رسالة كورنثوس فهو عمل تعبدى خالص يختص بالصلاة، ولا علاقة له بالتكلم بلغات جديدة بقصد الكرازة والتبشير.

• فيما يختص بما حدث يوم الخمسين، هناك رأيان : رأى يقول إن الرسل تكلموا بلغات جديدة لم يكونوا يعرفونها. إتماماً لوعد السيد المسيح «ويتكلمون بألسنة جديدة» (مر١٦: ١٧)، وهذا هو رأى غالبية آباء الكنيسة وعلمائها .. ورأى آخر يقول لم يتكلم الرسل بلغات جديدة، بل تكلموا الآرامية الخاصة بهم، بينما سامعوهم كانوا يسمعونهم يتكلمون بلغاتهم ... وكأن الروح القدس فى تلك الحالة كان يقوم بدور المترجم، وكان يترجم فورياً لكل لغات الحاضرين .. ومن بين أصحاب هذا الرأى القديس غريغوريوس أسقف نيصص ...

وفى رأينا أن الرأيين على صواب ... فالرسل تكلموا فعلاً لغات جديدة لم يكونوا يعرفونها، ما فى ذلك شك (أع٢: ٤، ٦، ٨، ١١)، بل تفاهموا مع سامعيهم بلغاتهم (أع٢: ٣٧). وهذا واضح مما ذكره لوقا فى (أع٢)، ومما ذكره السيد المسيح صراحة فى (مر١٦: ١٧) ... ومن ناحية أخرى، حينما القى بطرس عظته (وطبعاً ألقاها بلغة واحدة أياً كانت)، فهمها الجميع، وبناء عن ذلك تساءلوا «ماذا نصنع أيها الرجال الإخوة» ... وهذا لا يتأتى إلاَ إذا كان الروح القدس — أثناء إلقاء بطرس للعظة — قد قام فعلاً بترجمة فورية لكل لغات الحاضرين ... وعلى ذلك نستطيع القول إن الرسل تكلموا فى يوم الخمسين بلغات جديدة لم يكونوا يعرفونها، وأن الروح القدس فى بعض المواقف كان يقوم بدور المترجم ... ولا غرابة فى ذلك، فالترجمة موهبة من مواهب الروح القدس التى تكلم عنها الرسول بولس (١كو١٢: ٤، ٨، ١٠).

ومهما يكن من أمر، فآباء الكنيسة وعلماؤها رأوا أن الله أعطى الرسل موهبة التكلم بلغات أخرى جديدة من أجل حاجة أعمال الكرازة، خاصة فى ذلك الدور ‹ص ٢٠٠› الأول التأسيسى للكنيسة ... البعض رأى — ومنهم القديس يوحنا الذهبى فمه٤٣ — أن كل تلميذ وهبت له اللغة الخاصة بالحقل الكرازى الذى عُين له. والبعض رأى — ومنهم القديس أغسطينوس٤٤ — أن كلاً من الرسل تكلم لغات جميع الشعوب ليظهر بذلك أن الكنيسة الجامعة ستضم كل الشعوب.

أما عن عدد اللغات التى تكلموا بها، فى ذلك اليوم التاريخى (يوم الخمسين) فقد إختلف الآباء أيضاً فيه ... فمَنْ قائل إنهم تكلموا بلغات الشعوب التى ذكرها لوقا فى (أع٢: ٩-١١). ومنهم مَنْ قال إنهم تكلموا ٧٠ لغة أو ٧٢ أو ٧٥ على عدد أبناء نوح أو يعقوب (تك١٠: ٤٦). بينما رأى آخرون أنهم تكلموا ١٢٠ لغة على عدد التلاميذ الذين حل عليهم الروح القدس فى ذلك اليوم (أع١: ١٥) ... وعلى أية الحالات، فقد كان التكلم بألسنة فى يوم الخمسين آية للكرازة ولتمجيد الله بلغات متنوعة لم تكن معروفة للتلاميذ، وشهادة لجميع الشعوب أن الله كان حقاً فى وسطهم.

• أما عن موهبة التكلم بألسنة التى عالجها القديس بولس فى رسالته إلى كنيسة كورنثوس، فتظهر أنها كانت عملاً من أعمال التعبد والصلاة ... ويمكن القول إنها كانت نوعاً من الصلاة والتسبيح والتمجيد والشكر لله، ينطق بها الإنسان فى حالة نشوة روحية لاإرادياً، وفى لغة يعطيها الروح القدس، غير اللغة التى يتكلمها ذلك الإنسان .. وفى هذه الحالة تكون روح الإنسان فى سلبية، مستسلمة للروح القدس، بينما يكون الذهن غير واع لما ينطق به الإنسان. وهذا واضح من كلام الرسول بولس، فهو يدعوها صلاة «إن كنت أصلى بلسان، فروحى تصلى، وأما ذهنى فهو بلا ثمر» (١كو١٤: ١٤). ويقول أيضاً: «مَنْ يتكلم بلسان، لا يكلم الناس بل الله، لأن ليس أحد يسمع ولكنه بالروح يتكلم بأسرار» (١كو١٤: ٢) ...

وهكذا نرى أن التكلم بألسنة فى كنيسة كورنثوس، لم يكن فى صورة تعليم أو ‹ص ٢٠١› نبوة، بل كان نوعاً من التعبد الروحى الشخصى ... ومن هنا نفهم لماذا يربط بولس بين التكلم بألسنة، وبين التكلم بألسنة الناس والملائكة (انظر ١كو١٢: ٣٠؛ ١٣: ١) ... إن ألسنة الملائكة تنطق دائماً بالتسبيح للجالس على العرش ...

ويؤيد هذا المفهوم، ما حدث أيضاً يوم الخمسين ... لقد تكلم الرسل «بألسنة أخرى» قبل عظة بطرس، وقبل أن يجتمع إليهم الشعب (أع٢: ٤، ٦، ٨) ... أما موضوع كلامهم بهذه الألسنة الأخرى، قبل عظة بطرس، فكان «الكلام بعظائم الله» (أع٢: ١١) ... ونفس هذا الأمر حدث فى بيت كرنيليوس بعد حلول الروح القدس على المجتمعين فيه، فقد سمعوا «يتكلمون بألسنة، ويعظمون الله» (أع١٠: ٤٦) ... وتعظيم الله هو عينه عمل التسبيح والتمجيد والشكر ...

• ومن حيث أن التكلم بألسنة الذى أشار إليه بولس فى كورنثوس هو عمل تعبدى خالص، فإنه يبنى المتكلم وحده دون الآخرين «مَنْ يتكلم بلسان يبنى نفسه» (١كو١٤: ٤) ... ومن هنا فقد اعتبرت موهبة التكلم بالألسن أقل درجات المواهب الروحية، لأنها تستهدف الذات، ولا يترتب عليها بنيان الكنيسة كلها ... لكن المؤمنين فى كورنثوس رفعوا من قدر هذه الموهبة، لأنها — كما يقول الذهبى فمه — كانت الموهبة الأولى التى نالها الرسل.

• على أنه سرعان ما أسىء إستخدام هذه الموهبة فى حياة القديس بولس نفسه، فصارت سبباً للتفاخر والتشويش والعثرة. لذا نراه يقلل من أهميتها٤٥، ويدعو المؤمنين إلى التعلق بالمواهب الأخرى، مبيناً لهم أن هناك طريقاً أفضل من المواهب، هو المحبة٤٦ ... وتلافياً للعثرات، أوصى بولس المتكلم باللسان أن يترجم ما يقوله عن طريق إستحضار ذهنه بالصلاة. وإذا تعذر عليه ذلك، فليترجم كلامه آخر ممَنْ نالوا موهبة الترجمة. أما إذا لم يوجد مَنْ ‹ص ٢٠٢› يترجم، فليصمت فى الكنيسة (١كو١٤: ٦-٩، ١٣، ٢٨).

ومن الثابت أن هذه الموهبة قد إنتهت تقريباً بانتهاء عصر الرسل. وإن كان إيريناوس — من آباء القرن الثانى — قد ذكر أن هذه الموهبة كانت قائمة فى الكنيسة فى زمانه، لكن العلماء يشكون فى صحة ذلك.

• وثمة ملاحظة هامة، ينبغى ألاَ نغفلها فيما يتعلق بموضوع التكلم بألسنة. لقد كانت هناك حكمة خاصة فى كل مرة من المرات الثلاث التى حدثت فيها هذه المعجزة وأوردها القديس لوقا فى سفر أعمال الرسل ... ففى يوم الخمسين، كان التكلم بألسنة آية لجمهور المجتمعين «من كل أمة تحت السماء»، وما حدث فى بيت كرنيليوس كان علامة للرسل أن الرب قد فتح باب الخلاص للأمم الوثنية (انظر أع١١: ١-١٨). وما حدث فى أفسس كان آية لمَنْ نالوا الروح القدس بعد أن قالوا: «ولا سمعنا أنه يوجد الروح القدس» (انظر أع١٩: ١-٦) ... أما أن يكون التكلم بألسنة بلا أدنى هدف أو حكمة إلهية كما يشاهد عند شيعة الخمسينيين حالياً، فأمر يقطع ببطلان إدعائهم بأنهم يتكلمون بألسنة، ولا يعدو الأمر أن يكون بعض الحركات الهستيرية أو المفتعلة ...

(و) موهبة الترجمة :

وتهدف إلى جعل موهبة الألسن ذات فائدة للمستمعين، وتعطى المترجم القدرة على ترجمة الصلوات والأغانى الروحية من لغة الروح إلى لغة مفهومة .. «أنواع مواهب موجودة ولكن الروح واحد ... فإنه لواحد يعطى بالروح كلام حكمة ... ولآخر أنواع ألسنة ... ولآخر ترجمة ألسنة» (١كو١٢: ٤، ٨، ١٠).

(ز) موهبة الخدمة الجسدية :

وبالأخص لخدمة الشمامسة والشماسات، للرعاية المنتظمة فى الكنيسة وهى ‹ص ٢٠٣› تختص بكل أعمال المحبة والرحمة المسيحية، وعلى وجه الخصوص رعاية الفقراء والمرضى ... والقديس بولس يسمى أصحاب هذه الموهبة «أعواناً» (١كو١٢: ٢٨).

(ح) موهبة التدبير :

للرعاة وذوى السلطان فى الكنيسة، سواء كانوا رسلاً أم أساقفة أم قسوساً ... ذكرها القديس بولس باسم تدابير Kybernéseis ... وإلى هذا التدبير فى الرعاية يشير القديس بولس بقوله: «وهو أعطى البعض أن يكونوا رسلاً ... والبعض رعاة ... لأجل تكميل القديسين، لعمل الخدمة» (أف٤: ١١، ١٢).

(ط) موهبة صنع المعجزات :

وهى القوة التى منحها الرب للرسل ولبعض المؤمنين ليشفوا كل الأمراض الجسدية، ويخرجوا الشياطين، ويقيموا الموتى، ويجروا عجائب أخرى بالإيمان وقوة الصلاة ووضع الأيدى باسم الرب يسوع ولمجده «شاهداً الله معهم بآيات وعجائب وقوات متنوعة ومواهب الروح القدس حسب إرادته» (عب٢: ٤) ... «أنواع مواهب موجودة ... فإنه لواحد يعطى بالروح كلام حكمة ... ولآخر مواهب شفاء ... ولآخر عمل قوات» (١كو١٢: ٤، ٨-١٠). وقد كانت هذه المعجزات خاتم الرسولية المقدسة وبرهانها، فى زمان وبين قوم كانوا فى حاجة إلى هذه العلامات المادية لإيمانهم ... «إن علامات الرسول عملت بينكم فى كل صبر، بآيات وعجائب وقوات» (٢كو١٢: ١٢) ...

لكن بعد أن توطدت المسيحية فى العالم، كانت آثارها الأدبية أفضل شاهد لحقيقتها، فحلت محل الآيات المادية الخارقة ... لكن ليس معنى هذا أن المعجزات والآيات قد توقف حدوثها فى كنيسة المسيح ... إنها تحدث يومياً، لأن الآيات تتبع المؤمنين كما قال رب المجد (مر١٦: ١٧، ١٨) ... لكننا نقصد الآيات الباهرة ‹ص ٢٠٤› التى كانت تحدث بكثرة وبقوة عجيبة فى فجر تاريخ الكنيسة، من أجل نشر الإيمان، وتدعيم عمل الكرازة، إزاء جحافل الظلمة التى كانت تكتنفها من كل جانب.

وبعد ...

فهذه لمحة سريعة عن المواهب الروحية التى خص الله بها كنيسته من أجل الخير العام وبنيان النفوس ... ليتنا نذكر أن هناك شيئاً اسمه مواهب روحية يخص بها الله بعض المؤمنين ... ليتنا نذكر أن ليس كل إنسان يصلح أن يكون معلماً أو مدبراً أو حتى شماساً يقوم على خدمة الإجتياجات الجسدية ... ليتنا نلجأ إلى روح الله القدوس ليرشد إلى كل ذى موهبة، حتى يوضع — فى كنيسة الله — الإنسان المناسب فى الخدمة المناسبة ... ليس كل إنسان تقى يصلح أن يكون كاهناً أو معلماً أو مدبراً ... فالتقوى شىء والموهبة شىء آخر ... التقوى مطالب بها جميع المؤمنين، بل مفروض أن يتحلوا بها، أما الخدمة فى كنيسة الله فتحتاج إلى مؤهلات أخرى، وتنجح وتفلح بالمواهب التى خص الله بها كنيسته ...

‹ص ٢٠٥›

الكنيسة والرعاية

منذ القديم ... منذ أن اتخذ الرب لذاته شعباً خاصاً من بين الأمم، عاملهم كرعية خاصة له، وأقام لهم رعاة ... لكن رعاة إسرائيل إنحرفوا عن رسالتهم ورعوا أنفسهم، فوبخهم توبيخاً شديداً بفم أنبيائه٤٧. وفى ملء الزمان، لما سر الله أن يصنع فداء لشعبه، وظهر فى الجسد، كان ينظر فى حزن إلى خراف بيت إسرائيل الضالة، وكان يتحنن عليهم إذ رآهم منزعجين ومنطرحين كغنم لا راعى لها (مت٩: ٣٦) ... وهكذا قدم ذاته مثالاً للرعاية، وأعلن أنه هو «الراعى الصالح».

وحينما قتله رعاة اليهود بأيد أثيمة، وقام وارتفع إلى المجد، بقى كما هو الراعى الصالح، لكن رأساً غير منظور للكنيسة ... وهكذا دعى «راعى النفوس وأسقفها، ورئيس الرعاة» (١بط٢: ٢٥؛ ٥: ٤)، «وراعى الخراف العظيم»٤٨. وأقام نيابة عنه الرسل وخلفاءهم والكهنة، رعاة مؤتمنين على الخراف الناطقة.

هكذا أحس الرسل — باكورة رعاة العهد الجديد — أن عمل الكنيسة الأول والأعظم فى العالم ولأجله، هو الرعاية ... فحينما أراد الرب يسوع أن يرد بطرس إلى رتبته الرسولية بعد أن أنكر وجدف، قال له: «إرع خرافى ... إرع غنمى» (يو٢١: ١٥-١٧) ... وقال القديس بولس إلى رعاة كنيسة أفسس: «إحترزوا إذاً لأنفسكم ولجميع الرعية، التى أقامكم الروح القدس فيها أساقفة لترعوا كنيسة الله التى اقتناها بدمه» (أع٢٠: ٢٨) ... وقال القديس بطرس فى رسالته: «أطلب إلى الشيوخ الذين بينكم أنا الشيخ رفيقهم ... ارعوا رعية الله التى ‹ص ٢٠٦› بينكم نظاراً لا عن إضطرار بل بالإختيار، ولا لربح قبيح بل بنشاط. ولا كمَنْ يسود على الأنصبة. بل صائرين أمثلة للرعية. ومتى ظهر رئيس الرعاة تنالون إكليل المجد الذى لا يبلى» (١بط٥: ١-٤).

وحينما قدم الرب يسوع ذاته كالراعى الصالح، كشف عن سر صلاحه فى الرعاية، ومعه كشف عن الرعاة المزيفين ... فالراعى الأمين يدخل من باب الخراف، الذى هو الرب يسوع نفسه، ويعرف خرافه، ويدعوها بأسمائها. ويكون مستعداً أن يبذل ذاته عنها ... أما الراعى الكاذب المزيف، فيدعوه الرب سارقاً ولصاً. وهو لا يدخل من الباب، بل يطلع من موضع آخر. وكل همه أن «يسرق ويذبح ويهلك» ... ومتى رأى الذئب مقبلاً ... متى نظر خطراً داهماً، يترك الخراف ويهرب غير مبال بها (يو١٠: ١٠-١٣) .. هكذا علمت الكنيسة الأولى يقيناً، أن عملها الأول والأعظم والأسمى هو الرعاية، فانصرفت إليه بكل طاقاتها، وأولته كل عنايتها، عن طريق الخدام المختلفين، وأنواع الخدم المتنوعة.

والآن نتناول بالكلام عصب الرعاية وهم الخدام، ثم نعرض لثلاثة ميادين للرعاية فى كنيسة الرسل: الرعاية الإجتماعية، الرعاية الأدبية والروحية، ثم الرعاية التعليمية.

الخدام

تذكر الخدمة فى العهد الجديد تحت أسماء متعددة، تصف خصائصها ... فتذكر باسم «خدمة الكلمة» و«خدمة الروح» و«خدمة البر» و«خدمة المصالحة» ... وخدام الكلمة هم خدام الله بالمعنى السامى للتسمية، وخدام الكنائس فى إتضاع وحب ... إنهم نور العالم، ملح الأرض، العاملون مع الله، وكلاء سرائر الله، وسفراء المسيح ... لكن هذه الكرامة العظيمة تحمل معها مسئولية متساوية ... والقديس بولس، وهو يتأمل مجد الخدمة والوظيفة، وأنها رائحة ‹ص ٢٠٧› موت لموت، ورائحة حياة لحياة، يتعجب قائلاً: «مَنْ هو كفء لهذه الأمور؟!» ثم ينسب كل أتعابه ونجاحه فى الخدمة والكرازة لنعمة الله التى لا يستحقها٤٩.

والآن نتكلم عن فئات الخدام فى كنيسة الرسل :

١ - الرسل :

على الرغم من أن لقب «رسول» فى الكنيسة الأولى أطلق على تلاميذ المسيح الذين إختارهم، لكنه أطلق تجاوزاً على آخرين ... فالقديس بولس فى (٢كو٨: ٢٣) يتكلم عن «رسولى الكنائس». كما ذكر ابفرودتس أنه رسول الفيلبيين وكان قد حمل إليه تقدمة كنيسة فيلبى (فى٢: ٢٥) ...

ولم تعرف اليهودية هذا اللقب بالنسبة للخدام حتى خراب أورشليم سنة ٧٠ ... أما بعد هذا التاريخ، فأرسلت أشخاصاً — دعتهم رسلاً — إلى كل يهود الشتات، ليحملوا إليهم معلومات وافية عن الرب يسوع وتلاميذه، أو بعبارة أخرى عن المسيحية. وكان هذا العمل بمثابة إجراء مناهض للإرساليات المسيحية٥٠ ... ومهما يكن من أمر، فإن إطلاق لقب رسل على هؤلاء اليهود المرسلين، كان من قبيل التسمية اللغوية فقط. وهو فى هذا يختلف مع طبيعة وضع الرسل فى المسيحية.

كان رسل المسيح يتمتعون بمكانة كبيرة بين المؤمنين، حتى أن القديس بولس يقول لأهل تسالونيكى: «مع أننا قادرون أن نكون فى وقار كرسل المسيح» (١تس٢: ٦) ... ويقول لأهل غلاطية: «وتجربتى التى فى جسدى لم تزدروا بها ولا كرهتموها، بل كملاك من الله قبلتمونى، كالمسيح يسوع ... لأنى أشهد لكم أنه لو أمكن لقلعتم عيونكم وأعطيتمونى» (غل٤: ١٤، ١٥) ... وقد استمدوا هذه المكانة من وضعهم كرسل المسيح، والأعمال والآيات العظيمة التى ‹ص ٢٠٨› خصهم بها الله لتأييد رسالتهم، ولإحساس المؤمنين أنهم مدينون لهم بحياتهم ... هكذا يكتب بولس إلى فليمون «حتى لا أقول لك أنك مديون لى بنفسك أيضاً» (فل١٩).

وكان الرسل غير مستقرين فى مكان واحد، لأن مهمتهم كانت تقتضيهم التنقل لأعمال الكرازة ... كانوا يؤسسون الكنائس ويقيمون لها الخدام، ويتنقلون إلى أماكن أخرى وهكذا ...

٢ - الأنبياء :

كانت الفكرة الشائعة أن الأنبياء قد بطل ظهورهم فى الديانة اليهودية قبل عصر الرب يسوع ورسله بزمان طويل. لكن العهد الجديد يثبت خطأ هذه الفكرة ... فيوحنا المعمدان كان نبياً، وهكذا دعى٥١. وكانت حنة أيضاً نبية (لو٢: ٣٦). والنبى اليهودى فى كريت الذى أشار إليه بولس (تى١: ١٢) ... وذكر لنا يوسيفوس المؤرخ اليهودى، أن الاسينيين كان بينهم أنبياء صادقون٥٢ ... وكتب الرؤى اليهودية التى إنتشرت نحو ذلك العصر، تشير إلى كثرة عدد الأنبياء وأنه كان لهم أتباع وقراء ... ومن ثمَّ لم يكن هناك أية غرابة فى ظهور الأنبياء ... لقد قوبل يوحنا المعمدان والرب يسوع بلا غرابة كأنبياء ...

