← Books · The Christian Church in the Apostolic Age

الباب الأول: مولد الكنيسة

The birth of the Church, and the Jewish and pagan world it was born into

الباب الأول

مولد الكنيسة

‹ص ١٨›

لماذا ندرس تاريخ الكنيسة؟

قبل أن نخوض فى بحث تاريخ الكنيسة فى عصرها الرسولى، نتوقف قليلاً لنعرف الإجابة على هذا السؤال. ومنه سيتضح أن دراسة تاريخ الكنيسة ليست دراسة جافة كما يتصورها البعض، بل إنها تفتح آفاقاً، تعيننا فى العمل على مجد الله، وخلاص نفوسنا.... ونجمل إجابة السؤال فيما يلى:

١ - إننا بدراستنا لتاريخ الكنيسة المسيحية، إنما ندرس موضوع ملكوت الله على الأرض... قيام هذا الملكوت واتساعه من أجل مجد الله وخلاص البشر...

٢ - فتاريخ الكنيسة إذن هو الوصف الأمين لأصل وامتداد هذا الملكوت... ويهدف إلى أن يعيد إلى الأذهان، ويجسم بالكلمات تطور هذا الملكوت الخارجى والداخلى حتى وقتنا الحاضر... إنه والحال هذه، تفسير مستمر لمثل رب المجد عن حبة الخردل، والخميرة التى خمرت العجين كله (مت ١٣: ٣١-٣٣)... فمثل حبة الخردل يظهر مدى وكيفية إنتشار المسيحية فى العالم، بينما مثل الخميرة يظهر فعالية المسيحية القوية فى تقديس الحياة الداخلية...

٣ - وثمة ناحية أخرى يظهرها تاريخ الكنيسة ويؤكدها لنا... انه يظهر الله دائماً أقوى من كل قوى الشر، وأن مملكة النور تكشف وتخجل دائماً مملكة الظلمة، وأن الأسد الخارج من سبط يهوذا قد سحق، ويسحق دائماً رأس الحية... انه يؤكد كل يوم الدرس الذى قدمه لنا حادث صلب المسيح وقيامته، فى الباطل الذى قد ينتصر على الحق وقتياً، والحق الذى لابد وأن يظفر نهائياً...

٤ - هكذا يصبح تاريخ الكنيسة أفضل تفسير للمسيحية ذاتها، لأنه يبين التطور الأدبى والدينى للجنس البشرى، والخطة الإلهية للفداء. كما أنه يستمد قيمته وأهميته باعتباره المدخل لحالة المسيحية الآن، والمرشد للعمل الناجح فى كرمها... فالحاضر هو ثمر الماضى وأساس المستقبل.

‹ص ١٩› ٥ - وتاريخ الكنيسة ليس مجرد فضول لمعرفة أخبار السلف... وحقائقه ليست مجرد عظام بالية. بل أنه يشتمل على حقائق حية، ومبادىء وقوانين لإرشادنا... ومَنْ يدرس تاريخ الكنيسة، فإنما يدرس المسيحية ذاتها فى كل أوجهها، والطبيعة البشرة تحت سلطانها.

٦ - وتاريخ الكنيسة له قيمة كبرى لكل مسيحى كمستودع للتحذير والتشجيع والتعزية والنصح... إنه فلسفة الحقائق، والمسيحية مقدمة لنا فى أمثلة حية... وإذا كان بولس الرسول فى رسالته إلى العبرانيين يصف فى فصاحة بالغة سحابة الشهود المحيطة بنا — والتى تتألف من شخصيات بعض أبرار العهد القديم، بقصد تشجيع المؤمنين (عب ١١، ١٢: ١)، فنحن بدراستنا لتاريخ الكنيسة المسيحية إنما نضع أمامنا — ولنفس الغرض — سحابة أكبر تضم الرسل والإنجيليين والشهداء والمعترفين والآباء القديسين والنساك المتعبدين، جمهور المؤمنين الصديقين فى كل عصر وأمة ولغة منذ نشأة الكنيسة إلى وقتنا الحاضر... هؤلاء هم أبطال الإيمان والحب المسيحى... رسالة المسيح الحية، نور العالم وملح الأرض. ولا يمكن بطبيعة الحال أن نتعزى بإيمانهم، ونتشجع بمثالهم، ما لم ندرس أفكارهم وحياتهم وأعمالهم وجهاداتهم. بذلك فقط نحذو حذوهم، وبنعمة الله ننضم إلى صفوفهم...

أهمية دراسة تاريخ العصر الرسولى:

إذا كنا قد رأينا مدى أهيمة دراسة تاريخ الكنيسة بصفة عامة، فلاشك أن للعصر الرسولى أهيمة خاصة نجملها فيما يلى[^1]:

١ - للعصر الرسولى أهمية خاصة من كل النواحى المتعلقة بالمسيحية كديانة، ومن ثم فقد إهتم الباحثون بدراسة تاريخه. ومصدر هذه الأهيمة، هو أن حياة السيد المسيح هى النبع الأصلى للديانة المسيحية، وتبعاً لذلك فقد إعتبر العصر الرسولى المصدر الأصيل للكنيسة المسيحية، كمجتمع منظم منفصل ومتميز ‹ص ٢٠› عن مجتمع اليهود... وفضلاً عن ذلك فانه عصر الروح القدس، عصر الإلهام والتشريع لكل العصور التى تلته، والنافذة التى نطل منها على المسيحية الأصيلة فى مبادئها، القوية فى إيمانها، الإلهية فى كيانها...

٢ - يقدم لنا صورة أمينة لحيوية المسيحية وفعاليتها ونقاوتها... ففيه نقرأ كيف إستطاعت المسيحية — بقوة فائقة للطبيعة، وبعلامات وعجائب وإثباتات غير مألوفة لروح العصر — أن تجدد الخليقة الساقطة سواء اليهود أو الوثنيين، بطريقة تدريجية وتفاعل هادىء.