هكذا لم تكن النبوة فى الكنيسة المسيحية حدثاً جديداً فى ظهورها المبكر، واعتبرت ظاهرة تتمشى مع مثيلتها فى اليهودية المعاصرة ... وفى كلا الحالين — اليهودية والمسيحية — حاز الأنبياء شهرة كبيرة باعتبارهم صوت الله. وحينما كان يعترف بهم كأنبياء حقيقيين، كانوا يتمتعون بسلطة مطلقة فى كرازتهم ووعظهم ونصائحهم٥٣ ...

‹ص ٢٠٩› ومن أمثلة الأنبياء فى الكنيسة الأولى، أنبياء كنيسة أنطاكية (أع١٣: ١)، والنبى أغابوس (أع١١: ٢٨؛ ٢١: ١١)، ويهوذا وسيلا (أع١٥: ٣٢) ... وبالإضافة إلى الرجال، فقد كان هناك عذارى ونساء يتنبأن٥٤ مثل العذارى الأربع بنات فيلبس المبشر (أع٢١: ٩) ... وغالباً ما كان الأنبياء يتنقلون من مكان إلى آخر مثل النبى أغابوس، لكنهم كانوا فى أحيان أخرى يقيمون فى أماكن لا ينتقلون منها مثل هرماس٥٥.

٣ - المعلمون :

كان للمعلمين اليهود مكانة كبيرة جداً خاصة فى فلسطين. ولكى نقف على مكانة المعلمين المسيحيين فى كنيسة الرسل، نرى من المفيد الإشارة إلى مكانة المعلمين فى اليهودية ...

لقد طالب معلمو اليهود Rabbis لأنفسهم باحترام كامل من تلاميذهم، يفوق إحترامهم لوالديهم ... فقالوا: [إن إحترام المعلم يجب أن يفوق إحترام الأب، لأن الابن والأب كليهما يحترمان المعلم ... إذا فقد كل من والد التلميذ ومعلمه شيئاً، فخسارة المعلم لها الأولوية فى المطالبة بالدين. لأنه بينما الأب قد أتى بالتلميذ إلى العالم، فالمعلم قد لقنّه الحكمة، ويوصله إلى الحياة الأبدية. وإذا اتفق أن والد تلميذ ومعلمه كانا يحملان حملاً، فواجب التلميذ أن يعاون معلمه أولاً، ثم بعد ذلك أباه. وإذا أسر الأب والمعلم، وجب على التلميذ أن يفدى المعلم أولاً ...]٥٦.

وكقاعدة، كان المعلمون اليهود يطلبون لأنفسهم المقام الأول أينما كانوا، الأمر الذى وبخهم عليه السيد المسيح بقوله: «يحبون المتكأ الأول فى الولائم، ‹ص ٢١٠› والمجالس الأولى فى المجامع، والتحيات فى الأسواق، وأن يدعوهم الناس سيدى سيدى» (مت٢٣: ٦، ٧) ... وما لبثت هذه المطالبة بالكرامة أن تحولت إلى كرامة فعلية من جانب الشعب اليهودى، على نحو ما ذكر عن غمالائيل معلم الناموس، الذى قيل عنه أنه «كان مكرماً عند جميع الشعب» (أع٥: ٣٤) ...

وقد نالت خدمة التعليم فى المسيحية كرامة عظيمة، لكنها ليست الكرامة «الفريسية» المفروضة على الشعب، بل الكرامة النابعة عن الحب والبذل والإتضاع ... يكفى خدمة التعليم فى المسيحية شرفاً أن الرب يسوع نفسه كان يدعى «المعلم» ... ويشير القديس بولس إلى كرامة المعلمين بقوله لتيموثاوس: «وليحسب الكهنة الذين يحسنون التدبير أهلاً لكرامة مضاعفة، ولا سيما الذين يتعبون فى الكلمة والتعليم» (١تى٥: ١٧) ... لقد كانت الحاجة ملحة فى ذلك العصر إلى مثل هؤلاء المعلمين، لتعليم الذين ينضمون إلى الكنيسة مفاهيم الإيمان المسيحى. هذا، فى الوقت الذى كان على الكنائس أن تتخذ حذرها الشديد من المعلمين الكذبة٥٧ ...

وكان الرسل والأنبياء والمعلمون لا يقامون بالإنتخاب كالأساقفة والقسوس والشمامسة، لأن عملهم كان يعتمد على النعمة الإلهية والمواهب الخاصة٥٨ ... كما أن التمييز بين الرسل والأنبياء والمعلمين كان واضحاً منذ تاريخ المسيحية المبكر، ومألوفاً لدى جميع الكنائس٥٩. وإن كان بعضهم قد يجمع أكثر من صفة فى نفس الوقت فالرسول معلم وقد يكون نبياً أيضاً ...

٤ - درجات الكهنوت الثلاث :

ويقصد بها الأسقفية والقسيسية والشماسية. ويشترط فيها جميعاً القداسة ‹ص ٢١١› والبعد عن الماديات٦٠.

(أ) الأسقف :

عبر عنه فى العهد الجديد بالكلمة اليونانية Episkopos ومعناها الناظر أو الرقيب أو المتعاهد. واللفظ قديم الاستعمال فى اليونانية، وورد فى الترجمة السبعينية للعهد القديم ...

والأسقف هو رئيس الكنيسة ومدبرها وراعيها ومعلمها. وقد أقيم الأساقفة أصلاً نواباً عن الرسل، الذين ما كانوا يستطيعون البقاء فى مكان واحد لفترة طويلة، لأن مهمتهم كانت تقتضى التنقل لأعمال الكرازة ... وقد أقيم الأساقفة بوضع أيدى الرسل، وأعطوا حقوقهم واختصاصاتهم، بل حملوا — فى بعض الأحيان — اسم «رسل» ... هؤلاء الأساقفة لم يعينوا على كنيسة واحدة، بل على إقليم بأكمله هكذا أقام الرسول بولس تيموثاوس على كل آسيا، وتيطس على كريت. ولابد وأنه أقام أساقفة آخرين على أقاليم أخرى بنفس الطريقة ... وكان الأسقف يمر على كل الكنائس فى إقليمه، ويرسم كهنة للخدمة الكنسية فى الأماكن المحتاجة إلى ذلك، ويحل أية مشكلات، ويوجه الخدام والشعب للسلوك المسيحى السليم والعقيدة القويمة بعظاته وتعليمه٦١ ... وكانت إقامة الأسقف تتم بانتخاب الشعب. وقد تكلمت تعاليم الرسل Didache٦٢ وقوانين الرسل كثيراً عن الأسقف وإقامته وعمله وخدمته٦٣.

وقد أورد القديس بولس فى رسالته الأولى إلى تيموثاوس، وفى رسالته إلى تيطس، الصفات الواجب توافرها فى الأسقف. وقبل أن نتكلم عن هذه الصفات، نشير إلى ملاحظة هامة، وهى أن هذه الوظيفة — فى مفهومها ‹ص ٢١٢› الرسولى — لم تكن وظيفة عنجهية وعظمة عالمية وكرامة فريسية ... إن احيطت بهالة من الكرامة، فهى كرامة النعمة والفضيلة وحياة الزهد والبذل ... وليست الكرامة المفروضة على الشعب، كضريبة يؤدونها صاغرين ... وهكذا نفهم كلمات الرسول بولس: «إن ابتغى أحد الأسقفية فيشتهى عملاً صالحاً» (١تى٣: ١)، لأنه فى هذه الحالة يشتهى حياة الخدمة والبذل والفقر ... «أنتم مكرمون وأما نحن فبلا كرامة. إلى هذه الساعة نجوع ونعطش ونعرى ... صرنا كأقذار العالم ووسخ كل شىء» (١كو٤: ١٠-١٣).

وأما الصفات الواجب توافرها فى الأسقف، فيمكن تلخيصها فيما يلى :

• صفة عامة تختص بالفضيلة : عدد الرسول بولس عدة فضائل ينبغى أن يتحلى بها مَنْ يؤهل لهذه الدرجة السامية، ثم عاد وأجملها فى عبارة واحدة مقتضبة «يجب أن يكون الأسقف بلا لوم كوكيل الله» (تى١: ٧) ... ما أكبر الحروف التى ينبغى أن تكتب بها هذه العبارة القصيرة الجامعة .. ما أرهب الدرجة، وما أخطر المسئولية والدينونة المرتبطة بها ... «بلا لوم كوكيل الله»!! لا تحتاج هذه العبارة إلى مزيد من الكلمات التفسيرية، بقدر ما تتطلب دراسة جدية، ووقفات طويلة تأملية!!

• صفة تختص بالعلم والتعليم : وعن هذا قال معلمنا بولس «ملازماً للكلمة الصادقة التى بحسب التعليم، عاكفاً على القراءة» (١تى٤: ١٣) ... والرسول لا يشترط فى الأسقف أن يكون هو نفسه متعلماً، فهذا وحده لا يكفى. لكنه يشترط أن يكون هو نفسه ملازماً للعلم وصالحاً للتعليم، وبعبارة أخرى قادراً على تعليم الآخرين. وهذا التعليم لا يقتصر على المؤمنين وحدهم، بل يتعداهم إلى الخارجين عن الإيمان «لكى يكون قادراً أن يعظ بالتعليم الصحيح، ويوبخ المناقضين» (تى١: ٩).

• صفة خاصة من جهة محبة المال : ويؤكد الرسول بولس على هذه النقطة فى رسالتيه إلى تيموثاوس وتيطس «ولا طامع بالربح القبيح ... ولا محب للمال» ‹ص ٢١٣› (١تى٣: ٣؛ تى١: ٧) ... ونفس الأمر يشير إليه الرسول بطرس إلى الكهنة «إرعوا رعية الله التى بينكم نظاراً، لا عن إضطرار بل بالاختيار، ولا لربح قبيح بل بنشاط، ولا كمَنْ يتسلط على ميراث الله، بل صائرين أمثلة للرعية» (١بط٥: ٢، ٣).

• صفة من جهة الخارجين عن الإيمان : يقول الرسول: «يجب أيضاً أن تكون له شهادة حسنة من الذين هم من خارج» ... لماذا؟ لأن هؤلاء هم من صميم إختصاصه ومسئوليته، ويجب أن يأتى بهم إلى الحظيرة ... هو ليس أسقفاً على المؤمنين وحدهم، بل عليه واجب ومسئولية من نحو غير المؤمنين «ولى خراف أخر ليست من هذه الحظيرة، ينبغى أن آتى بتلك أيضاً ... وتكون رعية واحدة وراع واحد» (يو١٠: ١٦).

(ب) القسوس :

ويذكرون فى العهد الجديد، أحياناً باسم «قسوس» (أع١٤: ٢٣؛ ٢٠: ١٧)، وأحياناً باسم «شيوخ أو مشايخ»٦٤ ... وقد أشارت إليهم قوانين الرسل فى كثير من المواضع٦٥. وقد حدث هذا التعدد فى الأسماء والخلط بينها، لأن القسوس كانوا أصلاً يختارون من الشيوخ كبار السن. فكلمة شيخ هى ترجمة حرفية للكلمة اليونانية Presbyteros، وهى تعريب للكلمة السريانية قشيش (قسيس) ... فحينما يذكرون فى العهد الجديد باسم قسوس، فهذا يوضح رتبتهم الكهنوتية، وحينما يذكرون تحت اسم شيوخ أو مشايخ، فهذا يعبر عن تقدمهم فى السن ...

والأمر أوضح فى الرسالة الأولى إلى الأسقف تيموثاوس ... فحينما قال له بولس: «لا تزجر شيخاً بل عظه كأب، والأحداث كأخوة، والعجائز كأمهات، ‹ص ٢١٤› والأحداث كأخوات بكل طهارة» (١تى٥: ١، ٢)، كان يقصد بالشيخ هنا، مَنْ هو متقدم فى السن ... وبعد قليل — وفى نفس الأصحاح — حينما قال له: «أما الشيوخ المدبرون حسناً، فليحسبوا أهلاً لكرامة مضاعفة، ولا سيما الذين يتعبون فى الكلمة والتعليم ... لا تضع يداً على أحد بالعجلة ...» (١تى٥: ١٧، ٢٢)، كان يقصد القسوس القائمين بالخدمة الكنسية٦٦ ويحسن فى مثل هذا الوضع أن تترجم الكلمة اليونانية بعبارة (قسوس) وليس بعبارة (شيوخ). وهكذا يوجد فى الترجمات غير البروتستانتية للكتاب المقدس.

وكانت تناط بالقسوس بعض الأعمال الرعوية، والتعليم، وخدمة الأسرار الكنسية المتصلة بالكهنوت ... وقد دعت الضرورة إلى سيامتهم بوضع اليد من الرسل وخلفائهم الأساقفة، لما إزداد عدد المؤمنين، وكثرت الكنائس ولم يعد ممكناً أن يؤدى الرسل ثم الأساقفة، الخدمة المتسعة المتزايدة ...

(جـ) الشمامسة :

والشمامسة كلمة معربة عن السريانية، وتعنى خادم دينى، ويقابلها اللفظ اليونانى دياكون Diakonos. وتقابلنا كلمة شمامسة فى رسائل القديس بولس٦٧ ‹ص ٢١٥› ... وكانت إقامتهم فى بادىء الأمر لخدمة الموائد (خدمة الفقراء المادية) ... وقد أقيموا بانتخاب المؤمنين تحت شرط أن يكونوا مملوءين من الروح القدس وحكمة. ثم قدموهم للآباء الرسل، فصلوا ووضعوا أياديهم عليهم.

كان مَنْ سامهم الرسل فى بادىء الأمر لهذه الدرجة الكهنوتية، عددهم سبعة، كان أبرزهم استفانوس (أع٦: ١-٨) ... وقد حذت الكنائس الأخرى حذو كنيسة أورشليم الأم فى إقامة الشمامسة للمساعدة فى الخدمة ... البعض تقيد بالعدد سبعة، والبعض لم يتقيد ... وقد ظلت كنيسة روما — ولعدة قرون — متمسكة بإقامة سبعة شمامسة فقط٦٨.

كانت الشماسية درجة كهنوتية سامية، ووظيفة بارزة فى كنيسة الرسل، وليس كما نرى الآن بعد أن كادت هذه الرتبة بالمفهوم الرسولى الإنجيلى أن تندثر ... كان للشمامسة خدمة قوية مثمرة ... وإن كنا نقرأ عن هؤلاء الشمامسة، أنه أنيطت بهم فى بادىء الأمر خدمة الموائد الجسدية، لكنهم كانوا يمارسون التعليم والكرازة ... نقرأ فى سفر أعمال الرسل — كمثال — عن استفانوس وخطابه الكرازى القوى (أع٦، ٧)، ومنه نلمس — إلى جانب الروحانية العجيبة والقلب الملتهب — ثقافته الدينية العالية ... ونقرأ أيضاً — كمثال — عن فيلبس أحد السبعة شمامسة، وجهوده الكرازية (أع٨: ٥-٨، ٢٦-٤٠) ... وإلى جانب ذلك نقرأ عن الآيات والمعجزات التى كان الرب يجريها على أيدى هؤلاء الشمامسة. وقد أشارت تعاليم الرسل وقوانينهم إلى الشمامسة وخدمتهم٦٩.

كان الشمامسة يقومون بالخدمة الخاصة بهم فى القداس الإلهى أثناء تقديس الأسرار، وفى الخدمات الطقسية الأخرى المرتبطة بالكهنوت فى حدود رتبتهم. كانوا يحملون الجسد والدم إلى بيوت مَنْ عاقتهم ظروفهم عن حضور خدمة القداس. ومعظم هؤلاء من المرضى. هكذا يشهد أغناطيوس الأنطاكى الشهيد فى رسالته إلى ‹ص ٢١٦› التراليين٧٠، ويوستينوس الشهيد فى دفاعه الأول٧١.

هكذا كان الشمامسة يقومون بخدمة نشيطة متعددة الجوانب ... فإلى جانب خدمة الفقراء، كانوا يسهمون فى خدمة الليتورجية، كما كانوا يساعدون الأسقف فى الشئون الإدارية للجماعة المسيحية. ولعل ذلك يفسر لنا سبب وضوح عمل الشماسية عن القسيسية أحياناً، فى تلك الفترة المبكرة من تاريخ الكنيسة٧٢.

هل القسوس هم الأساقفة ؟

جميع الطوائف البروتستانتية، ومَنْ سار فى فلكها، ممَنْ تنكر الكهنوت المسيحى، تعتقد وتعلم أن القسوس (الشيوخ أو المشايخ) هم عينهم الأساقفة. وإن هذه الأسماء الثلاثة: شيخ، قس، أسقف، إنما هى ثلاثة مدلولات لوظيفة كنسية واحدة ... وقالوا فيما قالوا، أن تسمية قسيس ربما عبرت عن الرتبة، بينما تسمية أسقف عبرت عن واجبات هذه الوظيفة. وأن الأولى أخذت عن المجمع اليهودى، والثانية عن الجماعات اليونانية ...

أما مصدر هذا الإعتقاد فهو :

• المقارنة بين (أع٢٠: ١٧)، (أع٢٠: ٢٨)، حيث يدعى نفس الأشخاص بالتسميتين (قسوس وأساقفة).

• مقارنة (١تى٣: ١-٧) مع (١تى٥: ١٧-١٩)، حيث الأولى تصف مؤهلات الأساقفة، بينما توضح الثانية تنظيمات باسم الشيوخ.

• أن القديس بولس الرسول يوجه رسالة فيلبى إلى الأساقفة والشمامسة، دون أى ذكر للقسوس (فى١: ١). ‹ص ٢١٧› • وأن القديس بولس، فى رسالته إلى تيطس بعدما تكلم عن الشيوخ إنتقل فجأة للحديث عن مؤهلات الأسقف (تى١: ٥-٧)، مما يشعر بأن التسميتين لنفس الأشخاص والوظيفة ... هذا هو مدعاة إعتقادهم٧٣.

لكننا سنرى أن الأساقفة، كانوا منذ عصر الرسل، رتبة أخرى غير القسوس المدعوين فى ترجمة العهد الجديد البيروتية البروتستانتية، شيوخاً ومشايخ، وأن رتبة الأسقفية أسمى من رتبة القسيسية٧٤.

١ - أول ما تقابلنا كلمة «شيخ»* فى سفر أعمال الرسل، حينما أرسلت كنيسة أنطاكية تقدمتها إلى «المشايخ* (فى كنيسة أورشليم) بيد برنابا وشاول» (أع١١: ٣٠). وكان ذلك بسبب المجاعة التى تنبأ عنها النبى أغابوس ... وبمقارنة هذا النص بما ورد فى (أع٤: ٣٥)، عن الأموال التى كان المؤمنون يضعونها تحت أقدام الرسل، يتضح لنا حدوث تحول فى نوع الخدمة التى كان الرسل مسئولين عنها فى بادىء الأمر ... لقد إنتقلت هذه الخدمة (قبول العطايا المادية)، من الرسل إلى المشايخ*.

ولما برزت مشكلة التهود فى الكنيسة الأولى، وكان أول ظهورها فى أنطاكية، رتب الإخوة المؤمنون فى أنطاكية أن «يصعد بولس وبرنابا وأناس آخرون منهم إلى الرسل والمشايخ* إلى أورشليم من أجل هذه المسألة. ولما حضروا إلى أورشليم قبلتهم الكنيسة والرسل والمشايخ» ... وما لبث مجمع أورشليم أن انعقد «فاجتمع الرسل والمشايخ* لينظروا فى هذا الأمر». وبعد فحص الموضوع: «رأى الرسل والمشايخ* مع كل الكنيسة أن يختاروا رجلين منهم، فيرسلوهما إلى أنطاكية مع بولس وبرنابا» ... أما صيغة الرسائل فكانت ... «الرسل ‹ص ٢١٨› والمشايخ* والإخوة يهدون سلاماً إلى الإخوة الذين من الأمم فى أنطاكية»٧٥ ... وبعدها يقول كاتب سفر الأعمال: «وإذ كانوا يجتازون فى المدن، كانوا يسلمونهم القضايا التى حكم بها الرسل والمشايخ* الذين فى أورشليم ليحفظوها» (أع١٦: ٤).

مَنْ يكون إذن هؤلاء المشايخ* الذين تكرر ذكرهم فيما يتصل بمجمع أورشليم إلى جوار الرسل؟ هل هم الأساقفة؟ ثابت تاريخياً أنه لم يكن هناك حتى ذلك الوقت سوى يعقوب البار أسقفاً على أورشليم. فمَنْ يكون هؤلاء سوى الكهنة القسوس، الذين تحولت إليهم بعض الخدمة التى كان الرسل يقومون بها أولاً كما ذكرنا ... وبالتأكيد، لم يكونوا الشمامسة، فهؤلاء أمرهم واضح ...

٢ - وفى سنة ٥٨ حضر القديس بولس إلى أورشليم حاملاً معه إحسانات كنائسه الأممية، إلى فقراء أورشليم، وقابل القديس يعقوب أسقف أورشليم، وحضر جميع المشايخ* تلك المقابلة (أع٢١: ١٨). فمَنْ يكون هؤلاء المشايخ الذين حضروا مع أسقف أورشليم، إلاَّ الكهنة القسوس.