٣ - يقدم لنا إثباتاً قوياً واضحاً على أن المسيحية كديانة، إنما هى عمل إلهى فائق للطبيعة... فعلى الرغم من أن الكنيسة فى سعيها الحثيث لنشر رسالتها فى تاريخها المبكر، كانت كالطفل الذى يحبو على الشوك... وعلى الرغم من أنها — فى تلك الفترة العصيبة من تاريخها — كانت بلا سند من قوة زمنية، فقد إستطاعت — بقوة مؤسسها الذى وعدها أن أبواب الجحيم لن تقوى عليها — أن تثبت أمام جماعات اليهود بمكرهم وتعصبهم، وجحافل الوثنيين بملوكهم وحكامهم... إنه أمر يدعو للدهشة، أنه فى خلال قرون قليلة من مولدها، إستطاعت المسيحية أن تنال ولاء غالبية شعوب الإمبراطورية الرومانية فى كل العالم القديم. بل أن الدولة نفسها سعت للتحالف معها... لقد بدت المسيحية متواضعة فى مظهرها الخارجى، لكنها كانت يقظة لأصلها الإلهى. لم يكن لها ذهب ولا فضة، لكنها كانت غنية فى مواهبها وقواتها الفائقة للطبيعة... قوية فى الإيمان، حارة فى الحب، فرحة فى الرجاء... لقد فرضت نفسها على مسرح التاريخ كالحق الوحيد، والدين الكامل لكل شعوب الأرض.

٤ - وثمة أمر بالغ الأهمية بالنسبة لدراسة تاريخ العصر الرسولى. فلقد كان السيد المسيح يحدث تلاميذه أحاديث كثيرة، وصنع قدامهم آيات عظيمة لم تدون فى الإنجيل (يو٢٠: ٣٠). كما أنه بعد قيامته المجيدة كان يظهر لهم مدة أربعين يوماً يحدثهم عن الأمور المختصة بملكوت الله (أع١: ٣)، ولم يدون كاتبو الأناجيل هذه الأحاديث. أضف إلى هذا أن التعليم المسيحى فى عصر الرسل ‹ص ٢١› قدم للناس شفوياً — وهو ما يعرف باسم التقليد... ودراسة ذلك العصر تطلعنا على هذه التقاليد، وكل ما سلمه الرسل شفاهاً...

٥ - يضاف إلى هذا كله، أن العصر الرسولى يقدم لنا نماذج لشخصيات مسيحية عملاقة، وخاصة فى ميدان الخدمة والتبشير... شخصيات إستنارت عقولهم بالروح القدس، وتأيدوا بقوة فى الإنسان الباطن. ولا شك أن فى هذا خير حافز على العمل والجهاد...

المصادر التاريخية الأصيلة للعصر الرسولى:

ويمكن إجمال هذه المصادر القديمة الأصيلة فيما يلى[^2]:

١ - أسفار العهد الجديد المقدسة جميعها بصفة عامة، وسفر أعمال الرسل بصفة خاصة... فبينما يمدنا سفر الأعمال بمعلومات عن تاريخ الكنيسة الخارجى، فإن رسائل الرسل تسجل تاريخها من الداخل. لكن إعتمادنا الكبير من غير شك فى دراسة تاريخ الكنيسة فى العصر الرسولى — وبخاصة فى الفترة الأولى — يعتمد على سفر أعمال الرسل، بل انه يعتبر المصدر الرئيسى للنصف الأول من العصر الرسولى.

٢ - كتابات التعليم والقوانين المنسوبة للرسل مثل كتاب «تعليم الرسل الاثنى عشر» المعروفة باسم Didache وكتاب الدسقولية Didascalia.

٣ - كتابات الآباء الرسوليين، ويقصد بهم تلاميذ الرسل، من أمثالهم الآباء القديسين كليمنضس الرومانى وهرماس وبابياس وأغناطيوس وبوليكاربوس.

٤ - كتابات الأبوكريفا (غير القانوينة) — ويدخل تحت هذا الاسم كتابات كثيرة غير قانونية كتبت فى وقت متأخر قليلاً أو كثيراً عن العصر الرسولى، ‹ص ٢٢› ونسبت للرسل، وتحوى رسائل ورؤى وأعمال... وهذا — وإن كانت الكنيسة ترفضها كأسفار قانونية — لكن يمكن الإستعانة بها من الناحية التاريخية، فى إمدادنا بصورة عن ذلك العصر.

٥ - المصادر اليهودية، وأهمها كتابات فيلو Philo الفيلسوف اليهودى الاسكندرى، ويوسيفوس المؤرخ اليهودى الذى عاصر خراب أورشليم، فى كتابيه الشهيرين «آثار اليهود» و«حروب اليهود»... كما يمدنا كتاب «المشنا» Mishna الذى يجمع تعاليم معلمى اليهود فى القرن الأول، بصور ومعلومات عن عدد الرسل وطريقة تعليمهم ونظام الكنيسة الأولى والعبادة فيها.

٦ - الكتّاب والمؤرخون اللاتين الوثنيون من أمثال تاكيتوس Tacitus وسوتونيوس Suetonius وبلينى Pliny.

٧ - كتابات آباء القرن الثانى (الجيل التالى لتلاميذ الرسل)، من أمثال يوستينوس الشهيد وإيريناوس وهيجيسبوس Hegesippus الذى فقد كتابه، لكن هناك إقتباسات منه فيما كتبه إيرنياوس ويوسابيوس وإبيفانيوس.