٣ - ولا ينبغى أن يتبادر إلى الأذهان، أن هؤلاء الشيوخ كانوا من الوجهاء والأراخنة المتقدمين أو الأعضاء البارزين. فنفس القديس يعقوب أسقف أورشليم، يكشف فى رسالته الجامعة التى تحمل اسمه، الدور الذى كان لهؤلاء القسوس فى الكنيسة، فيقول: «أمريض أحد بينكم فليدع شيوخ (قسوس) الكنيسة فيصلوا عليه، ويدهنوه بزيت باسم الرب. وصلاة الإيمان تشفى المريض والرب يقيمه، وإن كان قد فعل خطية تغفر له» (يع٥: ١٤، ١٥) ... هكذا نرى أن هؤلاء الشيوخ (القسوس) لا يمكن أن يكونوا مجرد أعضاء بارزين فى وسط الجماعة المسيحية، بل هم خدام منوط بهم وظيفة دينية طقسية، ولهم القدرة على منح نعم روحية٧٦ ... وحديث معلمنا بولس الرسول فى ميليتس إلى قسوس أفسس، شاهد قوى على وظائفهم الرعوية (أع٢٠: ٢٨-٣١).

‹ص ٢١٩› ٤ - الربط الظاهرى السطحى بين (أع٢٠: ١٧) «ومن ميليتس أرسل إلى أفسس واستدعى قسوس الكنيسة»، وبين (أع٢٠: ٢٨) حيث يدعوهم أساقفة «إحترزوا إذن لأنفسكم ولجميع الرعية التى أقامكم الروح القدس فيها أساقفة لترعوا كنيسة الله التى إقتناها بدمه» ... هذا الخلط نتج من الترجمة العربية لكلمة episkopos اليونانية إلى أسقف. فهذه الكلمة فى اليونانية — كما قلنا سابقاً — تعنى «ناظر» overseer، «مدير» superintendent٧٧، «معتنى» one who exercises care over أو «قيّم» guardian٧٨. فلماذا ترجمت إلى العربية فى هذا الموضع بكلمة أسقف، وهو ليس المعنى الوحيد للكلمة؟ هذا، بينما ترجمت نفس الكلمة اليونانية فى (١بط٥: ٢) «نظاراً» ... «إرعوا رعية الله التى بينكم نظاراً، لا عن إضطرار بل بالإختيار» ...

وفى الترجمة الإنجليزية مثلاً، نجد أن هذه الكلمة فى الآية المذكورة (أع٢٠: ٢٨)، لم تترجم بكلمة bishops أى أساقفة، بل ترجمت إلى المعانى الأخرى التى تعنيها هذه الكلمة — فترجمت guardians٧٩، وترجمت فى أحدث ترجمة لجامعتى إكسفورد وكامبريدج[^80]: which the Holy spirit has given you charge ...

كما أن كلمة أسقف التى وردت فى الترجمة العربية للآية (١بط٢: ٢٥) «لأنكم كنتم كخراف ضالة، لكنكم رجعتم الآن إلى راعى نفوسكم وأسقفها»، لمَ ترد فى الترجمات الأخرى هكذا. فوردت فى الترجمة الإنجليزية guardian وليس bishop. ووردت فى الترجمة الفرنسية gardien وليس évêque كما فى الآيات الأخرى التى تتكلم عن الأسقف كرتبة كهنوتية.

‹ص ٢٢٠› واضح إذن من كل ما سبق أن كلمة «أساقفة» الواردة فى الترجمة العربية للآية (أع٢٠: ٢٨)، لا تعنى الرتبة الكهنوتية بحسب مفهوم الكلمة، بل المقصود هو المعنى اللغوى للكلمة على النحو الذى ذكرناه. ولعل أكبر دليل على صدق رأينا هذا، هو أن القديس لوقا كاتب سفر الأعمال قال عن بولس أنه: «إستدعى قسوس الكنيسة» ... وقد فهمت الكنيسة منذ القديم الآية المذكورة على هذا النحو ... فالقديس يوحنا الذهبى فمه — وهو من أئمة التفسير فى الكنيسة الجامعة — فى تفسيره لهذه الآية، لا يذكر كلمة أساقفة، بل نظار٨١.

٥ - أما الإدعاء بأن القديس بولس لم يشر إلى القسوس بينما ذكر شروط الأسقف والشمامسة فى رسالته الأولى إلى تيموثاوس (١تى٣: ١-١٣)، فهو إدعاء غير صحيح ... فالواقع أن مار بولس تكلم فى نفس الرسالة عن القسوس تحت اسم الشيوخ، فقال: «أما الشيوخ (القسوس) المدبرون حسناً، فليحسبوا أهلاً لكرامة مضاعفة، ولا سيما الذين يتعبون فى الكلمة والتعليم ... لا تقبل شكاية على شيخ (قس) إلاَّ على شاهدين أو ثلاثة شهود» ... ولئلا يظن أحد أنه قصد بالشيوخ كبار السن (كما فى ١تى٥: ١)، قال بعدها مباشرة: «لا تضع يداً على أحد بالعجلة ولا تشترك فى خطايا الآخرين» ... وواضح أنه يقصد بوضع اليد هنا الرسامة الكهنوتية، — كما سنشرح ذلك فيما بعد.

وجديراً بالذكر أن القديس بولس، غالباً ما يشير إلى القسوس فى رسائله الأخرى بحسب الخدمات التى كانوا يقومون بها. فيذكر مدبرين٨٢، ورعاة ومعلمين٨٣، وأساقفة وشمامسة (فى١: ١)، ومرشدين٨٤. وفى (١تى٥: ١٧) يذكر «الشيوخ٨٥ المدبرين حسناً»٨٦.

‹ص ٢٢١› ٦ - القديس بولس، يوجه رسالته إلى فيلبى إلى «جميع القديسين فى المسيح يسوع الذين فى فيلبى مع أساقفة وشمامسة» (فى١: ١) — وليس هناك أى ذكر أو أشارة إلى القسوس. ومن الملاحظ أن القديس بولس فى كل مرة تكلم فيها عن الأسقف بالمعنى الكهنوتى ذكره بصيغة المفرد٨٧. أما عن القسوس (الشيوخ)، فلم يرد ذكرهم فى كتابات العهد الجديد، سواء لبولس أو لكاتب سفر الأعمال أو لغيرهما إلاَّ بصيغة الجمع٨٨ ... والمرات الوحيدة التى وردت فيها كلمة شيخ فى صيغة المفرد، قصد بها شيخوخة السن وليس وظيفة القسيس الكهنوتية٨٩ وفى هذا دليل على سمو رتبة الأسقفية عن القسيسية، والدرجة الأسمى عدد وظائفها أقل من الأدنى منها ...

من أجل هذا فإن أولئك الذين ذكرهم القديس بولس فى (فى١: ١) على أنهم أساقفة، هم فى الواقع قسوس وليسوا أساقفة. وهو فى هذه الحالة يخاطب هؤلاء القسوس باعتبار خدمتهم وعملهم الرعوى. ومن ناحية أخرى، فإن التقليد القديم جداً منذ تأسيس الكنيسة إستقر على أن يقام أسقف واحد على مدينة واحدة، أو على إقليم (عدة مدن) ... أما القديس يوحنا الذهبى فمه — وهو من أعمدة التفسير فى الكنيسة الجامعة — فيرى — إلى جانب ما ذكرنا — أن مار بولس كان يعنى بالأساقفة القسوس، لأن العادة كانت أن يتبادل الخدام الألقاب ... يقول فى تفسيره للآية (فى١: ١): [يقول (مار بولس) إلى شركائى٩٠ الأساقفة والشمامسة. ما هذا، هل كان هناك أساقفة عديدون لمدينة واحدة؟ قطعاً لا. لكنه دعا القسوس هكذا، لأنهم كانوا يتبادلون الألقاب. وكان الأسقف ‹ص ٢٢٢› يدعى خادماً٩١. ولهذا السبب، حينما كتب إلى تيموثاوس — وهو أسقف — قال له: «تمم خدمتك». أما كونه أسقفاً فيتضح من قوله له: «لا تضع يدك على أحد بالعجلة» (١تى٥: ٢٢)، وأيضاً: «المعطاة لك بوضع أيد المشيخة» (١تى٤: ١٤). ومع ذلك فلا يمكن أن يكون القسوس (الشيوخ) قد وضعوا أيديهم على أسقف ... لذلك — وكما قلت — فقد دعى القسوس قديماً أساقفة، وخداماً للمسيح. ودعى الأساقفة شيوخاً ... ولكن فيما عدا ذلك فالاسم الخاص مخصص بوضوح لكل منهم]٩٢.

٧ - أما ما جاء فى (تى١: ٥-٧) «م أجل هذا تركتك فى كريت لكى تكمل ترتيب الأمور الناقصة، وتقيم فى كل مدينة شيوخاً (قسوساً) كما أوصيتك. إن كان أحد بلا لوم ... لأنه يجب أن يكون الأسقف بلا لوم كوكيل الله» ... فالقديس بولس يتكلم أولاً عن القسوس، ثم ينتقل فجأة ليتكلم عن الأسقف، مما يوحى للبعض أن القسوس والأساقفة هم درجة واحدة.

ونلاحظ هنا، أنه فى الوقت الذى يتكلم فيه عن إقامة شيوخ (قسوس) بصيغة الجمع، ينتقل فجأة لكلام عن الأسقف بصيغة المفرد ... أما السبب فى ذلك فهو لأن الكنيسة درجت على إختيار الأساقفة من بين القسوس٩٣ ... ووضعت شروطاً خاصة لمَنْ يرقى لهذه الدرجة السامية ... فلا تعارض بين النصين، ولا خلط بين الرتبتين والوظيفتين ... ومازالت الكنيسة حتى الآن تمارس الترقية من درجة كهنوتية إلى أخرى.

يقول الأستاذ كينيث وست Kenneth Wuest٩٤ فى شرحه للاصحاح الخامس من الرسالة الأولى إلى تيموثاوس، مستشهداً برأى أستاذ آخر يدعى فنسنت Vincent، ‹ص ٢٢٣› يقول: [إن النقد الحديث، يضطرنا — كما أعتقد — أن نتخلى عن فكرة وحدة الأسقف والشيخ (القس)]. ويستشهد بشهادة القديس أكليمنضس الرومانى، فى أن الأساقفة متميزين عن القسوس. وإذا كان الأساقفة يشار إليهم بوضوح كقسوس، فما ذلك إلاَّ لأنهم كانوا يختارون من بين جماعة القسوس، وظلوا يحتفظون بالاسم حتى بعد أن تركوا الوظيفة*.

" Vincent presents a strong case for his assertion, that modern criticism Compels us, I think. to abondon the view of the identity of bishop and presbyter. He cites the testimony of Clement of Rome to the effect that bishops are distinguished from the presbyters, and if the bishops are apparently designated as presbyters, it is because they have been chosen from the body of presbyters, and have retained the name even when they have ceased to hold office "٩٥.

وفى تفسيره (تى١: ٥-٧) يورد الأستاذ وست Wuest أيضاً رأى الأستاذ فنسنت الذى يقول: [إن معنى الوصية، هو أن يختار تيطس من بين مجموعة الشيوخ (القسوس) ذوى السمعة الطيبة، بعضاً، ليكونوا نظاراً (أساقفة) على الكنائس فى المدن المتعددة٩٦ ... ونفس المعنى يورده أيضاً المؤلف فى معرض حديثه عن (٢يو١) فيقول: [من بين رتبة هؤلاء (القسوس)، كان يختار الأساقفة»٩٧.

درجات الكهنوت الثلاثة فى كتابات الآباء الرسوليين :

نلاحظ أن درجات الكهنوت الثلاثة (الأسقفية والقسيسية والشماسية)، ‹ص ٢٢٤› واضحة كل الوضوح فى كتابات الآباء الرسوليين، ونقصد بهم تلاميذ الرسل ومعاصريهم. ونكتفى بعينتين من كتابات القديسين كليمنضس الرومانى، وأغناطيوس الأنطاكى الشهيد ...

• يقول كليمنضس فى رسالته إلى كنيسة كورنثوس : [والرسل ... بعد أن كرزوا فى الأقاليم والمدن، أقاموا باكورة أعمالهم — بعد أن اختبروهم فى الروح — أساقفة وشمامسة لأولئك الذين سيؤمنون فيما بعد ... طوبى لأولئك القسوس (الشيوخ)، الذين أكملوا قبل الآن (تنيحوا)، فقد كان إنتقالهم من هذا العالم مثمراً وكاملاً]٩٨.

• أما أغناطيوس الشهيد، فقد أشار مراراً فى رسائله إلى درجات الكهنوت الثلاثة :

(أ) يقول فى رسالته إلى أهل أفسس : [يليق بكم أن تكونوا باتفاق مع إرادة الأسقف الذى يدبركم، بعد أن أقامه الله عليكم، الأمر الذى تفعلونه بالحقيقة من تلقاء أنفسكم، حيث أن الروح يعلمكم أن قسوسكم الذائعى الصيت كما يليق بالله، منسجمون مع الأسقف، إنسجام الأوتار بالقيثارة]*.

(ب) وفى رسالته إلى التراليين يقول: [إخضعوا للأسقف كما للرب، لأنه يسهر لأجل نفوسكم، كإنسان سيعطى حساباً لله. من الضرورى إذن — مهما فعلتم — ألاَ تفعلوا أمراً بدون الأسقف. واخضعوا للقسوس كما لرسل يسوع المسيح رجائنا ... ويليق بكم أيضاً — من كل وجه — أن ترضوا الشمامسة الذين هم خدام أسرار يسوع المسيح. فهم ليسوا خدام طعام وشراب، بل خدام كنيسة الله]**.

(جـ) ومن رسالته إلى أهل فيلادلفيا : [لى ثقة بكم فى الرب، أن لا تتحولوا عن ذهنكم — وأكتب إليكم واثقاً فى محبتكم اللائقة بالله، حاثاً إياكم أن ‹ص ٢٢٥› يكون لكم إيمان واحد ... وافخارستيا واحدة. فإنه ليس هناك سوى جسد واحد لربنا يسوع المسيح، ودمه الواحد الذى سُفِكَ عنا ... ومذبح واحد للكنيسة كلها. أسقف واحد مع القسوس والشمامسة شركائى فى الخدمة]***.

(د) ويذكر فى قصة إستشهاده، أنه بعد أن وصل إلى سميرنا (أزمير)، إستقبله هناك الأساقفة والقسوس والشمامسة، الذين أسرعوا من الجهات المتاخمة للقائه والتبرك منه٩٩.

خدمة النساء

سبق أن عرضنا لأثر المسيحية على المرأة، ووضع المرأة فى الكنيسة المسيحية. لذا، فليس غريباً أن نلمس خدمة النساء واضحة فى كنيسة الرسل، ونقرأ عن نشاطهن. على أن ذلك لم يكن شيئاً مألوفاً فى مجتمع ذلك العصر ... لقد وجدت كاهنات فى بعض الديانات الوثنية، ووجدت عذارى للآلهة فستا Vesta، لكن دور المرأة اليهودية — فى الخدمة الدينية — كان ضئيلاً ومحدداً. والمرأة اليهودية لم تكن فى حال أفضل من هذه الزاوية، إذ لم يكن يسمح لها بالمشاركة فى الخدمة الدينية. وباستثناء أمثلة نادرة ومتفرقة١٠٠، فإن المرأة فى اليهودية، كانت بمعزل عن مجال الخدمة الدينية. وليس أدل على ذلك من الغرابة التى تملكت تلاميذ السيد المسيح حينما رأوه — فى قصة السامرية — يكلم إمرأة (يو٤: ٢٧) ... فلقد نظر معلمو اليهود فى ذلك العصر إلى المرأة نظرة إحتقار. لكن المسيحية رفعت من قدر المرأة.

‹ص ٢٢٦› لقد أشرنا قبلاً إلى النساء اللاتى كن يخدمن الرب يسوع من أموالهن ... هؤلاء لم تتوقف خدمتهن له بانتهاء حياته الجسدية على الأرض. لكنهن قدمنها له شخص كنيسته المقدسة التى هى جسده. وحتى قبل مولد الكنيسة فى يوم الخمسين، نرى مشاركة المرأة فى حياة الكنيسة وخدمتها. لقد قدمت مريم أم يوحنا الملقب مرقس (مار مرقس) بيتها فى أورشليم ليكون أول كنيسة مسيحية فى العالم (أع١٢: ١٢). وهناك كانت النساء المؤمنات والعذراء الطاهرة مريم يواظبن على الصلاة مع الرسل، منتظرين موعد الآب (أع١: ١٤).

وخارج أورشليم، نقرأ عن طابيثا فى يافا، تلك التى كانت ممتلئة أعمالاً صالحة وإحسانات للفقراء والأرامل (أع٩: ٣٦)، وبنات فيلبس المبشر الأربع اللائى كن يتنبأن فى قيصرية (أع٢١: ٨، ٩) ... ويحدثنا مار بولس فى رسالته إلى أهل فيلبى عن أفودية وسنتيخى اللتين جاهدتا معه فى الإنجيل (فى٤: ٢، ٣) ... ويشير مار بولس فى رسالته إلى أهل رومية عن خدمة النساء فى عاصمة الإمبراطورية ... فيذكر مريم التى تعبت كثيراً، وتريفينا وتريفوسا التاعبتين فى الرب ... كما يذكر برسيس المحبوبة (رو١٦: ٦، ١٢).

وفى كنيسة كورنثوس وجدت إثنتان من أنشط نساء العصر الرسولى خدمة هما بريسكلا وفيبى ... وقد خدمت الأولى مع زوجها أكيلا فى أفسس وروما وكورنثوس. وقد أقام بولس فى بيتهما فى كورنثوس مدة إقامته الطويلة هناك. ويتحدث عنهما بتقدير كبير فيقول: «اللذين وضعا عنقيهما من أجل حياتى» (رو١٦: ٤).

أما فيبى فهى أيضاً من كنيسة كورنثوس، ويذكرها القديس بولس فى الرسالة إلى أهل رومية، وهى نفسها كاتبة هذه الرسالة ... «أوصى إليكم بأختنا فيبى التى هى خادمة الكنيسة التى فى كنخريا١٠١، لكى تقبلوها فى الرب كما يحق للقديسين ... لأنها صارت مساعدة لكثيرين، ولى أنا أيضاً» (رو١٦: ١، ٢).

‹ص ٢٢٧›

الشماسات١٠٢ :

تكلمنا عن النساء فى كنيسة الرسل، وذكرنا بعض الأسماء. هؤلاء اللائى ذكرنا أسماءهن، كن يعملن بغيرة قلبية، لكننا لا نعتقد أنهن كن مكلفات من قبل الكنيسة ... وأول إشارة تقابلنا فى العهد الجديد عن دياكونية المرأة، هى المرتبطة بفيبى ... يقول مار بولس فى (رو١٦: ١) «أوصى إليكم بأختنا فيبى، التى هى خادمة الكنيسة التى فى كنخريا». والكلمة اليونانية التى ترجمت خادمة هى Diakonos وهى نفس الكلمة التى إستخدمت عن السبعة شمامسة (أع٦).

والقديس بولس فى رسالته إلى تلميذه الأسقف تيموثاوس، فيما يتحدث عن صفات الشمامسة، يشير إلى النساء «كذلك يجب أن تكون ذوات وقار غير ثالبات صاحيات أمينات فى كل شىء» (١تى٣: ١١). ويكاد يجمع جميع المفسرين القدامى والمحدثين، على أن الرسول يتكلم هنا عن الشماسات، وليس عن زوجات الشمامسة. يقول القديس يوحنا الذهبى فمه فى تفسيره لهذه الآية: [لقد ظن البعض أن هذا الكلام قد قيل عن النساء عامة. لكن الأمر ليس كذلك ... إنه يتكلم عن الشماسات]١٠٣ ... ويؤكد الأستاذ وست Wuest أن النص اليونانى يؤكد وجهة النظر بأن الأمر يختص بالشماسات١٠٤.

أما الخدمة التى كانت الشماسة منوطة بها، فهى خدمة بنات جنسها بصفة عامة، كما نصت على ذلك قوانين الرسل. كانت تقوم على المداخل المؤدية إلى القسم المخصص للنساء فى مكان العبادة١٠٥. وكان من أعمالها الهامة، ‹ص ٢٢٨› مساعدة الكاهن فى عماد النساء فى الأمور واللحظات التى يجب أن يتنحى، حتى لا يبصر جسد امرأة عارياً١٠٦ ... وكان الأسقف يرسلها لإفتقاد النساء، خاصة فى بيوت غير المؤمنين، حيث يستحسن ألاَ يذهب الشماس الرجل للإفتقاد منعاً للعثرات١٠٧.

وقد أجملت قوانين الرسل خدمة الشماسة فى النص التالى [والشماسة فلتكن صاحية فى العناية بالنساء، ويكون كلاهما (الشماس والشماسة) على استعداد لحمل رسائل، للسفر، وللخدمة]١٠٨ ... وفى تقليد قديم أن فيبى شماسة كنيسة كنخريا هى التى حملت رسالة القديس بولس إلى أهل رومية، بعد أن كتبها فى كورنثوس.