٨ - المؤرخون الكنسيون، وأشهرهم يوسابيوس القيصرى الذى كتب تاريخاً للكنيسة فى عشر كتب، من تجسد الكلمة حتى سنة ٣٢٤، العمل الذى لأجله نال لقب [أبو التاريخ الكنسى].

٩ - المخلفات الأثرية أينما وجدت سواء كانت فى أماكنها الأصلية أو المتاحف المختلفة. واليوم بفضل العديد من الإكتشافات أمكن إضافة معلومات أخرى عن تلك الفترة المبكرة من تاريخ المسيحية. ومن هذه مخطوطات البحر الميت، وكذا إكتشافات نجع حمادى خصوصاً ما يسمى إنجيل توما وهو من كتب الأبوكريفا.

‹ص ٢٣›

ما المقصود بالعصر الرسولى؟

إصطلح على إطلاق تسمية «العصر الرسولى» على الفترة الزمنية التى عاش فيها رسل ربنا يسوع المسيح، وكرزوا فيها بالإيمان المسيحى. ويشغل هذا العصر نحو سبعين عاماً، من وقت تأسيس الكنيسة المسيحية فى يوم الخمسين سنة ٣٠ م، إلى نياحة القديس يوحنا الإنجيلى الرسول حوالى سنة ١٠٠ م، وهو أكثر مَنْ عمّر من الرسل...

‹ص ٢٤›

العالم الذى ولدت فيه الكنيسة

قبل أن نخوض فى تاريخ العصر الرسولى لنتعرف على معالمه، نحتاج إلى وقفة، لنلقى نظرة على العالم الذى ولدت فيه الكنيسة المسيحية... فهذا العالم هو الذى تعاملت معه الكنيسة وتفاعلت وتصارعت... من الناحية الدينية كان العالم ينقسم إلى قسمين متميزين: يهود ووثنيين٣. أما من الناحية السياسية فنجد الإمبراطورية الرومانية كوحدة كبيرة متماسكة منظمة، شغلت ممتلكاتها أجزاء كبيرة من العالم القديم.

لذا سنتكلم عن اليهود بأحوالهم وطوائفهم وأنظمتهم، ثم عن العالم الوثنى بفساده ورذائله، وأخيراً نلقى نظرة على الإمبراطورية الرومانية...

اليهود

١ - حالتهم السياسية:

منذ أن دخل القائد الرومانى بومبى أورشليم ظافراً سنة ٦٣ ق. م، صار اليهود خاضعين سياسياً للرومان الوثنيين. أقام بومبى حاكماً يهودياً على البلاد تحت إشراف ممثل روما... وكان هذا عاملاً قوياً فى إشتعال رجاء اليهود فى المسيا المخلص، لكن بمفهوم مادى، فتطلعوا إلى منقذ سياسى يعيد مملكة داود، على مستوى مجد عالمى.

‹ص ٢٥›

٢ - حالتهم الاقتصادية والاجتماعية:

كانت سيئة للغاية... والأمثلة التى ساقها الرب يسوع — وإن كان قد قصد بها معانى روحية — لكنها تصور لنا هذه الحالة خير تمثيل... فمثل صديق نصف الليل (لو١١: ٥-٧)، والدرهم المفقود (لو١٥: ٨، ٩). ووصفه للفقراء فى مثل العشاء والمدعوين (لو١٤: ٢١، ٢٣) والعمال البطالين فى السوق طوال اليوم فى مثل الفعلة وصاحب الكرم (مت ٢٠: ١-٧) إنما تعكس لنا صورة حية نابضة عن حالة الطبقة الكادحة فى المجتمع اليهودى إبان قيام الكنيسة المسيحية... يقابل هذه الطبقة المعدمة، فئة من كبار الملاك الأثرياء الذين لم يكن لهم سوى زيادة ثرواتهم، غير مبالين بالفقراء. وقد صور الرب هذا التناقض الصارخ بين الفريقين فى مثل الغنى الذى أخصبت كورته ولم يفكر إلاّ فى ذاته وفى كنز ثروته (لو١٢: ٦-٢١).

أضف إلى هذا، الضرائب التى أثقلت كاهل الشعب... فمن ضرائب كانت تجبى لحساب روما يجمعها العشارون بقسوة وإذلال وظلم، إلى ضرائب دينية متنوعة، كان عليهم تقديمها إلى الهيكل وإلاّ إتهموا بالخروج على الناموس...

من أجل ذلك كله ساءت أحوال اليهود الإقتصادية وانتشرت البطالة، واضطر البعض إلى إحتراف السرقة والإجرام. وكانوا يتخذون من طرق فلسطين الجبلية المقفرة مسرحاً لجرائمهم... ولعل المثل الذى قدمه المسيح عن الإنسان الذى كان مسافراً من اورشليم إلى أريحا ووقع بين اللصوص فعروه وجرحوه وتركوه بين حى وميت (لو١٠: ٣٠)، إنما يصور هذه الحالة أيضاً.

٣ - حالتهم الدينية والأدبية:

كان اليهود من الناحية الأدبية يفضلون الأمميين٤ الوثنيين بكثير... ‹ص ٢٦› لكنهم تحت مظهر الطاعة الشديدة لناموسهم، كانوا يخفون فساداً مريعاً. وقد دعوا فى العهد الجديد «أولاد الأفاعى» (مت٣: ٧)، «أولاد إبليس» (يو٨: ٤٤)، «قساة الرقاب وغير المختونين بالقلوب والآذان» (أع٧: ٥١). ويوسيفوس مؤرخهم، الذى كان يهمه أن يظهر مواطنيه لليونان والرومان فى صورة مشرقة، يصفهم فى القرن الأول، بأنهم شعب فاسد شرير، إستحقوا بعدل العقاب المخيف فى خراب أورشليم.