وقد إشترطت قوانين الرسل أن تكون الشماسة عذراء طاهرة، أو على الأقل أرملة سبق لها الإرتباط بزيجة واحدة١٠٩. ونلاحظ أن رتبة الشماسة فى الكنيسة ليست درجة كهنوتية، فلا كهنوت للنساء. ولا توضع عليها الأيدى كما فى حالة الرسامات الكهنوتية. لكنها تقام من الأسقف، ويتلو عليها صلاة، وردت فى قوانين الرسل١١٠، جاء فيها:

«يا الله الأبدى، أبا ربنا يسوع المسيح، خالق الرجل والمرأة، الذى ملأ بروحه مريم ودبورة وحنة وخلدة، ولم تستنكف أن يولد ابنك الوحيد من امرأة ... إلخ».

هكذا كانت الكنيسة الأولى حية لكل إحتياجاتها، واستغلت كل طاقات أعضائها، من أجل تحقيق الرعاية الكاملة لكل فرد فيها ... وعلى الرغم من الجمود الذى كان يتصف به المجتمع وقتذاك من جهة إحتجاب المرأة ووضعها، فقد عرفت الكنيسة كيف تتغلب على هذه الصعوبات الإجتماعية، التى كان لا سبيل ‹ص ٢٢٩› لإصلاحها بكلمة واحدة، أو فى زمن يسير ...

لقد دخلت الكنيسة إلى حيث النساء والفتيات فى شخص الشماسات القديسات. ونحن لا نشك فى أن شطراً كبيراً من تعليم النساء والأطفال كان موكولاً إليها. وكانت هى همزة الوصل بين الكنيسة والقطاع النسوى فيها١١١.

الأرامل١١٢ :

أول ما نقرأ عن الأرامل فى الكنيسة المسيحية فى (أع٦: ١)، فيما يتصل بموضوع إقامة السبعة شمامسة. ثم نقرأ عنهن فى قصة طابيثا (أع٩: ٣٩، ٤١) ... ويبدو أن رعاية الكنيسة لهن فى الفترة المبكرة من تاريخها كان ينحصر فى تقديم وجبات طعام يومياً (أع٦: ١). لكن سرعان ما تزايد عدد الأرامل، حتى أن الرسول بولس يعطى إهتماماً خاصاً لهن فى رسائله الرعوية. وإزاء تزايد الأعباء المادية على الكنيسة بسبب مساعدتها للأرامل، كتب القديس بولس هكذا: «إن كان لمؤمن أو مؤمنة أرامل فليساعدهن، ولا يثقل على الكنيسة لكى تساعد هى اللواتى هن بالحقيقة أرامل» (١تى٥: ١٦).

على أن ما يهمنا فى موضوع الأرامل، ليس هو رعاية الكنيسة لهن مادياً، فهذا أمر مفروغ منه، ويتكلم عنه يعقوب الرسول على أنه الديانة الطاهرة (يع١: ٢٧) ... لكن الكنيسة الناشئة عرفت كيف تقوم بواجبها إزاء هذه الفئة البائسة، وفى نفس الوقت رفعت من معنوياتهن، واستفادت منهن بعد أن كن يشكلن عبئاً عليها ... لقد عرفت الكنيسة كيف تحول هذه الفئة إلى طاقة فعالة ضمن طاقاتها.

‹ص ٢٣٠› لقد شكلت الأرامل طغمة خاصة داخل الكنيسة، لهن عمل ورسالة ... وهكذا نقلتهن الكنيسة من وضع المنتفعين الذين يتقاضون مساعدات مادية، إلى وضع الخادمات ... ليس معنى هذا أن الكنيسة تخلت عن اعالتهن والعناية بهن، لكن كانت عليهن أعمالاً يؤدونها، مقابل اعالتهن ...

يقول القديس بولس لتلميذه الأسقف تيموثاوس: «لتكتتب أرملة أن لم يكن عمرها أقل من ستين سنة، امرأة رجل واحد. مشهود لها فى أعمال صالحة. ان تكن قد ربت الأولاد، اضافت الغرباء، غسلت أرجل القديسين، ساعدت المتضايقين، إتبعت كل عمل صالح. أما الأرامل الحدثات فارفضهن لأنهن متى بطرن على المسيح يردن أن يتزوجن» (١تى٥: ٩-١١) ... هذا الكلام يوضح أنه كانت هناك شروط لعضوية طغمة الأرامل فى الكنيسة ... ليس معنى هذا أن الكنيسة كانت تساعد فريقاً من الأرامل دون فريق، بل هى كانت تساعد الجميع، لكنها إشترطت مؤهلات معينة لعضوية طغمة الأرامل، اللائى سوكل إليهن خدمات معينة١١٣.

هكذا نرى أن مؤهلات الأرملة كانت مؤهلات عالية، حتى أن القديس يوحنا الذهبى فمه، فى تعليقه على قول الرسول «اتبعت كل عمل صالح». (١تى٥: ١٠) يقول: [عجباً! أى نوع من التدقيق هذا الذى يطلبه الرسول من الأرامل. إنه يكاد يكون نفس ما يطالب به الأسقف ...]١١٤ وليس هذا فحسب، بل إن قوانين الرسل أمرت بأن تبقى الأرملة فترة تحت الإختبار، إن لم يكن موثوقاً بها، وذلك قبل أن تدرج فى قوائم طغمة الأرامل١١٥ .. ولا شك أن هذا يوضح لنا مدى إهتمام الكنيسة الأولى بهذه الفئة، التى غدت عبر الأجيال كماً مهملاً فى كنيسة المسيح!!

هكذا نرى أن الأرامل قد شكلن طغمة خاصة داخل الكنيسة، لهن كيان ‹ص ٢٣١› خاص متميز عن العلمانيين العاديين١١٦. لكن يبدو أن الأرامل فى عملهن وخدمتهن كن على نوعين: نوع منقطع للصلاة وملازمة الكنيسة تشبهاً بحنة بنت فنوئيل١١٧ التى وهى «أرملة نحو أربع وثمانيين سنة لا تفارق الهيكل، عابدة بأصوام وطلبات ليلاً ونهاراً» (لو٢: ٣٧)، ونوع كان يخدم بين المرضى، ويحث الشابات على حياة الطهارة، ويبشر بين غير المؤمنات١١٨ وهذا يتمشى مع وصية القديس بولس لتلميذه الأسقف تيطس عن العجائز «معلمات الصلاح١١٩، لكى ينصحن (يدربن) الحدثات» (تى٢: ٣، ٤).

وقد أشار الآباء الرسوليون إلى الأرامل وخدمتهن، وأوصوا بهن ... أشار إليهن هرماس فى كتابه الراعى١٢٠. والقديس أغناطيوس الشهيد، عيّر الهراطقة لأنهم أهملوا الأرامل١٢١، ويحث القديس بوليكاربوس، ألاَ يهمل الأرامل، بل يجعلهم موضع عنايته الخاصة١٢٢ ... وبوليكاربوس نفسه يحث قسوس فيلبى ألاَ يهملوا الأرامل، ويدعوهم [مذبح الله]١٢٣ ... وقوانين الرسل تشبه الأرامل والأيتام بمذبح المحرقة الذى كان فى هيكل العهد القديم، الذى كانت التقدمات تقدم عليه لله١٢٤ ... ويوستينوس الشهيد، يضع الأرامل والأيتام على رأس قائمة مَنْ توزع الكنيسة عليهم مساعداتها١٢٥.

‹ص ٢٣٢›

الرعاية الإجتماعية

ونقصد بالرعاية الإجتماعية كل أعمال الرحمة التى خصت بها الكنيسة الأولى أعضاءها من الفقرا والمنكوبين والأرامل والأيتام فى شتى صور عوزهم واحتياجاتهم ... وقد استمدت الكنيسة الأولى مشاعر العطف على الفقراء من كلمات رب المجد يسوع نفسه، وحياته الجسدية على الأرض.

١ - نظرة الكنيسة للفقراء :

عاش السيد المسيح — وهو رئيس ملوك الأرض (رؤ١: ٥) — فى العالم فقيراً، ليس له بيت خاص يأوى إليه، ولا حتى موضع يسند فيه رأسه (مت٨: ٢٠)، ولا يمتلك ثوبين ... وقد أظهر بتصرفاته حنواً بالغاً على الفقراء، وفتح بكلماته وأمثلته عن الرحمة كنوز الأغنياء، حينما أظهرها فى صورة مشرقة قوية قادرة أن توصل إلى المجد١٢٦ ... هكذا أضاءت حياة الرب يسوع وكلماته بقوة أجيال الكنيسة فى كل مكان. وكان لها من القوة والتأثير، أن عملت معجزات عبر الأجيال المتلاحقة فى الأفراد والجماعات والشعوب ...

لقد إكتسب الفقر وضعاً جديداً نتيجة شعاع إنعكس عليه من مجد ذاك الذى إتضع وصار فقيراً ... وهكذا رفع الفقراء وكرموا بعد أن جعلهم المسيح إخوته، واعتبر ما يصنع بهم من أعمال الرحمة كأنها قدمت إليه. وتستوى فى ذلك الأعمال العظيمة، مع ما يبدو تافهاً ... فحتى كأس الماء البارد باسمه لا يضيع أجره (مت١٠: ٤٢) ...

هكذا آمنت الكنيسة الأولى بالرحمة كفضيلة كبرى ومظهر للقلب الذى ‹ص ٢٣٣› يريده الله، وعلمت بنفعها، وبأنها الديانة الطاهرة النقية عند الله الآب (يع١: ٢٧)، فى الوقت الذى حملت على الثروة المادية المعطلة التى يساء إستخدامها، وعلى الأثرياء الذين يعيشون لأنفسهم فقط ...

ويقدم لنا سفر أعمال الرسل البرهان العملى على إيمان أعضاء الكنيسة الأولى بعمل الرحمة، فيذكر لنا مَنْ باعوا حقولاً وبيوتاً وقدموا أثمانها للكنيسة ... ومن بينهم يسجل لنا أسماء برنابا الرسول وحنانيا وسفيرة (أع٤: ٣٤-٥: ٢). كما يذكر اسم طابيثا التى إهتمت بالفقراء، وعلى الأخص بالارامل (أع٩: ٣٦-٣٩) ... هذا من الناحية الفردية، أما على مستوى الكنيسة العام، فقد كان هناك تنظيم مالى خاص ...

٢ - التنظيم المالى والرعوى فى كنيسة الرسل :

واضح أن المجتمع المسيحى الأول — على الأخص فى أورشليم — كان معظم أعضائه من العناصر الفقيرة الكادحة١٢٧ ويكشف لنا القديس بولس ذلك حينما يقول: «ليس كثيرون حكماء حسب الجسد، ليس كثيرون أقوياء، ليس كثيرون شرفاء» (١كو١: ٢٦). وإزاء ذلك — ومع إزدياد عدد المؤمنين يوماً فيوم — أخذت مسئوليات الكنيسة المالية تتزايد ... واضحت الحاجة ماسة إلى تنظيم رعوى للفقراء، بالإضافة إلى تنظيم مالى ...

فيما يختص بالتنظيم الرعوى، أقامت الكنيسة الأولى السبعة شمامسة كهيئة مسئولة عن خدمة الموائد، وهو إصطلاح يعنى الخدمة الإجتماعية. وكانت الكنيسة فى الفترة المبكرة جداً تقدم وجبات طعام يومية لفقراء المؤمنين.

أما التنظيم المالى فكان الغرض منه، أن يحيا كل فرد فى الجماعة حياة كريمة «لم يكن فيهم أحد محتاجاً» (أع٤: ٣٤). هذه الحياة الكريمة جاءت ‹ص ٢٣٤› نتيجة للحياة المشتركة، أو الحياة الإشتراكية كما تسمى «لم يكن أحد يقول إن شيئاً من أمواله له، بل كان عندهم كل شىء مشتركاً» (أع٤: ٣٢). ونلاحظ على الإشتراكية المسيحية الأولى، أنها مفهوم روحى بالدرجة الأولى وليست بحسب المفهوم الإقتصادى فى النظام الشيوعى الحديث ... ونلاحظ على هذه الإشتراكية المسيحية الأولى ما يلى:

(أ) لم تكن إجبارية (أع ٥: ٤) ... فالمسيحية تعلم أن الإنسان لا ينال جزاء عمل طيب يعمله إلاَّ إذا عمله برضاه وبمحض إرادته ورغبته. هكذا يقول مار بولس لفليمون: «لكن بدون رأيك لم أرد أن أفعل شيئاً، لكى لا يكون خيرك كأنه على سبيل الاضطرار، بل على سبيل الإختيار» (فل١٤).

(ب) هذه الإشتراكية الأولى لم تكن تعنى التجرد التام من كل شىء. فمريم أم يوحنا الملقب مرقس، استمرت تمتلك بيتاً فى أورشليم، كانت تعقد فيه إجتماعات الكنيسة (أع١٢: ١٢).

(جـ) إن هذه الإشتراكية كانت وليدة مفهوم روحى جديد، ونتيجة عمل النعمة فى القلب ... لقد أصبح جميع المسيحيين أعضاء فى جسد واحد رأسه المسيح، وكان لهم قلب واحد ونفس واحدة١٢٨. فلا عجب إن كان لهم الإحساس الواحد بآلام البعض واحتياجاتهم. والكنيسة لم تطالب أعضاءها بأن يقدموا ... لقد قدموا هم من تلقاء أنفسهم، بل كانوا يلتمسون من الكنيسة أن تقبل عطاياهم. هذا ما كشفه القديس بولس عندما تكلم عن المكدونيين «لأنهم أعطوا حسب الطاقة، أنا أشهد وفوق الطاقة من تلقاء أنفسهم. ملتمسين منا بطلبة كثيرة أن نقبل النعمة، وشركة الخدمة التى للقديسين» ... أما السر فى ذلك، فيكشفه الرسول فى الآية التالية مباشرة، فيقول إنهم سبق وأعطوا أنفسهم أولاً للرب (٢كو٨: ١-٥). ولا شك أن هذه هى مفاعيل النعمة.

(د) إن الحادث المحزن الذى تخلل هذه الروح الرائعة — ونعنى به موت حنانيا ‹ص ٢٣٥› وسفيرة بالصورة التى ماتا عليها — لم يكن عقاباً إلهياً لهما لإحتجازهما جزء من ثمن الحقل، بل لأنهما كذبا على روح الله «لماذا ملأ الشيطان قلبك لتكذب على الروح القدس ... أليس وهو باق كان يبقى لك. ولما بيع ألم يكن فى سلطانك ... أنت لم تكذب على الناس بل على الله» (أع٥: ١-١٠) ... هكذا لم يكن قصد الله من هذه التجربة إرهاب الأغنياء، إنما تأكيد حضوره وسط شعبه وإبراز لأهمية الفضيلة، وأنه فاحص القلوب وعالم بالخفايا.

(هـ) إن عبارة «لم يكن فيهم أحد محتاجاً»، هى تطبيق لما جاء فى (تث١٥: ٤)، وهى صورة مثالية لمستقبل الكنيسة — إسرائيل الجديد. وكأن حالة الكنيسة فى أورشليم إنما هو إتمام لتلك النبوة القديمة١٢٩.

أما ملامح هذا التنظيم المالى، فكانت كالآتى:

(أ) كانت جميع التقدمات وأثمان المبيعات يأتى بها أصحابها «ويضعونها عند أرجل الرسل، فكان يوزع على كل أحد كما يكون له إحتياج» (أع٤: ٣٤، ٣٥) ... ومعنى هذا أنه كان هناك صندوق عام تحفظ فيه كل التقدمات. ولعل الرسل أخذوا هذا التنظيم عن معلمهم نفسه١٣٠. فنحن نعلم مما أورده القديس يوحنا فى إنجيله، أنه كان هناك صندوق للجماعة فى عهدة يهوذا الإسخريوطى (يو١٢: ٦). وكان الغرض من هذا الصندوق أن ينفق على الجماعة ويعطى للفقراء «لان قوماً، إذ كان الصندوق مع يهوذا، ظنوا أن يسوع قال له اشتر ما نحتاج إليه للعيد، أو أن يعطى شيئاً للفقراء» (يو١٣: ٢٩).

(ب) كان المحتاجون يأخذون المعونات من الكنيسة وليس من الأفراد. ولا شك أن هذه طريقة كريمة تحفظ للفقراء كرامتهم كبشر وكأعضاء فى الكنيسة، فضلاً عن ضبط عملية الإحسانات ذاتها. يقول القديس يوحنا الذهبى فمه: [لم يعط الأثرياء المحتاجين فى أيديهم، ولم يقدموا تقدماتهم بتفاخر، لكنهم وضعوها ‹ص ٢٣٦› عند أقدام الرسل، وتركوها للمدبرين وأصبح مالاً عاماً، حتى يسدوا فيما بعد الإحتياجات، ليس من أموال خاصة بل من مال الجماعة]١٣١.

(جـ) ليس لغير حكمة ذكر سفر الأعمال أن أموال التقدمات كانت «توضع عند أرجل الرسل» (أع٤: ٣٤) ... فلا شك أن هذا يوضح نظرة الآباء الرسل للمال ... إنه دائماً عند أرجلهم، كناية عن أن شهوة المال لا تسود عليهم ... ألاَ يتمشى هذا التعبير — بما يحمله من مفهوم روحى — مع ما اشترطه مار بولس فى الأسقف «ألاَ يكون طامعاً بالربح القبيح ... ولا محباً للمال» (١تى٣: ٣). ثم ألاَ تفسرها كلمات مار بطرس للكهنة فى رسالته «إرعوا رعية الله التى بينكم ... لا لربح قبيح بل بنشاط. ولا كمَنْ يتسلط على ميراث الله، بل صائرين أمثلة للرعية» (١بط٥: ٢، ٣) ...؟

(د) كانت الكنائس الأخرى تعاون فى سد إحتياجات الكنيسة الأم فى أورشليم، إحساساً منها بأنها مدينة لها بالإيمان١٣٢ «لأنه إن كان الأمم قد إشتركوا فى روحياتهم، يجب عليهم أن يخدموهم فى الجسديات أيضاً» (رو١٥: ٢٧) ... فقد حمل القديس بولس تقدمات كنائسه الأممية عدة مرات إلى أورشليم. وحينما أعطوه الرسل يمين الشركة مع برنابا، أوصوهما بأن يذكرا فقراء أورشليم١٣٣ ... وقد غدا هذا تقليداً ثابتاً فى الكنائس١٣٤.

(هـ) يبدو أنه كانت هناك سجلات منظمة تسجل فيها أسماء الذين يستحقون ويتقاضون الإعانات المالية. ففيما يختص بالأرامل، يقول بولس الرسول: «لتكتتب أرملة إن لم يكن عمرها أقل من ستين سنة، امرأة رجل واحد ...» ‹ص ٢٣٧› (١تى٥: ٩). والكلمة اليونانية التى تترجم «تكتتب» هى Katalego، ومعناها [يختار ويكتب فى سجل أو قائمة]١٣٥ ... وهذا يلقى ضوءاً على ناحية من نواحى التنظيم فى الكنيسة الأولى.

هكذا كانت الكنيسة الأولى، وهى مازالت فى طور طفولتها من جهة عمرها الزمنى — لكن فى إكتمال رجولتها الروحية — تؤدى بالرعاية الإجتماعية لشعبها وأعضائها على خير وجه، بدقة متناهية، وبصورة كريمة لا تهدر شخصية الفقير ولا تؤذى شعوره، وفى إعتناء كبير بمَنْ دعاهم الرب إخوته ...

الرعاية الأدبية والروحية

ويمكن أن نلمس جهود الكنيسة فى هذا الميدان، حينما نستعرض النقاط التالية:

١ - الحياة الأدبية:

الكنيسة المسيحية الناشئة — وهى محاطة بكل غوايات الوثنية وشرورها ومفاسدها — كان عليها أن تسهر دائماً. وكانت هذه هى وصية سيدها ومعلمها دائماً١٣٦ ... وتعكس لنا بعض رسائل القديس بولس صوراً لفساد العالم الوثنى القديم، كما تحمل لنا فى أسى، إشارات إلى أن العالم كان أقوى من بعض حديثى الإيمان، وإستطاع أن يستردهم ويطويهم فى لججه ... ومن أمثلتهم ديماس الذى «أحب العالم الحاضر» (٢تى٤: ١٠)، وأولئك الذين أشار إليهم بولس فى حزن لأنهم صاروا «أعداء صليب المسيح» (فى٣: ١٨).

‹ص ٢٣٨› كانت المعركة التى خاضتها الكنيسة ضد كل أنواع الفساد الخلقى «عبادة الأوثان، سحر، عداوة، خصام، غيرة، سخط، تحزب، شقاق، بدعة، حسد، قتل، سكر، بطر وأمثال هذه» (غل٥: ١٩)١٣٧. لكنها تركزت بالأكثر ضد خطايا الجسد١٣٨، التى قال عنها الرسول بولس «أعمال الجسد ظاهرة (واضحة أو معروفة) التى هى زنى، عهارة، نجاسة، دعارة»١٣٩ (غل٥: ١٩).