أما من الناحية الدينية، فقد تمسكوا بحرفية الناموس وبتقاليدهم دون أن يفهموا روح الشريعة أو يعرفوا قوتها... كانوا يتحفظون تحفظ الخوف من الوثنيين، ولذا فقد نالوا إحتقارهم كأعداء للجنس البشرى... ومع ذلك فقد إستطاعوا بكفاحهم وحصافتهم، أن يجمعوا ثروات طائلة، وأن تكون لهم مكانة فى بعض المدن الكبيرة فى الإمبراطورية الرومانية٥.

وعلى الرغم من تمسكهم بالناموس الذى يمنعهم من الإتصال بالأمم الأخرى فإنهم تحت ضغط الظروف السياسية التى مروا بها إنتشروا فى العالم أجمع حتى أنه فى خلال العصر الرسولى، كان لا يخلو إقليم فى الإمبراطورية الرومانية كلها من وجود جالياً يهودية٦.

وتبعاً لهذا الإختلاط بالأمم، أصبحت لغة فلسطين — التى توالى عليها حكم الأجانب خاصة بعد فتح الاسكندر الأكبر٧ — يجهلها كثير من اليهود. وصارت اليونانية مألوفة ومتداولة كاللغة الآرامية فى مدن اليهودية.

‹ص ٢٧› ومنذ القرن الأول قبل الميلاد، خرج اليهود عن مألوفهم، وتحولت اليهودية من ديانة متحوصلة إلى ديانة كارزة، لها إرساليات تعمل، الأمر الذى أشار إليه السيد المسيح بقوله للكتبة والفريسيين: «تطوفون البحر والبر لتكسبوا دخيلاً واحداً.» (مت٢٣: ١٥)... وعلى الرغم من هذه الجهود، فقد كان عدد المتهودين ضئيلاً. وفضل الوثنيون — ممَنْ أعجبوا بأدبيات اليهود — أن يظلوا على الهامش «كخائفى الله»٨، لأنهم لم يكونوا مستعدين للخضوع لقيود الناموس الطقسى الشديد٩... وكان هؤلاء يحضرون المجامع اليهودية كموعوظين... ولعل مما ساعد على حركة الإنضمام هذه، الترجمة السبعينية للعهد القديم من العبرية إلى اليونانية التى تمت فى عهد وبرغبة بطليموس الثانى ملك مصر (٢٨٥ — ٢٤٦ ق. م) لمنفعة شعبه من اليهود الذين كانوا يجهلون العبرية.

والآن نعرض للمجامع اليهودية التى يتردد ذكرها كثيراً فى أسفار العهد الجديد، وكان لها أثر كبير فى تلك الفترة المبكرة من تاريخ الكنيسة، ثم نعرض لبعض الطوائف والمفاهيم اليهودية:

١ - المجمع اليهودى١٠

كان هو المركز المحلى لحياة اليهود الدينية والاجتماعية... كان مدرسة ومعبداً وحارساً لكل تراثهم. وقد إزدادت أهميته بعد خراب هيكل أورشليم سنة ٧٠ م... بدأت المجامع اليهودية تاريخياً من وقت السبى وعزرا، وإن كان اليهود يحاولون إرجاعها إلى مدارس الأنبياء، بل إلى زمان البطاركة الأولين. وفى العصر الرسولى كان المجمع قد إكتمل نظامه واستخدمه اليهود كقاعدة للتعليم الشعبى...

‹ص ٢٨› وكلمة مجمع Synagogue ككلمة كنيسة، تعنى الشعب والبناء، حيث يجتمع الشعب للعبادة العامة. كان لكل مدينة مهما صغرت مجمع، أو على الأقل مكان للصلاة فى منزل خاص أو فى الهواء الطلق. وكان المكان يختار عادة قرب نهر أو شاطىء بحر لتسهيل الغسلات الطقسية. وقد صور سفر الأعمال إنتشار المجامع اليهودية بقوله: «لأن موسى منذ أجيال قديمة له فى كل مدينة مَنْ يكرز به، إذ يُقرأ فى المجامع كل سبت» (أع١٥: ٢١)...

ووفقاً للتقليد اليهودى، كان يكفى وجود عشرة رجال فى مكان ما ليؤسسوا إجتماعاً دينياً... وإقامة مجمع، كانت تعد عملاً صالحاً يذكر بالخير (لو٧: ٥)... هكذا إنتشرت المجامع اليهودية فى أماكن كثيرة. وكان هناك عديد منها فى المدن الكبيرة كالاسكندرية وروما. أما أورشليم وحدها فكان بها نحو أربعمائة مجمعاً للطوائف المختلفة واليونانيين من الأقطار الأخرى (أع٦: ٩).

وصف البناء:

كان عبارة عن بهو فسيح قائم الزوايا، ليس له طراز معمارى خاص. أما ترتيباته من الداخل فتشبه إلى حد ما خيمة الإجتماع والهيكل. كانت فيه مقاعد، خصصت المرتفعة منها للشيوخ والأعضاء الموسرين (مت٢٣: ٦؛ يع٢: ٢، ٣) وكان فيه منبر أو ما يشبه المنجلية للقراءة، وتابوت خشبى أو مقصورة لحفظ الكتب المقدسة، وكانت تسمى Copheret أو كرسى الرحمة أو هارون.. وهذه تقابل قدس الأقداس فى خيمة الإجتماع والهيكل. وكان هناك ضوء مقدس يحتفظ به مشتعلاً دائماً، رمزاً للناموس المقدس، ويقابل الضوء الذى كان موجوداً فى الهيكل... ويوجد صندوقان للعطاء موضوعان بجوار الباب كما كان الحال فى الهيكل، أحدهما لفقراء أورشليم١١، والآخر للإحسانات المحلية... كانت لا توجد زخارف للتزيين — ما عدا النباتات — لأن الوصية الثانية من الوصايا العشر تنهى ‹ص ٢٩› بشدة عن الصورة كشىء وثنى. وكان البناء يقام على أعلى بقعة فى المنطقة. ولم يكن مسموحاً لأى منزل أن يتجاوز فى إرتفاع المجمع. وفى حالة عدم وجود أرض مرتفعة لإقامة المجمع عليها، كان يثبت عمود خشبى طويل فى سقف البناء، لكيما يجعله ظاهراً.