ويكشف لنا تحذير القديس بولس المستمر من الوقوع فى خطايا الجسد، ما كان يمكن أن تحدثه هذه الخطايا فى نفوس البعض، نتيجة إستعدادهم الخطير للارتداد إلى غواية الخطية١٤٠. وكانت الكنيسة لا تتساهل مع الأعضاء الدنسين الذين فى وسطها، لأنها كانت تدرك تماماً، أنها لو سمحت بالإنحلال الخلقى والدعارة فسيتلاشى وجودها.

ونلمس من كتابات القديس بولس أن الحياة الأدبية لم تكن إحدى جوانب المسيحية، بل كانت ثمرها وغايتها على الأرض «أما ثمر الروح فهو محبة، فرح، سلام، طول أناة، لطف، صلاح، إيمان، وداعة، تعفف ... الذين هم للمسيح قد صلبوا الجسد مع الأهواء والشهوات» (غل٥: ٢٢-٢٤) ... ويمكن القول بان عمل الرسل الكرازى، كان عملاً روحياً أدبياً، يهدف إلى إنهاض الإحساس الأدبى وتقويته. وكانت الوصايا الأدبية لها دائماً المكانة الأولى.

‹ص ٢٣٩› وتنعكس هذ الأهمية من ثنايا كتابات الآباء الرسوليين، وآباء وعلماء القرن الثانى. ونلمس ذلك بوضوح فى الفصل الأول من رسالة كليمنضس الرومانى إلى كنيسة كورنثوس، وكتاب تعاليم الرسل Didache وخاتمة رسالة برنابا، وكتاب الراعى هرماس، والمقالة المعنونة كليمنضس الثانية، والفصل الأخير من دفاع أرستيديز Aristides، كما أن يوستينوس الشهيد يركز فى دفاعه على أدبيات المسيحية، وأنها مرعية من المسيحيين١٤١.

ونلاحظ على هذه الكتابات أنها تتسم بأسلوب العنف والشدة. والسبب فى ذلك كما ذكرنا، أن بقاء المسيحية كديانة روحية، كان مرتبطاً بمبادئها التى قدمتها للعالم ... وكان دفاع المدافعين المسيحيين منصباً على دفع شبهات الفساد الخلقى الذى حاول أعداء المسيحية أن يلصقوه بها. والعقوبة القاسية التى أوقعها القديس بولس على الشاب الزانى بالمحارم فى كورنثوس (١كو٥)، لم تكن حادثة فريدة. فقد كانت الكنيسة تطرد وتقطع من شركتها، مرتكبى هذه الخطايا الشنيعة١٤١.

كان الارتباط بزوجة واحدة فى الجماعات المسيحية، هو العلاقة الشرعية الوحيدة المسموح بها بين الجنسين. وكان الزواج الثانى (بعد الترمل) غير مستحب، وبسببه كثرت المناقشات فى القرن الثانى، هل يسمح بالزواج الثانى أم لا. ولا شك أن هذا الموضوع يتصل إتصالاً وثيقاً بموقف الكنيسة من الشهوات الجسدية، ونظرتها لحياة العفة ومفهومها. ويتصل بهذا الموضوع أيضاً تحريم الإجهاض تحريماً باتاً، وتعريض الأطفال للموت١٤١.

كانت مهمة الكنيسة كبيرة وخطيرة وشاقة. فقد كان عليها أن ترعى دائماً — بنفس ساهرة وعين لا تنعس — أعضاءها المبعثرين هنا وهناك فى أنحاء المسكونة، وسط غالبية وثنية ساحقة، وفساد متأصل. وبفضل جهود الكرازة والخدمة التى قام بها خدام أمناء ورعاة ملتهبون من أمثال بولس الرسول وغيره من الكارزين، ومؤازرة روح الله وعمله فى المخدومين، نمت أدبيات المسيحيين ‹ص ٢٤٠› وروحياتهم فى ذلك العصر إلى درجة كبيرة من الطهارة والتقوى والقداسة. واتسمت مسيحية الكنيسة الأولى بكل جمال خليقة الله الجديدة. وكان لذلك أثر عظيم فى إنتشار الإيمان بصورة مذهلة ... فقد أحب العالم القداسة، وآمن بأفضليتها، حينما رأوا أناساً قديسين١٤٢.

٢ - السلطان الكنسى:

هذه الكنيسة التى أقتناها الله بدمه، كان لابد لها من سلطان عال يرعى كيانها ويحفظه، ويدبر أمورها الداخلية ويسوسها ... هذا هو ما نسميه بسلطان الكنيسة ... وقد إنتقل هذا السلطان إليها من الرب نفسه. الذى قال لرسله القديسين قبيل صعوده إلى السماء «دفع إلى كل سلطان فى السماء وعلى الأرض. فاذهبوا وتلمذوا جميع الأمم وعمدوهم باسم الآب والابن والروح القدس. وعلموهم أن يحفظوا جميع ما أوصيتكم به. وها أنا معكم كل الأيام إلى إنقضاء الدهر» (مت٢٨: ١٨-٢٠) ... وقد تقلد الرسل هذا السلطان أيضاً حينما قال لهم: «وإن لم يسمع من الكنيسة فليكن عندك كالوثنى والعشار. الحق أقول لكم كل ما تربطونه على الأرض يكون مربوطاً فى السماء. وكل ما تحلونه على الأرض يكون محلولاً فى السماء» (مت١٨: ١٧، ١٨) ... بل لقد جعل الرب يسوع صوت الكنيسة كصوت الله نفسه «الذى يسمع منكم يسمع منى» (لو١٠: ١٦) ...

وحيث أن الكنيسة مؤسسة روحية، فسلطانها سلطان روحى خالص ... ولم تحاول كنيسة الرسل أن تخرج عن هذا النطاق، أو تدعى لنفسها سلطاناً زمنياً، أياً كان نوعه ... فمملكة المسيح مملكة روحية ليست من هذا العالم ... فى هذا الدهر يملك المسيح على القلوب، وفى الدهر الآتى مملكته فى السماء ... وقد استخدمت كنيسة الرسل هذا السلطان الإلهى المعطى لها كسياج للحفاظ على حياة المؤمنين ‹ص ٢٤١› الروحية والأدبية، ولصون الإيمان الأرثوذكسى، وكل ما يتصل بنظام الكنيسة وعبادتها سليماً ...

ولقد مارس الآباء الرسل هذا السلطان الإلهى فى هذه الأغراض وأشباهها:

+ تكلم القديس بولس عن هذا السلطان الإلهى فقال «فإنى وإن افتخرت شيئاً أكثر بسلطاننا الذى أعطانا إياه الرب لبنيانكم لا لهدمكم لا أخجل، لئلا أظهر كأنى أخيفكم بالرسائل» (٢كو١٠: ٨، ٩). وقال أيضاً «لذلك أكتب بهذا وأنا غائب لكى لا أستعمل جزماً وأنا حاضر حسب السلطان الذى أعطانى إياه الرب، للبنيان لا للهدم» (٢كو١٣: ١٠).

وفى كلا القولين نلاحظ أمراً هاماً، وهو أن هذا السلطان الإلهى الذى أعطى للكنيسة فى شخص الرسل، يهدف بالدرجة الأولى للبنيان لا للهدم، لبنيان المؤمنين لا لهدمهم. وقد تناولت قوانين الرسل هذا الموضوع بإسهاب، ووضعت تحت طائلة العقاب الإلهى كل مَنْ يستخدم هذا السلطان إستخداماً مغرضاً ...

+ وكمثال لسلطان الكنيسة للمحافظة على حياة المؤمنين الروحية والأدبية، موقف القديس بولس إزاء الشاب الذى إرتكب زنا بالمحارم فى كورنثوس ... قال: «فإنى أنا كأنى غائب بالجسد، ولكن حاضر بالروح قد حكمت كأنى حاضر فى الذى فعل هذا هكذا، باسم ربنا يسوع المسيح إذ أنتم وروحى مجتمعون مع قوة ربنا يسوع المسيح أن يسلم مثل هذا للشيطان لهلاك الجسد لكى تخلص الروح فى يوم الرب يسوع» (١كو٥: ٣-٥) ... ومرة ثانية يكتب لكنيسة كورنثوس ... «هذه المرة الثالثة آتى إليكم. على فم شاهدين وثلاثة تقوم كل كلمة. قد سبقت فقلت، وأسبق فأقول كما وأنا حاضر المرة الثانية، وأنا غائب الآن أكتب للذين أخطأوا من قبل ولجميع الباقين أنى إذا جئت أيضاً لا أشفق» (٢كو١٣: ١، ٢).

‹ص ٢٤٢› + وكمثال لسلطان الكنيسة للحفاظ على الإيمان الأرثوذكسى، ما قاله معلمنا بولس لكنيسة غلاطية ... «ولكن إن بشرناكم نحن أو ملاك من السماء بغير ما بشرناكم فليكن أناثيماً (محروماً). كما سبق فقلنا أقول الآن وأيضاً إن كان أحد يبشركم بغير ما قبلتم فليكن أناثيماً (محروماً)» (غل١: ٨، ٩)١٤٣ ... وبعد أن عرض الرسول للذين يعلمون تعليماً خاطئاً، قال «الذين منهم هيمينايس، والاسكندر اللذان أسلمتهما للشيطان لكى يؤدبا حتى لا يجدفا» (١تى١: ٢٠) ... وقال القديس يوحنا الرسول فى رسالته الثانية «إن كان أحد يأتيكم ولا يجىء بهذا التعليم فلا تقبلوه فى البيت ولا تقولوا له سلام. لأن مَنْ يسلم عليه يشترك فى أعماله الشريرة» (٢يو١٠).

+ وكمثال لسلطان الكنيسة للمحافظة على نظام الكنيسة وعبادتها، ما قاله معلمنا بولس لكنيسة كورنثوس «كما دعا الرب كل واحد هكذا ليسلك، وهكذا أنا آمر فى جميع الكنائس» (١كو٧: ١٧) ... «ولكن إن كان أحد يظهر أنه يحب الخصام فليس لنا نحن عادة مثل هذه ولا لكنائس الله» (١كو١١: ١٦) ... ويقول للتسالونيكيين «ثم نوصيكم أيها الإخوة باسم ربنا يسوع المسيح أن تتجنبوا كل أخ يسلك بلا ترتيب وليس حسب التقليد الذى أخذه منا ... وإن كان أحد لا يطيع كلامنا بالرسالة فسموا هذا ولا تخالطوه لكى يخجل» (٢تس٣: ٦، ١٤).

٣ - التأديبات الكنسية:

مارست كنيسة الرسل، سلطانها المعطى لها من الله، لبنيان نفوس أعضائها، فأوقعت على بعض المنحرفين والخطاة بعض تأديبات خاصة بقصد تقويمهم فى الفضيلة وتهذيب نفوسهم وتدريبهم على التقوى١٤٤ ... والتأديبات الكنسية ليست قصاصاً ‹ص ٢٤٣› أو عقاباً يكفر عن خطية الإنسان، فالخطية لا يكفر عنها سوى دم المسيح وحده، أما هذه التأديبات فهى — كما قلنا — للتقويم والتهذيب، وفى بعض الحالات لدراء خطر أو ضرر يمكن أن يحدث ...

إن الكنيسة فى هذه الحالة كالطبيب الذى يعالج مرضاه، كلاً حسب حالته ... فهو يعالج البعض بالأدوية مرة المذاق، وينصح البعض بالتزام الراحة التامة، والبعض الآخر تستدعى حالتهم عزلهم عن الأصحاء، ونهى الأصحاء عن مخالطتهم حتى لا تنتقل العدوى إليهم ... لكن إذا كان المرض خطيراً جداً ولا سبيل إلى البرء منه، ويُخشى من إمتداد المرض إلى باقى الأعضاء، فقد كانت الكنيسة — فى حزن وألم — تقطع العضو من شركتها، على نحو ما يفعل الطبيب الذى تضطره حالة المريض إلى أن يبتر عضواً من أعضاء جسمه ..

لكن نلاحظ فيما وصل إلينا من كتابات العهد الجديد أو قوانين الرسل، إن هذه التأديبات الكنسية كانت تتسم بروح المحبة والحنو والرحمة وطول الروح، وتستهدف، بالفعل بنيان المؤمنين، لا هدمهم (٢كو١٠: ٩؛ ١٣: ١٠). ولا شك أن الكنيسة قد تسلمت هذه الروح من الرب يسوع الذى أظهر ملء الحنان والحب والشفقة فى معاملته للخطاة، وفى اقتيادهم إلى التوبة ...

فالشاب الذى إرتكب خطية زنا بالمحارم فى كورنثوس — بعد أن قدم ثمار توبته، كتب معلمنا بولس إلى الكنيسة يقول: «مثل هذا يكفيه هذا القصاص الذى من الأكثرين حتى تكونوا بالعكس تسامحونه بالحرى وتعزونه لئلا يبتلع مثل هذا من الحزن المفرط. لذلك أطلب أن تمكنوا له المحبة» (٢كو٢: ٦-٨). ويكتب إلى كنيسة تسالونيكى يقول: «إن كان أحد لا يطيع كلامنا بالرسالة، فسموا هذا ولا تخالطوه لكى يخجل. ولكن لا تحسبوه كعدو بل انذروه كأخ» (٢تس٣: ١٤).

وقد أفاض الآباء الرسل فى الكلام عن معاملة الخطاة بالحنو والرفق والرحمة والعدل ... وقد حذروا الأسقف من القسوة والصرامة وتعالى القلب ونصحوه بالتريث ‹ص ٢٤٤› وعدم الاسراع فى الحكم. واعتبروا عقوبة القطع من شركة الكنيسة جريمة قتل، وتبديداً لشعب الله١٤٥.

وكانت هذه التأديبات الكنسية تتدرج وتتفاوت فى نوعها حسب الخطأ الذى إرتكبه الشخص. وأقصى عقوبة كانت هى الفرز من الكنيسة ... لكن حتى فى هذه الحالة كان الهدف هو أن يخجل الخاطىء ويحس بما إرتكبه ... «لا تحسبوه كعدو، بل إنذروه كأخ».

الرعاية والتعليم

كان التعليم يمثل قطاعاً متميزاً فى الرعاية فى حياة الكنيسة الأولى. فلقد كانت وصية الرب لرسله قبيل صعوده، أن يذهبوا ويتلمذوا جميع الأمم، ويعمدوهم ويعلموهم أن يحفظوا جميع ما أوصى به (مت٢٨: ١٨-٢٠). وقبل أن يأمرهم بالذهاب والتعليم، أعطاهم سلطاناً «دفع إلىَّ كل سلطان فى السماء وعلى الأرض» ... هذا السلطان هو سلطان التعليم ... ليس لكل إنسان أن يعلم، بل للذين أعطى لهم. لقد وجد كثير من المعلمين فى زمان السيد المسيح، لكنه إختلف عنهم، إذ كان يعلم «كمَنْ له سلطان وليس كالكتبة» ... وقد سبق لنا أن تناولنا بالكلام المعلمين فى الكنيسة، وموهبة التعليم التى هى إحدى مواهب الروح القدس ...

وربما احتاجت الكنيسة الأولى إلى التعليم أكثر من أى زمان آخر ... فالمؤمنون الجدد كانوا فى حاجة إلى ثبات فى الإيمان مقابل أعدائهم الذين كانوا يثيرون عليهم أتعاباً، وكانوا فى حاجة إلى معرفة عقلية عقيدية عن هذه الديانة الجديدة، وعن كل ما يتعلق بها ... خصوصاً وأن الديانة المسيحية تختلف عن ‹ص ٢٤٥› الديانات الأخرى إختلافاً جوهرياً، وهى أنها حياة، وليست مجموعة فرائض وطقوس شكلية خارجية ...

لقد وقعت مسئولية التعليم بأكملها على الرسل فى بداية الأمر، حيث هم وحدهم الذين جلسوا تحت قدمى الرب يسوع وتلقنوا منه. ونلاحظ أنهم أعطوا التعليم أهمية كبرى عما سواه من المسئوليات ... فقد رفضوا أن يتركوا كلمة الله ليخدموا الموائد (أع٦: ٢) ... وليس أدل على الإهتمام بالتعليم من الشرط الأساسى الذى إشترطوه فى الأسقف «أن يكون صالحاً للتعليم»١٤٦. وما لبثت أن إزدادت الحاجة إلى المعلمين والتعليم بانتشار الإيمان المسيحى، واصطدامه باليهودية ممثلة فى اليهود واليهود المتنصرين والأبيونيين، وبالوثنية ممثلة فى الفلسفات الوثنية المختلفة ... وكان لابد من علماء مسيحيين قادرين على رد هجمات هؤلاء وأولئك وإلاَّ أصيبت المسيحية بنكسة ...

ونستطيع أن نميز فى كنيسة الرسل ثلاثة أنواع من التعليم١٤٧. نوع يختص بتبشير غير المؤمنين وهو ما يسمى Kerygma، ونوع يعنى بتعليم الموعوظين قبل العماد، وتعبر عنه الكلمة اليونانية Didache. ثم كان هناك وعظ وتعليم المؤمنين أنفسهم، وكان يهدف إلى الحث على الثبات فى الإيمان والفضيلة، وهو ما يُعرف باسم Paraklésis (أع ١٤: ٢٢؛ ١٥: ٣٢).

‹ص ٢٤٦›

بعض مبادىء مسيحية فى عصر الرسل

ونعرض هنا لبعض المبادىء المسيحية التى حض عليها الآباء الرسل والتى ظهرت فى حياة الجماعة فى ذلك الوقت المبكر من تاريخها:

١ - المحبة:

المحبة فى المسيحية هى الوصية الأولى والعظمى (مت ٢٢: ٣٨). وهى أعظم من الإيمان الذى ينقل الجبال ويقيم الموتى، وأعظم من الرجاء (١كو١٣: ١٣)، وهى غاية الوصية (١تى١: ٥) وهى علامة التلمذة الحقة للمسيح (يو١٣: ٣٥). وهى تكميل الناموس الإلهى (يع٢: ٨)، وهى أول ثمار الروح القدس (غل٥: ٢٢)، بل هى الله نفسه «الله محبة» (١يو٤: ٨) ... ولم تكن هذه المحبة وقفاً على على الأحباء، بل تعدتهم إلى الأعداء لتحولهم إلى أحباء (مت٥: ٤٤؛ رو١٢: ٢٠) ... لا عجب إذن إن رأينا آثار هذه المحبة كوصية إلهية، تظهر بوضوح فى حياة الجماعة الأولى ... ونستطيع أن نلمسها فى النقاط التالية:

(أ) العطايا المادية:

وقد عرضنا لها فى كلامنا عن التنظيم المالى والرعوى ... ونضيف هنا أن المسيحيين الأوائل أظهروها فى:

● العطاء والحسنات فى مجموعها. وبالاضافة إلى ما ورد فى أسفار العهد الجديد، فقد تكلم عنها بوضوح وتقدير كبير هرماس فى كتابه الراعى، وكليمنضس الرومانى فيما يعرف بالرسالة الثانية١٤٨.

‹ص ٢٤٧› ● إعالة المعلمين والخدام. فبالإضافة إلى مبدأ القديس بولس أن الفاعل مستحق أجرته، فقد أوصى به الآباء والرسل فى تعاليمهم وقوانينهم١٤٩.

● إعالة الأرامل والأيتام، وقد عرضنا لذلك قبلاً.

● رعاية المرضى والعجزة والمقعدين وغير القادرين. ومنذ البداية كانت الكنيسة ترعى هؤلاء بذكرهم فى صلواتها وزيارات الخدام لهم، وسد إحتياجاتهم المادية١٥٠.

● العناية بالمحبوسين. قال معلمنا بولس: «أذكروا المقيدين كأنكم مقيدون معهم، والمذلين كأنكم أنتم أيضاً فى الجسد» (عب١٣: ٣). ويقول هرماس «خلص خدام الله من قيودهم» ... كان هناك محبوسون لأجل إيمانهم، وآخرون محبوسون وفاء لديون عليهم. وكان يجب افتقاد النوعين بالصدقة والمحبة. وكان الشمامسة يزورون فى السجون المحبوسين لأجل الإيمان يعزونهم ويشجعونهم ويقدمون لهم ما يحتاجونه ... وكان المؤمنون العلمانيون يظهرون أيضاً نفس المحبة١٥١.

● العناية بمَنْ تحل بهم الكوارث. وقد مدحت الكنيسة — منذ وقت مبكر — لأنها وقفت بنبل إزاء إختبار الاضطهاد والكوارث التى حلت بها (انظر عب١٠: ٣٢-٣٤).

● ضيافة الغرباء. ومنذ البداية أبرز الآباء الرسل أهمية إضافة الغرباء١٥٢. ويذكر هرماس فى كتابه الراعى، ضيافة الغرباء ضمن قائمة الفضائل ... ولعل ‹ص ٢٤٨› أهمية هذه الفضيلة فى تاريخ الكنيسة المبكر يرجع إلى أنها — الكنيسة — كانت بلا أمكنة ثابتة. وكان الإخوة والخدام دائمى السفر والتنقل١٥٣ ... وفى رسائل ووثائق الكنيسة الأولى، نجد صلوات وتشفعات مقدمة من الكنيسة لأجل الغرباء والمعتنين بهم١٥٤.

● العناية بالكنائس الفقيرة أو التى يحيق بها خطر. وهذا واضح فى سفر أعمال الرسل ورسائل القديس بولس ... فقد كانت تجمع تقدمات لأجل فقراء أورشليم. وقد إهتم بولس بهذا الأمر، وجمع من كنائس أنطاكية وغلاطية ومقدونية وأخائية١٥٥.

(ب) روح الاخوة:

مجدت المسيحية فكرة الإنسانية، ووضعتها فوق القومية التى مزقت العالم القديم بمدولها الحسى، وما أثارته من نعرات. ومن ثم، فقد قادت الناس إلى مشاعر أنبل نحو روح الإخوة ... فهناك رابطة روحية متينة وعميقة وحية بين كل مَنْ هم شركاء فى نفس الإيمان. وقد دعو بعضهم بعضاً «إخوة» تأكيداً لهذه الحقيقة ... هؤلاء الإخوة لهم قلب واحد ونفس واحدة (أف٤: ١-٦). ويسلمون على بعضهم بعضاً بقبلة مقدسة١٥٦ ... لقد كان هناك منظر يثير دهشة اليهود والأمم، فيقولون: [انظروا كيف يحبون بعضهم بعضاً] ؟! وحينما كان أى مسيحى غريب يصل إلى أية مدينة، كان يقبل فيها كممثل لكنيسته. وكانوا ‹ص ٢٤٩› يقدمون له المسكن. وكانت الأرامل التقيات يغسلن قدميه وكان يعامل بكل ما يدل على المحبة الأخوية١٥٧. لم يعد سكان اليهودية يتصورون أنهم أفضل من الجليليين، وهذان أفضل من الساكنين خارج الأراضى المقدسة، تلك الإمتيازات التى انتقلت فى بادىء الأمر مع اليهود المتنصرين إلى الكنيسة (أع٦: ١) ... لم يعد لهذا الإحساس أى وجود. لقد غدا المؤمنون إخوة حقيقيين فى أسرة واحدة١٥٨.

إن أسفار العهد الجديد كلها بنصوصها فضلاً عن روحها، تؤكد هذا المفهوم. فالقديس يعقوب أخو الرب أسقف أورشليم يدعو المؤمنين إخوته فى مواضع عديدة من رسالته١٥٩. وكذا القديس بولس فى أكثر من موضع من رسائله١٦٠ ... بل إن الرب يسوع نفسه يدعو المؤمنين إخوته١٦١.

هكذا شعر المسيحيون أنهم إخوة متأثرين بأصلهم الواحد، ومصيرهم الواحد، وتمموا واجبهم المقدس بحفظ وحدانية الروح برباط السلام ... وبينما اليهود بكبريائهم الروحى مقتوا جميع الأمم، واليونانيون احتقروا جميع المتبررين. وبينما الرومان بكل ما فيهم من قوة وسياسة، حولوا شعوبهم المقهورة إلى كتل آلية، كعملاق بلا روح، إذ بالمسيحية — بواسطة وسائل أدبية خالصة — تؤسس إمبراطورية روحية مسكونية، ومجتمع قديسين تربطهم روح اخوة واحدة، وهى تقف ثابتة حتى اليوم، وستمتد حتى تضم كل شعوب الأرض كأعضاء حية فيها، وتصالحهم جميعاً مع الله.

‹ص ٢٥٠› ولا شك أن روح الاخوة هذه حملت معها معنى المساواة، فلا تفرقة عنصرين بسبب لون أو جنس أو وطن ... الجميع يتجهون إلى إله واحد، ويجلسون جنباً إلى جنب على موائد الأغابى، ويقفون للصلاة فى الكنيسة متجاورين ... «ليس يهودى ولا يونانى، ليس عبد ولا حر، ليس ذكر وأنثى. لأنكم جميعاً واحد فى المسيح يسوع»، «حيث ليس يونانى ويهودى، ختان وغرلة، بربرى سكيثى، عبد حر، بل المسيح الكل وفى الكل» (غل٣: ٢٨؛ كو٣: ١١).

٢ - الزهد فى العالم والعالميات:

من الأمور الواضحة فى كتابات العهد الجديد نظرة المسيحية ومدى تقديرها للعالم والعالميات، ولا شك أن هذا يتمشى مع رسالة المسيحية كديانة .. فالسيد المسيح حذر من كنوز العالم (مت٦: ١٩)؛ ونعت بالغباوة الغنى الذى «يكنز لنفسه وليس هو غنياً لله» (لو١٢: ٢١)، وعلم بأن دخول جمل من ثقب أبرة أيسر من دخول غنى إلى ملكوت السموات. وقد علم بأن يطلب الإنسان أولاً ملكوت الله وبره، أما الماديات فتزاد له (مت٦: ٣٣)، لأنه «ماذا ينتفع الإنسان لو ربح العالم كله وخسر نفسه» (مر ٨: ٣٦).

والآباء الرسل فى تعليمهم، حذروا المؤمنين من محبة العالم وكل ما فيه (١يو٢: ١٥)، واعتبروها عداوة لله «مَنْ أراد أن يكون محباً للعالم فقد صار عدواً لله» (يع٤: ٤) ... ونظروا للعالم على أنه غربة قصيرة، والإنسان غريب ونزيل فيه (١بط١: ١٧؛ ٢: ١١). ويتساءل القديس يعقوب «ما هى حياتكم؟ إنها بخار يظهر قليلاً ثم يضمحل» (يع١: ١٤) ... والقديس بولس يؤكد هذا المفهوم فيقول: «إن سيرتنا١٦٢ نحن هى فى السموات» (فى٣: ٢٠) ... «لأن ليس لنا هنا مدينة باقية، لكننا نطلب العتيدة» (عب١٣: ١٤) ‹ص ٢٥١› .. وتعاليم الآباء الرسل Didache، وهرماس فى كتابه «الراعى» مشحونة بالحماس لهذا الإتجاه ...

وقد ساعد على الحماس لهذا الإتجاه إحساس المؤمنين فى العصر الرسولى بأن مجىء المسيح الثانى قريب، بل إنه على الأبواب (فى٤: ٥) ... والقديس يوحنا فى رؤياه يؤكد هذا الإتجاه «لأن الوقت قريب» (رؤ٢٢: ١٠)؛ ويكرر فى رؤياه أكثر من مرة عبارة «ها أنا آتى سريعاً»١٦٣.

٣ - وجوب العمل وقدسيته:

ليس للمسيحى الحق فى هجر العمل لأى سبب من الأسباب «فإننا أيضاً حين كنا عندكم أوصيناكم بهذا، أنه إن كان أحد لا يريد أن يشتغل فلا يأكل أيضاً. لأننا نسمع أن قوماً يسلكون بينكم بلا ترتيب، لا يشتغلون شيئاً بل هم فضوليون. فمثل هؤلاء نوصيهم ونعظهم بربنا يسوع المسيح أن يشتغلوا بهدوء ويأكلوا خبز أنفسهم» (٢تس٣: ١٠-١٢) ...

فالعمل نفسه يستند إلى قانون إلهى منذ خلق العالم. فقد قال الرب لآدم بعد أن أخطأ «بعرق وجهك تأكل خبزاً حتى تعود إلى الأرض التى أخذت منها» (تك٣: ١٩). كان معظم أعضاء الكنيسة الأولى من الطبقات الفقيرة والصناع الذين يعولون أنفسهم بعمل أيديهم، فكتب إليهم القديس بولس يقول: «وإنما أطلب إليكم أيها الإخوة أن ... تشتغلوا بأيديكم أنتم كما أوصيناكم ... ولا تكون لكم حاجة إلى أحد» (١تس٤: ١٠-١٢).

والرسول بولس فى كلامه السابق يحارب إتجاه الكسل والخمول. ورجال الدين أنفسهم الذين تخصصوا لخدمة الله ولا يشتغلون بالأعمال الدنيوية، يعملون أيضاً، لكن فى دائرة خدمة الله، ولذا فالناس مكلفون باعالتهم «تعلمون أن الذين يعملون فى الأشياء المقدسة من الهيكل يأكلون. الذين يلازمون المذبح يشاركون المذبح. ‹ص ٢٥٢› هكذا أيضاً أمر الرب أن الذين ينادون بالإنجيل من الإنجيل يعيشون» (١كو٩: ١٣، ١٤) ... ومع هذا التصريح، فإن الرسول نفسه — تقديساً لمبدأ العمل، وحتى ما يكون قدوة — لم يستعمل هذا الحق بل كان يعمل بيديه فى صناعة الخيام ... «أما أنا فلم استعمل شيئاً من هذا. ولا كتبت هذا لكى يصير فىَّ هكذا. لأنه خير لى أن أموت من أن يعطل أحد فخرى» (١كو٩: ١٥) ... «فضة أو ذهب أو لباس أحد لم أشته. أنتم تعلمون أن حاجاتى وحاجات الذين معى خدمتها هاتان اليدان» (أع٢٠: ٣٣، ٣٤).

والواقع أن المسيحية برفعها من قدر العمل اليدوى، مهدت الطريق إلى واحد من أهم الإصلاحات التى أكملتها. لقد كان المجتمع القديم ينظر إلى الكد نظرة تحقير، وكانت الأعمال اليدوية يقوم بها العبيد المقهورون الكسالى. ولقد قلب هذا المبدأ نظرة الوثنية إلى العمل، رأساً على عقب ... وقد أوصت تعاليم الرسل وقوانينهم المؤمنين بوجوب العمل١٦٤.

٤ - طاعة السلطات الزمنية:

ليست المسيحية دين ودولة، لكنها تعلم بفصل الدين عن الدولة ... «اعطوا ما لقيصر لقيصر، وما لله لله» (مت٢٢: ٢١؛ لو٢٠: ٢٥). فالمسيحية — كديانة — يمكنها أن تحيا وتنمو فى ظل أى نظام من أنظمة الحكم .. والقديس بولس ينظر للدولة كنظام إلهى .. «لتخضع كل نفس للسلاطين الفائقة، لأنه ليس سلطان إلاَّ من الله، والسلاطين الكائنة هى مرتبة من الله حتى أن مَنْ يقاوم السلطان يقاوم ترتيب الله، والمقاومون سيأخذون لأنفسهم دينونة. فإن الحكام ليسوا خوفاً للأعمال الصالحة بل للشريرة. أفتريد أن لا تخاف السلطان أفعل الصلاح فيكون لك مدح منه، لأنه خادم الله للصلاح. ولكن إن فعلت الشر فخف، لأنه لا يحمل السيف عبثاً، إذ هو خادم الله منتقم للغضب من الذى يفعل الشر. لذلك يلزم أن يخضع له ليس بسبب الغضب فقط بل أيضاً ‹ص ٢٥٣› بسبب الضمير» (رو١٣: ١-٥) ... وواضح أن الرسول هنا يرتفع بالحكومة الأرضية — على الرغم مما يحيط بها من فساد واضح أمام عينيه — إلى أصلها وفكرتها الأساسية، إنها نظام إلهى.

ويتضح هذا من وصيته لتلميذه الأسقف تيموثاوس «إطلب إول كل شىء أن تقام طلبات وصلوات وابتهالات وتشكرات لأجل جميع الناس. لأجل الملوك وجميع الذين هم فى منصب لكى نقضى حياة مطمئنة هادئة فى كل تقوى ووقار. لأن هذا حسن ومقبول لدى مخلصنا الله» (١تى٢: ١-٣). وفى وصيته لتلميذه الأسقف تيطس يقول: «ذكّرهم أن يخضعوا للرياسات والسلاطين، ويطيعوا ويكونوا مستعدين لكل عمل صالح. ولا يطعنوا فى أحد ويكونوا غير مخاصمين» (تى٣: ١، ٢) ... ويؤكد مار بطرس نفس المعنى السابق فيقول فى رسالته «إخضعوا١٦٥ لكل ترتيب بشرى من أجل الرب. إن كان للملك فكمَنْ هو فوق الكل. أو للولاة فكمرسلين منه للإنتقام من فاعلى الشر، وللمدح لفاعلى الخير» (١بط٢: ١٣، ١٤).

ولدينا وثيقة قديمة من رسالة القديس كليمنضس الرومانى أسقف رومية وتلميذ الرسل (حوالى سنة ٩٥ م) إلى كنيسة كورنثوس تتضمن التوسل الآتى من أجل الحكام:

[اعط يارب ألفة وسلاماً لنا ولكل الساكنين على الأرض، كما أعطيت لآبائنا حينما سألوك بإيمان وحق مع قداسة حتى ما نخلص. وهبنا أن نكون طائعين لاسمك الكلى القدرة والعظمة، ولحكامنا والمتسلطين علينا على الأرض. أنت أيها السيد أعطيتهم قوة السيادة عن طريق قوتك العظيمة التى لا يعبر عنها، حتى نعرف المجد والكرامة اللذين أعطيتهما لهم، ونخضع لهم، دون أن نقاوم مشيئتك. هبهم يارب عافية وسلاماً ووفاقاً واستقراراً حتى ما يسوسوا الحكومة التى أعطيتها لهم بدون فشل. لأنك أنت أيها السيد السمائى الملك ‹ص ٢٥٤› الأبدى، أعطيت لبنى البشر مجداً وكرامة وقوة فوق كل الأشياء الكائنة على الأرض. كن مرشداً لهم أيها الرب فيما هو صالح، وما يحسن فى عينيك، حتى يحكمون فى سلام، ولطف مع صلاح، بالقوة التى منحتها إياهم، ويجدون رحمة أمامك]١٦٦ ...

وجدير بالملاحظة أن توسلات المسيحيين هذه قدموها لله لأجل حكامهم، إبان حكم الإمبراطور دومتيان الذى أثار إضطهاداً عنيفاً على الكنيسة ... والقديس بوليكاربوس الشهيد فى رسالته إلى أهل فيلبى يقول: [صلوا لأجل جميع القديسين صلوا أيضاً لأجل الملوك والحكام والأمراء، وعن الذين يضطهدونكم ويبغضونكم، وعن أعداء الصليب]١٦٧.

ذاك كان تعليم الكنيسة بخصوص الطاعة الواجبة على المسيحى نحو السلطات الحاكمة أياً كانت عادلة أو ظالمة، صالحة أو شريرة. وهى فى ذلك تسلك متشبهة بالسيد المسيح ذاته، الذى خضع فى الأمور الزمنية لهيرودس وبيلاطس، وأعطى قيصر ماله ... إن المسيحية لا تعرف العصيان المسلح، فكما يقول القديس بولس: «أسلحة محاربتنا ليست جسدية، بل قادرة بالله على هدم حصون».

لكن ينبغى ألاَّ ننسى أن تلك الطاعة لم تكن طاعة مطلقة فى كل ما يخص المواطن ويعنيه، بل هى طاعة تختص بواجباته المدنية كمواطن؛ دون أن تكون هكذا من حيث علاقته بإلهه ... إذا تعارضت طاعته لله مع طاعته للدولة من جهة إيمانه وعقيدته، فإنه كان ينفذ تعليم الكنيسة «ينبغى أن يطاع الله أكثر من الناس» (أع ٥: ٢١) وكان فى هذه الحالة مستعداً أن يجود بحياته مقابل إيمانه ... ولهذا السبب استشهد كثيرون من أجل إيمانهم، وروت دماؤهم أرض المسكونة كلها، تمسكاً بالحرية المقدسة التى حررهم بها المسيح الإله. وكانت شهادتهم — كما يقول المؤرخ شاف Schaff — بطولة أكثر نبلاً من المقاومة بالسيف ‹ص ٢٥٥› والنار، وقادت فى النهاية إلى نصر دائم مبين١٦٨.

٥ - التقاضى والمحاكمات:

من الأمور التى عالجها القديس بولس موضوع التقاضى والمحاكمات. ونقصد هنا المحاكمات الخاصة بالأمور المدنية. إنه يستنكر بشدة الإلتجاء إلى المحاكم المدنية والوثنية، ويحث المؤمنين على الإلتجاء إلى السلطات الكنسية لفض المنازعات. ويقول لأهل كورنثوس «أيتجاسر منكم أحد له دعوى على آخر، أن يحاكم عند الظالمين وليس عند القديسين. ألستم تعلمون أن القديسين سيدينون العالم. فإن كان العالم يدان بكم، أفأنتم غير مستأهلين للمحاكم الصغرى. ألستم تعلمون أننا سندين ملائكة، فبالأولى أمور هذه الحياة. فإن كان لكم محاكم فى أمور هذه الحياة، فاجلسوا المحتقرين فى الكنيسة قضاة» (١كو٦: ١-٨).

كانت التقاليد اليهودية تقضى بأن يتقاضى اليهود المؤمنون أمام مجامعهم اليهودية ... لكن القديس بولس لم يورد إشارة إلى ذلك، بل إكتفى فى تبريره لهذا التعليم، بإظهار سمو المسيحى الذى يؤهله لمحاكم العالم الصغرى١٦٩ أما الحكمة التى تكمن وراء هذا المبدأ، فهى أن المتقاضين الذين يلجأون للقديسين فى الكنيسة، لابد وأن إشكالاتهم ستحل حلاً مرضياً يرشد إليه روح الله الساكن فى أولئك القديسين، وفى هذا تدعيم لروح الأخوة المسيحية ... أما المحاكم الوثنية، فهى لا يعنيها — فى قليل أو كثير — الإبقاء على روح المحبة والأخوة بين المتنازعين ... والحق أن البراهين التى أوردها بولس على وجوب الإحتكام إلى القديسين فى الكنيسة، تكشف لنا الدور الخطير الذى لكنيسة المسيح فى العالم ...

ودعمت قوانين الآباء الرسل مبدأ تقاضى المؤمنين أمام المحاكم الكنسية، ‹ص ٢٥٦› وأفاضت فيه ... تكلمت عن دور الأسقف ومعاونيه فى المحاكمات، والأيام التى تعقد فيها هذه المحاكمات، والصفات التى يجب أن يتصف بها الأسقف، والشهود فى هذه المحاكمات١٧٠.

٦ - أكل لحم ضحايا الأوثان:

ثمة موضوع حساس أثارته ظروف المسيحيين فى العصر الرسولى ... هذا الموضوع هو علاقة المسيحيين بمواطنيهم وأصدقائهم الوثنيين ... هل يجوز لهم أن يشاركوهم فى أعيادهم التى تقام فى الهياكل الوثنية أو فيما له مساس بالعبادة الوثنية، وهل يجوز لهم أن يأكلوا من لحوم الضحايا التى تقدم للأوثان؟

وعلى الرغم من صدور قرار من مجمع أورشليم بالامتناع عما ذُبِحَ للأصنام (أع١٥: ٢٩)، وتحذير موجه من الرب إلى كنيستى برغامس وثياتيرا لأن بها مَنْ يأكلون ما ذُبِحَ للأوثان (رؤ٢: ١٤، ٢٠)، إلاَّ أننا نجد الرسول بولس يحل هذا الموضوع بطريقة عجيبة، تدل على إنفتاح الذهن، وسيادة الروح على الحرف. وهو يصل إلى ما وصل إليه عن طريق البرهان العقلى، والدليل الروحى:

(أ) صرح لهم بأكل كل ما يباع فى الملحمة (سوق اللحم) بدون فحص (١كو١٠: ٢٥).

(ب) صرح لهم بتلبية دعوة أصدقائهم الوثنيين، وأكل ما يقدم لهم بدون فحص. لكن إذا نبههم أحد إلى أن اللحم الذى يأكلون منه مذبوح للأوثان، فيجب عليهم فى هذه الحالة أن يمتنعوا عن الأكل، لعدم إعثار ذوى الضمائر الضعيفة (١كو١٠: ٢٧-٢٩).

(جـ) نهى نهياً قاطعاً عن الإشتراك فى الإحتفالات التى تقام فى الهياكل الوثنية وتناول أى طعام فيها ... لقد اعتبر الرسول أن تقدمات الوثنيين فى هذه ‹ص ٢٥٧› الحالة مقدمة للشياطين. واعتبر كل مَنْ يأكل أو يشرب من هذه التقدمات هو شريك الشياطين، على نحو ما يجعلنا الإشتراك فى جسد المسيح ودمه واحداً معه. ولا شك أن الرسول كان يخشى مما يمكن أن تحدثه هذه الإحتفالات بما تحويه من مجون فى بعض الأماكن والمعابد، وما يضيفه الجو الوثنى العام، من ضعف البعض وإرتدادهم إلى الوثنية، وخاصة وقد كانوا مايزالون حديثى عهد بالإيمان، إلى جانب ما يمكن أن يحدثه هذا التصرف من عثرات لبعض ذوى الضمائر الحساسة. لذا ينصحهم الرسول بالهروب من عبادة الأوثان. ونلاحظ أنه نفس التعبير الذى يستخدمه فيما يختص بالزنى، ولعل هذا يوضح لنا مدى تأثير الوثنية على الناس فى ذلك الوقت (١كو١٠: ١٤-٢١).

على إننا نرى أنه من المفيد أن نعرض بعض الجوانب التى راعاها الرسول فى حل هذه المشكلة الحساسة. وتتلخص فى أنه لا يكفى لتنفيذ أمر ما، إقتناع الإنسان بأنه على صواب، وإرتياح ضميره له، غير مبال بعثرة الآخرين.

+ فكنيسة المسيح تضم أعضاء مختلفين من جهة مستوياتهم فى المعرفة .. فالبعض على جانب من المعرفة تؤهلهم إلى الإستخفاف بالأوثان، واعتبارها لا شىء ويؤمنون أنه «ليس وثن فى العالم، وأن ليس إله آخر إلاَّ واحد» (١كو٨: ٤) ... لكن إلى جانب هؤلاء، يوجد فريق من البسطاء تعوزهم هذ المعرفة، لأنه «ليس العلم فى الجميع» (١كو٨: ٧) ... ومثل هؤلاء تتعب ضمائرهم إزاء الموضوع الذى نحن بصدده، وينبغى عدم تجاهلهم لأن مَنْ لا يبالى بذوى الضمائر الضعيفة يخطىء إلى المسيح (١كو٨: ١٢).