التنظيم:

كان لكل مجمع رئيس١٢، وعدد من الشيوخ Zekenim مساوين له فى الرتبة، وقارىء ومترجم. وقد بدىء فى إستخدام المترجم عقب العودة من السبى البابلى ليترجم الدروس من العبرية إلى الكلدانية أو الآرامية، أو اليونانية أو اللغات الوطنية الأخرى. كما كان لكل مجمع شخص أو أكثر يرسلون فى مهام بسيطة تحتاج إلى إنتقال، ويدعون «مبعوثين» sheliach وقندلفت chazzan أو خادم للخدمات اليدوية البسيطة (لو٤: ٢٠). كما كان يوجد خدام لجمع الصدقات وكانوا يسمون gabae zedaka ومهمتهم جمع الصدقات... وكان المجمع عبارة عن هيئة قضاء دينية، لها السلطة أن تطرد وأن توقع عقوبات على المذنبين، قد تصل إلى الجلد١٣... كان بكل مجمع عشرة رجال أثرياء يحضرون كل خدماته ويمثلون الشعب. وكان كل مجمع مستقلاً داخلياً، لكنه فى نفس الوقت، كان على صلة منتظمة بالمجامع الأخرى.

العبادة:

كانت بسيطة لكنها طويلة، وتتميز بها ثلاثة عناصر: عنصر تعبدى، وعنصر تعليمى، وعنصر طقسى... كما إشتملت على صلوات وأناشيد وقراءات وشرح للأسفار المقدسة، وطقس الختان، وغسلات طقسية.

كرسى موسى — حيث يجلس المعلمون فى المجمع اليهودى «على كرسى موسى جلس الكتبة والفريسيون» (مت ٢٣: ٢)

بقايا مجمع يهودى فى كفر ناحوم يرجع إلى القرن الثالث الميلادى

‹ص ٣١› أما الذبائح الدموية فكانت قاصرة على الهيكل بأورشليم، وبطلت بخرابه وهدمه... كانت الصلوات والأناشيد تؤخذ أساساً من المزامير. وكانت الصلاة الإفتتاحية تتألف من بركتين افتتاحيتين، إحداهما قراءة الوصايا العشر، والثانية قراءة بعض أجزاء من أسفار موسى الخمسة١٤... يتلو ذلك الثمانى عشرة صلاة والبركات، وكان يتلوها قارىء، ويجاوبه الشعب «آمين»... وهذه إحدى الصلوات:

«إمنحنا سلاماً وسعادة وبركة ونعمة ورحمة، وترأف علينا وعلى شعبك إسرائيل. باركنا كلنا يا أبانا متحدين بنور رضاك. لأنه فى نور رضاك أيها الرب إلهنا أنت أعطيتنا ناموس الحياة والرأفة والعدل والبركة والحنو والحياة والسلام. ليتك تبارك شعبك إسرائيل بالسلام».

كان الجزء التعليمى والوعظى من العبادة مؤسساً على الأسفار اليهودية.. كان يُقرأ درس من الناموس وآخر من الأنبياء، ويتبعهما تفسير وعظة باللغة الآرامية الوطنية أو اليونانية. وتختم الخدمة بالبركة، ويجاوب الشعب «آمين». وحيث أنه لم يكن هناك ممارسات كهنوتية خارج هيكل أورشليم، لذا كان يمكن لأى يهودى مسن أن يقف ويقرأ الدروس ويتقدم الصلاة ويخاطب المجتمعين.. وقد انتهز السيد المسيح ورسله فرصة هذا الامتياز الديمقراطى، ليبشروا بالإنجيل الذى فيه تم ما جاء بالناموس والأنبياء١٥.

كانت أيام الخدمة العامة هى السبت والاثنين والخميس. وساعات الصلاة هى الثالثة والسادسة والتاسعة بالتوقيت العبرى١٦.. وكان يفصل بين الرجال والنساء حائط منخفض أو ستار. كان الرجال يجلسون فى ناحية والنساء فى ناحية أخرى كما هو الحال فى كنائسنا اليوم. وكان الناس يتجهون فى الصلاة نحو أورشليم.

‹ص ٣٢›

٢ - الطوائف اليهودية

صاحب نشأة الكنيسة المسيحية وجود عدة طوائف يهودية. ولقد أظهرت دراسة تاريخ الكنيسة الأولى فى أورشليم مدى تعقيد العالم اليهودى الذى كانت تنمو فيه الكنيسة المسيحية. وسنقصر حديثنا على الطوائف اليهودية الثلاث البارزة: الفريسيين والصدوقيين والأسينيين.

الفريسيون:

الفريسيون Perushim، أى المفرزون — الذين أفرزوا أنفسهم عن الأمم وكل عوائدهم — هم إمتداد لجماعة الحسيديين (الأتقياء) الذين ظهروا فى زمان المكابيين١٧... كان لهم شأن كبير فى زمان السيد المسيح ورسله. اتخذوا لأنفسهم طريقاً ضيقة فى العبادة، حتى أن القديس بولس الذى عاش قبل تنصره فريسياً يقول عن نفسه: «إنى حسب مذهب عبادتنا الأضيق عشت فريسياً» (أع٢٦: ٥).