+ على الرغم من إبراز الرسول لفكرة أن «الطعام لا يقدمنا إلى الله، لأننا إن أكلنا لا نزيد، وإن لم نأكل لا ننقص» (١كو٨: ٨) ... وأنه لا ينجسنا لأن «ليس ما يدخل الفم ينجس الإنسان» (مت١٥: ١١)، ... فإنه يقول «انظروا لئلا يصير سلطانكم هذا معثرة للضعفاء» (١كو٨: ٩).

+ ويخلص القديس بولس من هذا الموضوع بمبادىء عامة سامية، تدل على أنه ‹ص ٢٥٨› لا يفكر فى ذاته بل فى الآخرين، ولا يعيش لنفسه بل لهم ... وهذه المبادىء هى للتنفيذ فى كافة المجالات والأوضاع:

«كل الأشياء تحل لى لكن ليس كل الأشياء توافق»
«كل الأشياء تحل لى لكن ليس كل الأشياء تبنى»
«لا يطلب أحد ما هو لنفسه، بل كل واحد ما هو للآخر»
(١كو١٠: ٢٣، ٢٤)

وهو فى سبيل تحقيق هذه المبادىء، ومن أجل محبته لإخوته، الذين مات المسيح لأجلهم، مستعد أن يحرم نفسه من أكل اللحم إلى الأبد «لذلك إن كان طعام يعثر أخى، فلن آكل لحماً إلى الأبد لئلا أعثر أخى» (١كو٨: ١٣).

وقد صارت تعليمات القديس بولس فى هذا الأمر هادية للكنيسة كلها فى ذلك العصر المبكر. ونجد تأكيداً لذلك فى تعاليم الآباء الرسل، وفى حوار يوستينوس الشهيد مع تريفو اليهودى١٧١.

أسماء المؤمنين

لقد دعا الرب يسوع أولئك الذين تجمعوا حوله «تلاميذاً» ودعا هو ذاته «معلماً» ... ولقب معلم وتلاميذ لم يكن غريباً عن تلك البيئة. فقد عرف أتباع يوحنا المعمدان باسم «تلاميذ يوحنا»١٧٢. كانت علاقة الرب يسوع بتلاميذه خلال حياته فى الجسد، علاقة المعلم بتلاميذه. أما إيمانهم به على أنه المسيا، فقد ظل سراً غير واضح إلى ما بعد قيامته.

وبعد قيامة الرب يسوع من بين الأموات، وحلول الروح القدس، شهد تلاميذه علانية أنه هو المسيا، واستمروا يدعون أنفسهم «تلاميذ» .. على أن التسمية ‹ص ٢٥٩› «تلاميذ» لم تكن قاصرة على الرسل الإثنى عشر، بل أطلقت على جميع أعضاء الكنيسة الأولى، الذكور والإناث١٧٣. وقد شاعت هذه التسمية على وجه الخصوص بين مسيحيى فلسطين١٧٤.

ويتضح لنا من دراسة سفر أعمال الرسل ورسائلهم، أن هناك ثلاث تسميات شاعت فى العصر الرسولى وما بعده، دعى بها المسيحيون ... وهذه التسميات هى: مؤمنون وقديسون وإخوة ... وهى تعبر عن حياة أولئك المسيحيين الأوائل١٧٥.

+ فتسمية «مؤمنين»١٧٦، كانت تعبر عن إيمانهم الجديد الذى إقتبلوه، وحياة الإيمان التى يحيونها، حية فى أشخاصهم وفى سلوكهم ...

+ أما تسمية «قديسين»، فكانت تعبر عن حياتهم وعلاقتهم بالله ... فقد تقدسوا فى الله وله بالروح القدس، وكانوا فى حياتهم فى قداسة حقيقية كشركاء للمجد العتيد. إن كلمة قديسين باليونانية هى hagios، والفعل منها hagiazo ومعناه «يفرز ويكرز لأجل الله» ... وهكذا فإن لفظ «قديس» تعنى مسيحى مفرز ومكرس لأجل الله ... لم تكن تسمية «قديسين» مجرد تسمية، لكنها كانت تعبيراً عن واقع قدسى روحانى يحياه المسيحيون ... كانوا يشعرون أنهم للرب وليسوا لسواه، كشىء مكرس ومقدس، لا يستخدم إلاَّ للشىء الذى كرس له وقدس لأجله. وتقابلنا هذه التسمية كثيراً فى سفر الأعمال ورسائل الآباء الرسل١٧٧ ...

‹ص ٢٦٠› إن لفظ «قديسين» فى مفهومها الحالى لا يُطلق إلاَّ على مَنْ انتقلوا إلى العالم الآخر، وعاشوا حياة القداسة على الأرض. أما فى عصر الرسل فكانت تطلق على أعضاء الكنيسة الأحياء ... ظلت هذه التسمية شائعة، يطلقها المسيحيون على بعضهم بعضاً حتى ما بعد منتصف القرن الثانى، لكن ما لبثت أن إختفت تدريجياً بعد ذلك، إذ لم يعد للمسيحيين الشجاعة على دعوة أنفسهم «قديسين» بعد أن بدأت تظهر عليهم أعراض الضعف الروحى وبدأت تأثيرات العالم تأخذ طريقها إليهم١٧٨.

+ وإذا كانت التسمية «مؤمنين وقديسين»، هى تعبير عن علاقتهم بالله، فالتسمية الثالثة «إخوة وأخوات» تعبير عن علاقتهم بعضهم ببعض كأعضاء فى جسد المسيح الواحد١٧٩. تلك العلاقة الحبية التى كانت تدعو إلى الدهشة والإعجاب، كما أشرنا إلى ذلك قبلاً ... إنها تسمية تلائم سلوكهم المسيحى (١بط٢: ١٧؛ ٥: ٩) ... وأسفار العهد الجديد وكتابات الآباء الرسوليين وبخاصة كتابات كليمنضس الرومانى وتعاليم الرسل Didache، تكشف لنا عن سمو حياة المسيحيين الأوائل وحياتهم الأخوية ...

أما التسمية «مسيحيين» الشائعة الآن، فقد بدأت فى أنطاكية حينما «دعى التلاميذ مسيحيين فى أنطاكية أولاً» (أع١١: ٢٦) ... ولم يستخدم بولس هذه التسمية فى رسائله، ولا نجدها فى أى موضع فى العهد الجديد كتسمية أطلقها المسيحون على أنفسهم ... فلم ترد إلاَّ فى موضعين، ويبدو أنها مقتبسة مما تردد على ألسنة خصومهم (١بط٤: ١٦؛ أع٢٦: ٢٨) ... ومن ناحية أخرى لا نجد لها أى أثر فى كتابات الآباء الرسوليين ما عدا أغناطيوس الأنطاكى الشهيد الذى إستخدمها كثيراً ... لقد أطلقت هذه التسمية للسخرية والاستهزاء بأولئك الذين عبدوا المسيح الإله دون الإمبراطور الرومانى. وقد بدأت السلطات الرومانية تستخدمها منذ عهد تراجان (٩٨ — ١١٧ م)١٨٠.