يمكن القول إن رسالة الفريسيين كانت رسالة دينية خالصة، لكن إهتمامهم بالدين لم يمنعهم من خوض غمار السياسة فى بعض الأحيان.. وصفهم ‹ص ٣٣› يوسيفوس بأنهم أقوياء جداً، فخورون بحفظهم لناموس آبائهم بكل دقة، وبأن الله يحبهم... كانوا هم — وليس الكتبة — هم مصدر السلطة فى المجمع اليهودى، حتى أن السيد المسيح قال: «على كرسى موسى جلس الكتبة والفريسيون» (مت٢٣: ٢). لكنهم إشتهروا بريائهم، حتى صارت الفريسية علماً على الرياء (انظر متى ٢٣).

غالباً ما يقترن اسم الفريسيين بالكتبة فى الأناجيل، فمَنْ هم هؤلاء الكتبة؟

لم يكن هؤلاء الكتبة طائفة دينية، لكنهم كانوا أرباب حرفة علمية لها شأنها فى المجتمع اليهودى... ويبدو أن ظهورهم كجماعة لها كيانها يرجع إلى عصر مبكر كما نستنتج من سفر أخبار الأيام (١أى٢: ٥٥). عرفوا بعد زمان عزرا باسم السفريم Sopherim من كلمة Sopher ومعناها مؤلف أو شخص يعلم كتاب الناموس١٨...

كان الكتبة إذن مع الفريسيين هم معلمو الناموس... وكانت لهم مكانة عظيمة بين الشعب. إستشهد أحد مقدميهم ويدعى اليعازر لأنه رفض كسر الشريعة (مكابيين الثانى ٦: ١٨، ١٩). كانوا دائماً على ود مع الفريسيين، بل كانوا أكثر الشيع اليهودية إتحاداً١٩.

الصدوقيون:

ترجع تسميتهم — حسب أرجح الآراء — إلى «صادوق» رئيس الكهنة، الذى أقامه سليمان ملك إسرائيل (١مل٢: ٣٥). ويشير النبى حزقيال إلى «أبناء صادوق»، ويصفهم بأنهم أهل لخدمتهم، ويوثق بهم فى واجباتهم.. لا نعرف على وجه التحديد زمان قيام هذه الطائفة، لكن يرجح أنه كان فى ‹ص ٣٤› زمان حكم أنطيوخوس ابيفانس Antiochus Epiphanes ملك السلوقيين بسوريا، الذى أخضع لحكمه بلاد اليهودية، حيث بدأ الصراع بين اليهودية والهيلينية.. كان التثقف بالثقافة الهيلينية (الأغريقية) الجديدة، هو الطريق الممهد للثروة والجاه السياسى والترقى فى المناصب...

وقد إعتنق كثير من القادة الدينيين وأتباعهم وجهات النظر والعوائد الاغريقية، وتشبعوا بالروح العالمية٢٠. ولعل هذا ما أشار إليه سفر المكابيين بقوله: «فى تلك الأيام خرج من إسرائيل أبناء منافقون. فأغروا كثيرين قائلين، هلم نعقد عهداً مع الأمم حولنا، فانا منذ إنفصلنا عنهم لحقتنا شرور كثيرة» (مكابيين الأول ١: ١٢).

كان الصدوقيون يمثلون أرستقراطية الكهنوت، الذين أمسكوا بمقاليد السلطة فى الشئون اليهودية ابان سيطرة الفرس ثم خلفاء الاسكندر (البطالمة والسلوقيين). وقد تمتعوا بنفوذ مطلق فى الهيكل، وبالتالى فى أورشليم وكل اليهودية... كانت تصل إلى أيديهم كل الضرائب التى تجبى باسم الهيكل، سواء من اليهود المقيمين أو من يهود الشتات، فضلاً عن نصيبهم من الذبائح والعشور وضريبة الدرهمين (مت١٧: ٢٤).

وهكذا أثرى الصدوقيون ثراء عريضاً٢١، وترتب على ذلك إهمالهم للشئون الدينية وانصرافهم إلى العالميات.. وكانت نتيجة ذلك أن انتقلت قيادة الشعب الحقيقية إلى الفريسيين والكتبة.

لم يكن ما ذكرناه هو السبب الوحيد لعداء الصدوقيين والفريسيين الشديد، بل هناك سبب آخر يتصل بإيمانهم... لقد كانت للصدوقيين

جزء من سفر إشعياء من مخلفات الاسينيين ‹ص ٣٦› إنحرافات عقيدية تتلخص فى الآتى:

+ كانوا يعارضون الناموس غير المكتوب، الذى إعتبره الفريسيون مقدساً وأنه إنحدر إليهم عن موسى. ورفضوا قبول أية تشريعات غير واردة فى ناموس موسى٢٢.
+ كانوا لا يؤمنون بعقيدة القيامة من الأموات (أع ٢٣: ١-٩).
+ أنكروا الملائكة والأرواح (أع ٢٣: ٨).

وكان من نتيجة ذلك أن فقد هؤلاء الصدوقيون سيطرتهم على الشعب. وبعد خراب أورشليم والهيكل، فقدوا كلية نفوذهم السياسى...

الأسينيون:

لم يرد ذكر الاسينيين Essenes فى أسفار العهد الجديد. لكن المكتشفات الأخيرة أظهرت لنا تأثيرهم القوى على الحياة الدينية فى المجتمع اليهودى فى ذلك العصر. بل قيل إن بعض تلاميذ السيد المسيح كانوا من أتباعهم، وأن يوحنا المعمدان كان أحد أفراد جماعتهم...

ألف الأسينيون جماعة يهودية عاصرت ظهور السيد المسيح بالجسد، وكانت مزدهرة فى القرن السابق للميلاد، واستمرت حتى خراب أورشليم سنة ٧٠ م... وإن كان المؤرخون القدامى قد ذكروهم باقتضاب كبير، لكن بفضل ما عُثِرَ عليه فى مغارات قمران Qumran عند الشاطىء الغربى للبحر الميت جنوبى أريحا، أصبح لدينا وفرة من المعلومات عنهم.

لقد أطلق الكتّاب القدامى على هذه المجموعة اسم «الأسينيين»، وهى تسمية تعنى على الأرجح «الأتقياء». أما هم فقد أسموا أنفسهم — حسبما ورد ‹ص ٣٨› فى مخلفاتهم المكتشفة — «الجماعة» أو «جماعة الله» أو «جماعة العهد الدائم».

أما عن عقائدهم وطقوسهم وأسلوب معيشتهم٢٣، فهى عقائد يهودية خالصة أساسها ناموس موسى والأنبياء، لكن على غير ما أوله الفريسيون والصدوقيون. وكانوا ثائرين على الشكليات فى الدين...

كانت جماعة الأسينيين تمثل طائفة سرية مغلقة... كانوا يقللون من شأن المرأة. وكانوا يمثلون جماعة إشتراكية على أشد ما تكون الاشتراكية، إذ لم يكن لأى من أعضاء الجماعة ملك خاص، وكانت الأعمال تورع عليهم توزيعاً عادلاً.

٣ - مفاهيم يهودية

وإتماماً للفائدة نتناول بالشرح بعض المفاهيم اليهودية التى ترتبط بموضوع دراستنا عن العصر الرسولى. كالسنهدرين وهو مجلس اليهود الأعلى، ويهود الشتات، والدخلاء المتعبدين واليونانيين.

السنهدرين[^24]:

وهو مجلس اليهود الأعلى الذى حوكم أمامه السيد المسيح ورسله.. وترجع التسمية فى أصلها اللغوى إلى الكلمة Sunhedrion واستخدمت فى الآرامية بمعنى محفل. واستناداً إلى ما جاء فى المشنا اليهودى، فإن البعض يرجع قيام السنهدرين إلى زمان موسى، حين عين سبعين من شيوخ إسرائيل لمعاونته (عد١١: ١٦، ١٧). والبعض يرجعه إلى زمان يهوشافاط (٢أى١٩: ٨)... لكن يبدو أنه لم يكن له وجود إلاّ فى مرحلة ما بعد السبى. وقد تشكل على أرجح الآراء حوالى سنة ١٩٠ ق. م.

‹ص ٣٩› كان مجلساً أرستقراطياً، يضم سبعين أو أثنين وسبعين عضواً. وكان يتألف من ثلاث فئات:

الكهنة (أو رؤساء الأربعة والعشرين فرقة الكهنوتية)، والشيوخ (أو رؤساء الأسباط)، والكتبة. وكان الشيوخ يمثلون الأرستقراطية العلمانية، وينتمون مثل الكهنة إلى شيعة الصدوقيين٢٥... وكان رئيس هذا المجلس يختار على أساس نشاطه وحكمته، وغالباً ما كان هو رئيس الكهنة. وكان يسمى بالعبرية ab-beth-din أى أب بيت العدالة٢٦.

وفى إنعقاد هذا المجلس كان يجلس عن يمين الرئيس، نائب رئيس أول وعن يساره نائب رئيس ثان. أما بقى الأعضاء فكانوا يجلسون فى شكل نصف دائرى، حتى ما يرى كل عضو الآخرين...

أما عن مكان إنعقاده، فبناء على ما جاء فى التلمود، فإنه كان ينعقد فى حرم الهيكل. لكن هناك رأياً آخر يقول إنه كان ينعقد فى الجانب الشرقى لجبل صهيون على مقربة من الهيكل.

أما عن سلطات هذا المجلس فقد إختلفت من زمان إلى آخر بحسب الظروف والأحوال السياسية، التى كان يمر بها اليهود.

وفى العصر الرسولى كانت سلطاته محدودة إلى حد ما. كان مايزال يحتفظ بسلطة الحكم بالاعدام دون قوة التنفيذ، التى كانت من إختصاص الوالى الرومانى.

‹ص ٤٠›

يهود الشتات[^27]:

وهم اليهود الذين عاشوا خارج فلسطين، لسبب أو لآخر... إما لعدم عودة بعض أسلافهم من السبى إلى أرضهم، وإما نتيجة حمل بعض الفاتحين الغزاة المتأخرين لبعض آخر منهم إلى الخارج، وإما بسبب الهجرة إلى بعض المدن الجديدة، نتيجة إغراء مؤسسيها، لعلمهم أن اليهود مواطنون نافعون... ومهما يكن من أمر، فالنتيجة أن اليهود عاشوا فى أغلب المقاطعات الرومانية، فى كل حوض البحر المتوسط، وشرقاً فيما وراء سوريا. وكانوا بأعداد ضخمة فى بلاد ما بين النهرين وبابل وميديا. حتى أن يوسيفوس المؤرخ اليهودى يقول: [لا يوجد شعب فى العالم لا يضم جزء منا]. ويقول الجغرافى سترابو Strabo: [ليس من السهل أن تجد بقعة فى العالم لم تستقبل هذا الجنس (اليهود)]. وقد عاشوا فى المدن، مؤلفين جاليات متميزة، ومتمتعين ببعض الإمتيازات الخاصة التى أحرزوها بطرق مختلفة... وعلى الرغم من أن روما حرمت الديانات الشرقية، لكنها استثنت الديانة اليهودية٢٨، وصرحت لاتباعها أن يضموا أتباعاً جدداً، وأن يمارسوا شرعهم المقدس، الذى كان بمثابة قانونهم الدينى والمدنى والجنائى... وهذا يفسر كيف أعطى رؤساء الكهنة سلطاناً لشاول الطرسوسى أن يقبض على أى يهودى متنصر فى دمشق، ويسوقه إلى أورشليم ليحاكم (أع٩: ٢).