  1. ‹ص ١٧٩› (١) De Pressensé, Vol. 1, p. 386.
  2. ‹ص ١٨٠› (٢) Hill, p. 41; Schaff, Vol. 1, p. 441.
  3. ‹ص ١٨٠› (٣) De Pressensé, Vol. 1, p. 388.
  4. ‹ص ١٨١› (٤) انظر: مت٢٧: ٥٥؛ مر١٥: ٤١؛ لو٨: ٣.
  5. ‹ص ١٨٣› (٥) هو وضع خاص فعلاً لأن الزواج كان قائماً قبل إيمان أحد الطرفين، وقد يكون الزوجان قد أنجبا نسلاً.
  6. ‹ص ١٨٣› (٦) انظر (١ بط٣: ١)، وكيف أن الأزواج غير المؤمنين يربحون بسيرة زوجاتهم بدون كلمة أو وعظ!!
  7. ‹ص ١٨٤› (٧) Tertullian: De Corona 8; Against marcion, 5.7 (A.N.F., Vol. 3, pp. 101, 443, 444). To His Wife, 2.3; On Monogamy, 7 (A.N.F., Vol. 4, pp. 45, 64). Cyprian, The Treatises, 62 (A.N.F., Vol. 5, pp. 550, 551). Jerome: Letter to Pammachius; Against jovinianus, 1.10 (N.P.N.F., Vol. 6, pp. 69, 353).
  8. ‹ص ١٨٤› (٨) Encyclopaedia of Religion and Ethics, Vol. 8, p. 441. وبذلك تخطىء بعض الكنائس خطأ كبيراً — لا يعرف مداه — حين تعقد بمعرفتها زواجاً مختلطاً، فيه طرف مسيحى وآخر غير مسيحى.
  9. ‹ص ١٨٥› (٩) قال بطرس للسيد المسيح «ها نحن قد تركنا كل شىء وتبعناك»، فكان جواب الرب عليه «ليس أحد ترك بيوتاً أو إخوة... أو امرأة (زوجة)» (مت١٩: ٢٩؛ مر١٠: ٢٩، ٣٠؛ لو١٨: ٢٩) ويتضح من رد السيد المسيح العالم بالخفايا، أن عملية الترك التى أشار إليها بطرس كانت تشمل الزوجات أيضاً، بمعنى الامتناع عن المعاشرات الزوجية، والعيشة معهن كأخوات... يؤكد ذلك ما قاله بولس «ألعلنا ليس لنا سلطان أن نجول بأختٍ زوجة كباقى الرسل وإخوة الرب وصفا (بطرس)» (١ كو٩: ٥)... ومن كلام بولس أن الزوجة صارت أختاً. انظر تاريخ سوريا جـ ٢ مجلد ٣ ص ٤٤٦ نقلاً عن كليمنضس الاسكندرى وذهبى الفم؛ Jerome, Against Jovinianus, 1.26.
  10. ‹ص ١٨٥› (١٠) Lietzmann, A History of the Early Church, p. 153; Carrington, Vol. 1, p. 136. وقد تدخلت الكنيسة ومنعت هذا النوع من الزواج لما نتج عنه من أخطاء وانحرافات.
  11. ‹ص ١٨٦› (١١) Dictionary of Christian Antiquities, Vol. 1, p. 323.
  12. ‹ص ١٨٦› (١٢) أبكار وليس أطهار كما فى الترجمة البيروتية المتداولة... هكذا فى كل الترجمات القديمة وحتى الحديثة أيضاً.
  13. ‹ص ١٨٦› (١٣) نذكر من الآباء الرسوليين والمعلمين الأوائل هرماس وأغناطيوس الشهيد ويوستينوس الشهيد واثيناغوراس وأوريجينوس.
  14. ‹ص ١٨٦› (١٤) Constitutions of the Holy Apostles, 2.7, 4.14, 8.24; Dictionary of Christian Antiquities, Vol. 2, p. 2019.
  15. ‹ص ١٨٦› (١٥) ١ تى٣: ٢، ١٢؛ تى١: ٦.
  16. ‹ص ١٨٧› (١٦) De Pressensé, Vol. 1, p. 393.
  17. ‹ص ١٨٨› (١٧) Schaff, Vol. 1, pp. 448, 449.
  18. ‹ص ١٨٨› (١٨) انظر: كو٣: ٢٢؛ ١تى٦: ١؛ ١بط٢: ١٨.
  19. ‹ص ١٨٩› (١٩) Schaff, Vol. p. 445.
  20. ‹ص ١٩٠› (٢٠) كان عدد العبيد فى حكم الإمبراطور كلوديوس (حوالى منتصف القرن الأول الميلادى)، يوازى نصف سكان الإمبراطورية الرومانية كلها، أى حوالى ستين مليوناً حسب تقدير المؤرخ جيبون Gibbon.
  21. ‹ص ١٩٠› (٢١) Hill, pp. 235-237.
  22. ‹ص ١٩٠› (٢٢) De Pressensé, Vol. 1, pp. 430-433.
  23. ‹ص ١٩١› (٢٣) Schaff; Vol. 1, p. 446. أمرت قوانين الرسل بأن يمنح العبيد راحة من العمل فى بعض المواسم والتذكارات الدينية، وقد حددتها كالآتى: السبت والأحد أسبوعياً، وأسبوع البصخة، والأسبوع التالى لتذكار القيامة، وفى تذكارات الميلاد والغطاس والصعود وحلول الروح القدس وتذكارات إستشهاد بعض الشهداء وفى مقدمتهم استفانوس. انظر: Constitutions of the Holy Apostles, 8.33.
  24. ‹ص ١٩١› (٢٤) Constitutions of the Holy Apostles, 4. 6.
  25. ‹ص ١٩٢› (٢٥) Origen, C. Celsum, 3. 49.
  26. ‹ص ١٩٢› (٢٦) Constitutions of The Holy Apostles, 2. 58; De Pressensé, Vol. 1, pp. 434-436.
  27. ‹ص ١٩٢› (٢٧) Constitutions of the Holy Apostles, 4.12.
  28. ‹ص ١٩٢› (٢٨) Ibid, 7. 46
  29. ‹ص ١٩٣› (٢٩) Ibid, 7. 46
  30. ‹ص ١٩٣› (٣٠) Latourette, pp. 261-263.
  31. ‹ص ١٩٣› (*) Constitutions of the Holy Apostles, 4.9.
  32. ‹ص ١٩٣› (٣١) من أمثلة ذلك: بلاندينا من شهداء ليون، وفيليسيتاس رفيقه بربيتوا فى قرطاجنة، وبروفيرى عبد بامفيلوس البيروتى — انظر كتاب الاستشهاد فى المسيحية، Harnack, Missions .., pp. 168, 169.
  33. ‹ص ١٩٣› (٣٢) Aristides, Apol., 15.
  34. ‹ص ١٩٤› (٣٣) انظر: كو٣: ٢٢؛ ١تى٦: ١؛ ١بط٢: ١٨، وأيضاً: Karl Kautsky; Foundations of Christianity, p. 350.
  35. ‹ص ١٩٤› (٣٤) انظر: أع١٨: ١-٣؛ أف٤: ٢٨؛ ٢تس٣: ٧-١٠.
  36. ‹ص ١٩٤› (٣٥) Latourette, pp. 261-263.
  37. ‹ص ١٩٤› (٣٦) Harnack, Mission ..., p. 168.
  38. ‹ص ١٩٥› (٣٧) St. John Chrysostom, Homily 29 on 1 Cor. 12; De Pressensé, Vol. 1, pp. 339-344; Schaff, Vol. 1, pp. 436-440.
  39. ‹ص ١٩٥› (٣٨) See: St. Chrysostom, Homily 24 on St. Mathew (N.P.N.F., Vol. 10, p. 167); St. Augustine, sermon on the Mount, ch. 25 (N.P.N.F., Vol. 6, p. 62); St. Augustine, Homilies on the Gospels, Sermon 87, 88, 92; (N.P.N.F., Vol. 6, pp. 520, 523, 535).
  40. ‹ص ١٩٦› (٣٩) يقول العلامة أوريجينوس فى المقالة ٢٧: ١١ على سفر العدد [يمكن أن تكون الرؤى سبباً للوقوع فى تجارب، لأن الشيطان فى بعض الأحيان يغير شكله إلى شبه ملاك نور. ومن هنا يجب أن تحترسوا حتى ما تميزوا نوع الرؤيا، على نحو ما فعل يشوع بن نون إذ لما رأى الرؤيا أحس أنه تكمن فيها تجربة، فسأل المنظر الذى رآه، هل أنت معنا، أم مع أعدائنا]. أنظر: Haranck, Missions ..., pp. 201-203.
  41. ‹ص ١٩٨› (٤٠) See: Smith, Dictionary of the Bible, Vol. 3, pp. 1555-59; Hastings, Dictionary of the Bible, pp. 943, 44; Schaff, Vol. 1. pp. 230-241.
  42. ‹ص ١٩٨› (٤١) قيل أن ما دونه الرسول فى (رو٨: ١٥، ٢٦؛ غل٤: ٦؛ أف٥: ١٩) إنما هو إشارات عنها أيضاً.
  43. ‹ص ١٩٨› (٤٢) يرى البعض — وهذا الرأى له مؤيدوه ومعارضوه — أن معجزة التكلم بلغات جديدة كانت قاصرة على يوم الخمسين وحده، وأن هذه المعجزة لم تتبع الرسل أينما اتجهوا. ويدللون على ذلك — إستنتاجاً — من أن بولس الرسول لم يفهم اللغة الليكاؤنية التى تكلم بها أهل لسترة (أع١٤: ٨-١٤). وأن بطرس الرسول — بناء على رواية بابياس وإيريناوس — كان يترجم له مرقس فى روما (يوسابيوس ٣، ٢٩، ١٥). ونحن لا نستطيع أن نقطع برأى فى هذه القصة.
  44. ‹ص ٢٠٠› (٤٣) Homily 4 on the Acts of the Apostles.
  45. ‹ص ٢٠٠› (٤٤) City of God, 18. 49.
  46. ‹ص ٢٠١› (٤٥) انظر: ١كو١٤: ٦، ٩، ١٩، ٢٢، ٢٦.
  47. ‹ص ٢٠١› (٤٦) انظر: ١كو١٢: ٣١؛ ١٣: ١، ٢.
  48. ‹ص ٢٠٥› (٤٧) انظر: حزقيال ٣٤: ٢-٦.
  49. ‹ص ٢٠٥› (٤٨) عب ١٣: ٢٠.
  50. ‹ص ٢٠٧› (٤٩) انظر: ٢كو٢: ١٤-١٦؛ ٣: ٥، ٦.
  51. ‹ص ٢٠٧› (٥٠) Justin Martyr, Dialogue, 17, 108, 117; Harnack, Missions... p. 327.
  52. ‹ص ٢٠٨› (٥١) انظر لوقا ١: ٧٦؛ ٧: ٢٦؛ ٢٠: ٦.
  53. ‹ص ٢٠٨› (٥٢) Josephus, the wars of the Jews 1.3.5; 2.7.3; 2.8.12; Antiquities, 13.11.2, 15.10.5, 17.3.3.
  54. ‹ص ٢٠٨› (٥٣) Harnack, Missions ... pp. 331-333.
  55. ‹ص ٢٠٩› (٥٤) انظر: أع٢: ١٧؛ ١كو١١: ٥.
  56. ‹ص ٢٠٩› (٥٥) Didache, 11, 13; Carrington, Vol. 1, p. 274. ...
  57. ‹ص ٢٠٩› (٥٦) Harnack, Missions ... pp. 333, 334.
  58. ‹ص ٢١٠› (٥٧) انظر: ٢كو١١: ١٣؛ غل١: ٧؛ ٢بط٢: ١.
  59. ‹ص ٢١٠› (٥٨) انظر: أع١٣: ١-٣، حيث أخذت الكنيسة تعليمات من الروح القدس، غالباً بفم الأنبياء.
  60. ‹ص ٢١٠› (٥٩) Harnack, Missions ..., pp. 335, 336.
  61. ‹ص ٢١١› (٦٠) انظر: ١تى٣: ٢-٧؛ تى١: ٦-٩.
  62. ‹ص ٢١١› (٦١) Harnack, Missions ..., p. 445.
  63. ‹ص ٢١١› (٦٢) Didache, 15.1 - See A.N.F., Vol. 7, p. 381 (Footnote).
  64. ‹ص ٢١١› (٦٣) Apostolical Constitutions (A.N.F., Vol. 7).
  65. ‹ص ٢١٣› (٦٤) انظر: أع١١: ٣٠؛ ١٥: ٤، ٢٣؛ ١٦: ٤؛ ٢١: ١٨؛ ١تى٥: ١٧؛ تى١: ٥؛ يع٥: ١٤؛ ١بط٥: ١.
  66. ‹ص ٢١٣› (٦٥) Apostolical Constitutions 2. 26, 57, 58; 3. 20; 8. 116.
  67. ‹ص ٢١٤› (٦٦) Wuest, The Pastoral Epistles, pp. 77, 85, 86; Studies in first and second Epistles of St. John, p. 199.
  68. ‹ص ٢١٤› (٦٧) الكلمة اليونانية دياكونية Diakonia وفعلها Diakonein يخدم، استخدما فى العهد الجديد ليصفا أنواعاً مختلفة من الخدمة. وهناك كلمة يونانية أخرى تطلق على الخدم وهى doulos، وتقابلها الكلمة الإنجليزية servant وكلمة دياكونية فى المعنى الحرفى تتصل بالاحتياجات الجسدية. هكذا عبر بها الرسل عن خدمة الموائد. ولكنها استخدمت فيما بعد للدلالة على معانى أوسع تشمل كل أنواع الخدمات الزمنية والروحية. واستخدمها رب المجد حينما قال: «إن ابن الإنسان لم يأت ليُخدم diakonêthênai بل ليخدم diakonêsai». وأيضاً حينما قال: «أنا بينكم كالذى يخدم» (مت٢٠: ٢٨؛ لو٢٢: ٢٧). ويستخدمها القديس بولس حينما يتكلم عن نفسه وعن شركائه فى الخدمة للتعبير عن خدمة الكلمة، والاحتياجات المادية. وقد إستخدمت أيضاً للتعبير عن الخدمة التى كانت النساء يقدمنها للسيد المسيح (مر١: ٣١)، وعن خدمة مرثا (لو١٠: ٤٠؛ يو١٢: ٢) ... لكن سرعان ما خصصت هذه الكلمة للتعبير عن خدمة معينة فى الكنيسة، هى المعروفة بخدمة الدياكونية أو الشماسية. (انظر: فى١: ١؛ ١تى٣: ٨؛ ١٠؛ ١٢، ١٣)، وأيضاً: The Ministry of Deaconesses, pp. 1-3.
  69. ‹ص ٢١٥› (٦٨) Eusebius, H.E., 6. 43. 11; Schaff, Vol. 1, p. 499.
  70. ‹ص ٢١٥› (٦٩) Didache, 15; Apostolical Constiutions, 2:26. 29. 30, 31. 44. 57:3. 19; 8. 18.
  71. ‹ص ٢١٦› (٧٠) Ignatius, Epistle to the Trallians, 2.
  72. ‹ص ٢١٦› (٧١) Justin Martyr, 1 Apol., 65, 67.
  73. ‹ص ٢١٦› (٧٢) Schaff, Vol. 1, p. 500.
  74. ‹ص ٢١٧› (٧٣) Encyclopadia of Religion and Ethics, Vol. 2, p. 660; Schaff, Vol. 1, pp. 491-496. انظر أيضاً: كتاب الكهنوت لعوض سمعان البليموثى.
  75. ‹ص ٢١٧› (٧٤) Histoire de l'Eglise, T. 1, pp. 270-274.
  76. ‹ص ٢١٧› (*) يمكن وضع كلمة (قسيس) هنا بدلاً من كلمة «شيخ»، وكلمة «قسوس» بدلاً من كلمتى شيوخ ومشايخ.
  77. ‹ص ٢١٨› (٧٥) انظر: أع١٥: ٢، ٤، ٦، ٢٢، ٢٣.
  78. ‹ص ٢١٨› (٧٦) Histoire de l'Eglise, T. 1, pp. 270, 271.
  79. ‹ص ٢١٩› (*) نفس الهامش السابق بخصوص كلمات شيخ وشيوخ ومشايخ.
  80. ‹ص ٢١٩› (٧٧) Young's Analytical Concordance to The Bible.
  81. ‹ص ٢١٩› (٧٨) Wuest, The Pastoral Epistles, p. 52.
  82. ‹ص ٢١٩› (٧٩) The Revised Standord Version; Moffatt, A New translation of the Bible.
  83. ‹ص ٢١٩› (٨٠) Oxford and Cambridge; The New English Bible.
  84. ‹ص ٢٢٠› (٨١) Homily 44 on the Acts (N.P.N.F., Vol 11, p. 269).
  85. ‹ص ٢٢٠› (٨٢) ١تس٥: ١٢؛ رو١٢: ٨.
  86. ‹ص ٢٢٠› (٨٣) أف٤: ١١.
  87. ‹ص ٢٢٠› (٨٤) عب١٣: ٧، ١٧، ٢٤.
  88. ‹ص ٢٢٠› (٨٥) وتترجم القسوس أيضاً.
  89. ‹ص ٢٢٠› (٨٦) Histoire de l'Eglise, T. 1, p. 271.
  90. ‹ص ٢٢١› (٨٧) ١تى٣: ٢؛ تى١: ٧.
  91. ‹ص ٢٢١› (٨٨) انظر: أع١١: ٣٠؛ ١٤: ٢٣؛ ١٥: ٤، ٢٣؛ ١٦: ٤؛ ٢٠: ١٧؛ ٢١: ١٨؛ ١تى٥: ١٧؛ تى١: ٥؛ يع٥: ١٤؛ ١بط٥: ١.
  92. ‹ص ٢٢١› (٨٩) ١تى٥: ١؛ فل٩؛ ٢يو١؛ ٣يو١ — انظر: Wuest, The Pastoral Epistles, p. 77; The Second and Third Epistles of John, p. 199.
  93. ‹ص ٢٢١› (٩٠) «شركائى»، هكذا هى موجودة فى عدد كبير من المخطوطات القديمة للعهد الجديد.
  94. ‹ص ٢٢٢› (٩١) باليونانية Diakonos، وهى أيضاً الكلمة المستخدمة للتعبير عن الشماس.
  95. ‹ص ٢٢٢› (٩٢) N.P.N.F., Vol. 6, Homily 1, p. 184.
  96. ‹ص ٢٢٢› (٩٣) Carrington, Vol. 1, p. 269.
  97. ‹ص ٢٢٢› (٩٤) أستاذ الدراسات اليونانية للعهد الجديد فى معهد مودى للكتاب المقدس فى شيكاغو بالولايات المتحدة الأمريكية.
  98. ‹ص ٢٢٣› (*) كلمة قسوس هنا يمكن أن تحمل المعنى العام أى كهنة كما يقال عن قائد الجيش أنه جندى.
  99. ‹ص ٢٢٣› (٩٥) Wuest, The Pastoral Epistles, p. 77.
  100. ‹ص ٢٢٣› (٩٦) Ibid, p. 183; Carrington, Vol. 1, p. 269; Daniélou, Vol. 1, p. 37.
  101. ‹ص ٢٢٣› (٩٧) Wuest, Studies in 2 John, p. 199.
  102. ‹ص ٢٢٤› (٩٨) Clement of Rome, Epistle to the Corinthians, 42, 44. (A.N.F., Vol. 1, pp. 16, 17).
  103. ‹ص ٢٢٤› (*) A.N.F., Epistle of Ignatuis to the Ephesians, Ch. 4, p. 50.
  104. ‹ص ٢٢٤› (**) A.N.F., Episte of Ignatuis to the Trallians, Ch. 2, pp. 66, 67.
  105. ‹ص ٢٢٥› (***) A.N.F., Epistle of Ignatuis to the philadelphians, Ch. 4, p.81.
  106. ‹ص ٢٢٥› (٩٩) A.N.F., The Martyrdom of Ignatuis, Ch. 3, p. 130.
  107. ‹ص ٢٢٥› (١٠٠) مثل دبورة وخلدة النبيتين — انظر: قض٤: ٤؛ ٢مل٢٢: ١٤.
  108. ‹ص ٢٢٦› (١٠١) ميناء كورنثوس.
  109. ‹ص ٢٢٧› (١٠٢) Ency. of Religion and Ethics, Vol. 8, pp. 668, 669; Dictionary of Christian Antiquities Vol. 1, pp. 532, 533; The Ministry of Deaconesses, pp. 64-79.
  110. ‹ص ٢٢٧› (١٠٣) Commentary on 1 Timothy, Homily 11 (N.P.N.F., P. 441).
  111. ‹ص ٢٢٧› (١٠٤) Wuest, the Pastoral Epistles, p. 61.
  112. ‹ص ٢٢٧› (١٠٥) Apostolical Constitutions, 2. 57. (A.N.F., p.42).
  113. ‹ص ٢٢٨› (١٠٦) Ibid, 3. 16. (A.N.F., p. 431).
  114. ‹ص ٢٢٨› (١٠٧) Ibid, 3. 2. (A.N.F., p. 431)
  115. ‹ص ٢٢٨› (١٠٨) Ibid, 3. 19. (A.N.F., p. 432)
  116. ‹ص ٢٢٨› (١٠٩) Ibid, 6. 17. (A.N.F., p. 457).
  117. ‹ص ٢٢٨› (١١٠) Ibid, 8. 20 (A.N.F., p. 492).
  118. ‹ص ٢٢٩› (١١١) يقول المؤرخ شاف Schaff أن وظيفة الشماسة فى الكنائس الشرقية استمرت حتى نهاية القرن الحادى عشر — انظر: Schaff, Vol. 1, pp. 500, 510.
  119. ‹ص ٢٢٩› (١١٢) اهتم الآباء بوضع الأرامل فى الكنيسة ووضعوا لهن القوانين — انظر: قوانين باسيليوس الكبير ص ٣٦٦-٣٧٠، S.. Augustin, Good of widowhood.
  120. ‹ص ٢٣٠› (١١٣) Wuest; The Pastoral Epistles, p. 78.
  121. ‹ص ٢٣٠› (١١٤) Commentary on first Timothy, Homily 14 (N.P.N.F., p. 454).
  122. ‹ص ٢٣٠› (١١٥) Apostolical Constitutions, 8. 25 (A.N.F., p. 493).
  123. ‹ص ٢٣١› (١١٦) Ibid, 3. 1. 2; 8. 25.
  124. ‹ص ٢٣١› (١١٧) Ibid, 3. 1 (A.N.F., p. 426).
  125. ‹ص ٢٣١› (١١٨) Dictionary of Christian Antiquities, Vol. 2, p. 2034; Hastings, Dictionary of the Bible, p. 972.
  126. ‹ص ٢٣١› (١١٩) لفظ معلمات الصلاح فى اليونانية هو Kalodidaskalos وتعنى معنى التعليم الشفوى والتدريب. انظر: Wuest; The pastoral Epistles, p. 191.
  127. ‹ص ٢٣١› (١٢٠) Hermas; The Pastor, 3. 26.
  128. ‹ص ٢٣١› (١٢١) Epistle to the Smyrnaeans, ch. 6.
  129. ‹ص ٢٣١› (١٢٢) Epistle to Polycarp, ch. 4.
  130. ‹ص ٢٣١› (١٢٣) Epistle to the Philipians, ch. 4.
  131. ‹ص ٢٣١› (١٢٤) Apostolical Constitutions, 2. 26.
  132. ‹ص ٢٣١› (١٢٥) Justin Martyr, 1 Apol. 67.
  133. ‹ص ٢٣٢› (١٢٦) انظر: مت٥: ٧؛ ٩: ١٣؛ ٢٥: ٣٤-٣٦؛ ٤٠؛ لو٦: ٣٦؛ ١٢: ٢١؛ ١٦: ١٩-٣١.
  134. ‹ص ٢٣٣› (١٢٧) Karl Kautsky, foundations of Christianity, p. 272.
  135. ‹ص ٢٣٤› (١٢٨) انظر: رو ١٢: ٥؛ كو١: ١٨؛ أع ٤: ٣٢.
  136. ‹ص ٢٣٥› (١٢٩) Weiss; Earliest Christianity, p. 69.
  137. ‹ص ٢٣٥› (١٣٠) Smith, Dictionary of the Bible, Vol. 1, part 2, p. 1832.
  138. ‹ص ٢٣٦› (١٣١) Commentary on the Acts of the Apostles, Homily 11 (N.P.N.F., p. 73).
  139. ‹ص ٢٣٦› (١٣٢) يضاف إلى ذلك نقطة أخرى، وهى أن اليهود المتنصرين فى أورشليم تحملوا عبء اضطهادات كثيرة من بنى جلدتهم اليهود وسُلبت أموالهم وممتلكاتهم، أى أنهم قد ضيروا كثيراً بسبب إيمانهم بالرب (انظر: ١تس٢: ١٤؛ عب١٠: ٣٤).
  140. ‹ص ٢٣٦› (١٣٣) انظر: أع ١١: ٣٠؛ ٢٤: ١٧؛ غل ٢: ١٠.
  141. ‹ص ٢٣٦› (١٣٤) انظر: رو ١٥: ٢٦؛ ١كو١٦: ١-٤.
  142. ‹ص ٢٣٧› (١٣٥) Wuest; The Pastoral Epistles, p. 82.
  143. ‹ص ٢٣٧› (١٣٦) انظر: مت ٢٤: ٤٢؛ ٢٥: ١٣؛ مر ١٣: ٣٥؛ لو ١٢: ٣٧؛ ٢١: ٣٦؛ ١كو١٦: ١٣؛ ١تس ٥: ٦؛ ١بط ٥: ٨؛ رؤ٣: ٢؛ رؤ١٦: ١٥.
  144. ‹ص ٢٣٨› (١٣٧) انظر أيضاً: كو٣: ٨، ٩.
  145. ‹ص ٢٣٨› (١٣٨) كان الامتناع عن الزنا هو أحد قرارات مجمع أورشليم (أع ١٥).
  146. ‹ص ٢٣٨› (١٣٩) يقصد بالزنى تدنيس مضجع الزوجية بسبب الإتصال الجنسى المحرم من جانب شخص متزوج. واستعملت أصلاً للتعبير عن الغش خاصة غش العملة. ويقصد بالعهارة الاتصال الجنسى بين أشخاص غير متزوجين أو بين متزوج وغير متزوج. والنجاسة باليونانية هى akatharsia وتعنى الدنس الجسدى أو عدم الطهارة الجسدية. أما الدعارة فهى ترجمة للكلمة اليونانية aselgeia التى تشير إلى الشهوة الشديدة المشتعلة المحرمة وعدم ضبط النفس. انظر (١تس٤: ١-٨؛ ١بط٤: ٣-٥؛ ٢بط٢: ٥-١٠؛ يه٧) انظر أيضاً: Missionary Methods, p. 149.
  147. ‹ص ٢٣٨› (١٤٠) انظر ١كو٦: ١٥-٢٠؛ كو٣: ٥-٧.
  148. ‹ص ٢٣٩› (١٤١) Harnack, Missions ... p. 206-208.
  149. ‹ص ٢٤٠› (١٤٢) De Pressensé, Vol. 1, pp. 395, 396.
  150. ‹ص ٢٤٢› (١٤٣) See: John Chrysostom; Commentary on the Galatians (N.P.N.F., p. 8).
  151. ‹ص ٢٤٢› (١٤٤) Lietzmann, A History of the Early Church, pp. 137, 138; موسهيم، تاريخ الكنيسة المسيحية ك ١، ق ٢، ف ٣ عن القرن الأول ص ٣٩.
  152. ‹ص ٢٤٤› (١٤٥) انظر الدسقولية الباب الرابع والخامس والثامن والعاشر — وانظر أيضاً: Apostolical Constitutions, 2. 13-16, 20, 21, 38-41.
  153. ‹ص ٢٤٥› (١٤٦) اللفظ اليونانى الذى يقابل «صالح للتعليم» هو didaktikon وهى تعنى — إلى جانب القدرة على التعليم — الحذق فيه، والاستعداد الشخصى له — انظر: Wuest; the Pastoral Epistles, pp. 55, 56.
  154. ‹ص ٢٤٥› (١٤٧) Daniélou, Vol. 1, p. 13.
  155. ‹ص ٢٤٦› (١٤٨) Harnack; pp. 153-155.
  156. ‹ص ٢٤٧› (١٤٩) Didache; chs. 11, 13; Harnack, Missions..., pp. 158, 159; Apostolical Constitutions, 2. 15.
  157. ‹ص ٢٤٧› (١٥٠) هذا واضح من رسالة «كليمنضس الرومانى» وكتاب الراعى لهرماس — انظر: Harnack, pp. 160, 161.
  158. ‹ص ٢٤٧› (١٥١) Harnack, Missions ..., pp. 162, 163.
  159. ‹ص ٢٤٧› (١٥٢) انظر: رو ١٢: ١٣؛ ١٦: ١، ٢؛ عب ٦: ١٠؛ ١٣: ٢، ١بط ٤: ٩؛ ٣يو ٥-٨.
  160. ‹ص ٢٤٨› (١٥٣) فى القرن الثانى وضع ميليتو Melito أسقف ساردس بآسيا الصغرى، كتاباً عن هذه الفضيلة.
  161. ‹ص ٢٤٨› (١٥٤) مازال أثر ذلك باقياً فى القداس الإلهى ... «بارك إكليل السنة بصلاحك من أجل فقراء شعبك. من أجل الأرملة واليتيم والغريب والضيف».
  162. ‹ص ٢٤٨› (١٥٥) انظر: أع ١١: ٢٧-٣٠؛ ٢كو٨: ١-٥؛ رو ١٥: ٢٦؛ غل ٢: ١٠.
  163. ‹ص ٢٤٨› (١٥٦) انظر: رو ١٦: ١٦؛ ١كو١٦: ٢٠؛ ٢كو١٣: ١٢؛ ١تس ٥: ٢٦؛ ١بط: ٥: ١٤.
  164. ‹ص ٢٤٩› (١٥٧) Fisher, p. 568; De Pressensé, Vol. 1, p. 394.
  165. ‹ص ٢٤٩› (١٥٨) Hill, p. 41.
  166. ‹ص ٢٤٩› (١٥٩) يع ١: ٢، ١٦، ١٩؛ ٢: ١، ٥، ١٤، ١٥؛ ٣: ١؛ ٤: ١١؛ ٥: ٧، ١٠، ١٢، ١٩.
  167. ‹ص ٢٤٩› (١٦٠) رو ٩: ٣؛ ١٢: ١٠؛ ١٦: ١.
  168. ‹ص ٢٤٩› (١٦١) انظر: مت ٥: ٢٢؛ ٢٣؛ ١٢: ٥٠؛ ٢٥: ٤٠؛ مر ٣: ٣٥؛ لو ٦: ٤١؛ يو٢٠: ١٧؛ رو٨: ٢٩؛ عب٢: ١١، ١٢، ١٧.
  169. ‹ص ٢٥٠› (١٦٢) الترجمة العربية لهذه الكلمة غير دقيقة. فهى باليونانية πολιτεὶα ومعناها citizenship وبالقبطية ⲙⲉⲧⲣⲉⲙⲙⲃⲁⲕⲓ والمقصود أن وطننا هو فى السماء.
  170. ‹ص ٢٥١› (١٦٣) رؤ٣: ١١؛ ٢٢: ٧، ١٢، ٢٠.
  171. ‹ص ٢٥٢› (١٦٤) Didache, 12; Apostolical Constitutions, 2. 63; De Préssensé Vol. 1, p. 387.
  172. ‹ص ٢٥٣› (١٦٥) كلمة «اخضعوا» فى اليونانية Hupotasso، وهى لا تعنى مجرد الطاعة الشكلية المظهرية والخضوع للنظام، لكنها تعنى طاعة القلب داخلياً — انظر: Wuest, First Peter, pp. 60, 61.
  173. ‹ص ٢٥٤› (١٦٦) Clement of Rome, Epistle to the Corinthians, chs. 60, 61.
  174. ‹ص ٢٥٤› (١٦٧) Polycarp, Epistle to the Philipians, 12.
  175. ‹ص ٢٥٥› (١٦٨) Schaff, Vol. 1, p. 507.
  176. ‹ص ٢٥٥› (١٦٩) Leitzmann, p. 138; Fisher, pp. 571, 572.
  177. ‹ص ٢٥٦› (١٧٠) Apostolical Constitutions, 2. 46-53, (A.N.F., p. 417-419).
  178. ‹ص ٢٥٨› (١٧١) Didache, 6. 3; Justin Martyr, Dialogue, 34, 8.35. 1. Leitzmann, p. 139.
  179. ‹ص ٢٥٨› (١٧٢) انظر: مت ٩: ١٤؛ لو ١١: ١؛ يو ١: ٣٥؛ ٣: ٢٥.
  180. ‹ص ٢٥٩› (١٧٣) انظر: أع ٩: ١، ١٠، ٢٥، ٢٦، ٣٦؛ ١١: ٢٦؛ ١٣: ٥٢؛ ١٤: ٢٠، ٢١، ٢٢، ٢٨؛ ١٥: ١٠؛ ١٦: ١.
  181. ‹ص ٢٥٩› (١٧٤) أطلق اليهود فى بداية الأمر على مواطنيهم المرتدين (المسيحيين) بعض تسميات مثل «ناصريين» و«جليليين» (أع١: ١١؛ ٢: ٧). لكن هذه التسميات لم تنتشر إلاَّ فى دوائر ضيقة، واستخدمت غالباً للتحقير.
  182. ‹ص ٢٥٩› (١٧٥) Harnack, Missions ... pp. 399-404.
  183. ‹ص ٢٥٩› (١٧٦) انظر: أع ٥: ١٤؛ ١٦: ١؛ أف ١: ١؛ كو١: ٢؛ ١تى ٥: ١٦.
  184. ‹ص ٢٥٩› (١٧٧) انظر: أع ٩: ١٣، ٣٢، ٤١؛ رو١: ٧؛ ١كو١: ٢؛ أف ١: ١؛ فى ٤: ٢١.
  185. ‹ص ٢٦٠› (١٧٨) Harnach, Missions ..., p. 405.
  186. ‹ص ٢٦٠› (١٧٩) انظر: أع ١٤: ٢؛ ١٧: ١٠؛ ١٤؛ ٢٨: ١٤؛ رو١٦: ١٤؛ ١كو١٦: ١٢، ٢٠؛ غل ١: ٢؛ فى ١: ١٤؛ ٤: ٢١؛ ١تى ٤: ٦؛ عب ٢: ١١؛ ١يو٣: ١٤.
  187. ‹ص ٢٦٠› (١٨٠) Harnack, Missions ..., pp. 405-412; Wuest, The Pastoral Epistles, p. 83.

From The Christian Church in the Apostolic Age by Anba Youannis, Bishop of Gharbiya (first published in 1971 under his monastic name, Fr Shenouda al-Suriani), third edition, May 1987, printed at the Anba Ruways offset press, Abbasiyya, Cairo.

يُنشر هذا النص بإذن من إيبارشية الغربية.

Published with the permission of the Diocese of Gharbiya.