الدخلاء والمتعبدون[^29]:

كان ليهود الشتات رسالة بين الأمم الوثنية، إتماماً لوصية الرب «اعترفوا للرب يا بنى إسرائيل، وسبحوه أمام جميع الأمم. فإنه فرقكم بين الأمم الذين يجهلونه، لكى تخبروا بمعجزاته، وتعرفوهم أن لا إله قادر على كل شىء سواه» ‹ص ٤١› (طوبيا ١٣: ٣، ٤)... ومن هنا فقد طافوا البحر والبر ليكسبوا دخيلاً واحداً (مت٢٣: ١٥). وهكذا، فقد كان كل يهودى — بحسب تعبير القديس بولس — يثق أنه قائد العميان ونور للذين فى الظلمة، ومهذب للأغبياء، ومعلم للأطفال (رو٢: ١٩، ٢٠).

كان اليهودى بين جيرانه الوثنيين يتمتع بمهارة تثير عليه كراهيتهم.. كما أنه كان موضع سخريتهم بسبب الأمور التى تنفرد بها ديانته٣٠، كما كان مكروهاً للأصرار على الوقوف بمعزل عن بقية الجنس البشر... لكن على الرغم من ذلك، فقد إستطاعت اليهودية فى كل عصر أن تجذب إليها بعض المفكرين، الذين راقتهم عقيدتها التوحيدية وسمو شريعتها الأدبية بالمقارنة مع خرافات الوثنية وفساد أدبياتها... ومن أمثلة هؤلاء بعض قواد المائة الذين أحبوا اليهودية والشعب اليهودى وبنوا لهم مجامع (لو٧: ٥)..

لقد رحبت اليهودية بأمثال هؤلاء وقدمت لهم كتابها المقدس باللغة اليونانية (الترجمة السبعينية)، وسمحت لهم فى بعض الأحيان بحضور خدمات المجمع (انظر أع١٣: ٤٢)... كان بعض هؤلاء المعجبين باليهودية يخطون الخطوة الأخيرة نحو إنضمامهم لليهودية، فيختتنون، وكان يطلق عليهم إسم «الدخلاء»، ويوضعون فى وضع يقارب اليهود بالمولد. والبعض الآخر كانوا يقبلون حقائق الديانة اليهودية الكبرى، لكنهم كانوا يرفضون حمل نير الناموس اليهودى بما فيه من قيود دائمة، وعزلة لا مفر منها... وقد سمح لهؤلاء بحضور المجمع وبالاختلاط بأصدقائهم من اليهود، مقابل امتناعهم عن بعض الأطعمة والممارسات التى يمتنع عنها اليهود٣١. كما كانوا يصومون ويقدمون صدقات كأكثر اليهود تدقيقاً (أع١٠: ٢، ٣)... ودعى هؤلاء باسم «المتعبدين» أو «خائفى الله».

‹ص ٤٢› وكثيراً ما نقرأ فى سفر أعمال الرسل عن الدخلاء والمتعبدين٣٢... كانوا يحجون إلى أورشليم لزيارة الهيكل فى الأعياد الكبيرة (أع٢: ١٠).. وكان لهم مكان مخصص فى الهيكل عُرف باسم «دار الأمم»... بين هؤلاء المتعبدين، وجدت المسيحية — وقد طرحت عنها نير اليهودية الثقيل — سامعيها المستعدين، إذ وجدوا فيها أفضل وأسمى مما جذبهم نحو اليهودية، وبلا قيود أو معوقات...

اليونانيون[^33]:

كثيراً ما نلتقى فى سفر أعمال الرسل بهذه التسمية «اليونانيين».. فمَنْ هم هؤلاء اليونانيون أو كما يسمون الهيلينيين؟

هم يهود الشتات الذين عاشوا خارج فلسطين، وتكلموا اليونانية.. كانت جماعات كبيرة من هؤلاء اليونانيين يسكنون أورشليم — وكانت لهم طرق معيشتهم الخاصة، والتى وجدت طريقها إلى يهود أورشليم.

ونستطيع أن نفهم مما ورد فى (أع ٦: ٩). أن بين المجامع العديدة التى كانت فى أورشليم، وجدت مجامع خاصة باليونانيين... بعضها كان خاص بيهود القيروان والاسكندرية، وبعضها كان خاصاً بأهل كيليكية واقليم آسيا... وهكذا. ومن المحتمل أن كلمة مجمع المذكورة فى (أع٦: ٩) لا تعنى مجرد البناء، بل قد تعنى أن هؤلاء اليهود الذين تكلموا اليونانية، إتحدوا فى جماعات قومية... وتجمع هذه الجماعات فى مجامع مستقلة، يعنى أن اللغة اليونانية كانت هى المستخدمة بينهم. وقد توقع الجمع فى الهيكل أن يخاطبهم بولس باليونانية، فلما خاطبهم بالعبرية إندهشوا ‹ص ٤٣› «وأعطوا سكوتاً أحرى» (أع٢٢: ٢). والشمامسة السبعة الذين أقامهم الرسل، حملوا أسماء يونانية ... وكان ستة منهم يهوداً بالمولد، والسابع — وهو نيقولاوس — كان دخيلاً أنطاكياً، أى أنه ولد أمّياً.

وقد فقد هؤلاء اليونانيون بعضاً من مميزاتهم اليهودية، نتيجة حياتهم فى الأقاليم الأخرى خارج بلاد اليهودية ... ومن هنا فقد كان يهود فلسطين يحتقرون هؤلاء اليهود اليونانيون، نتيجة إثارة الفريسيين لكبريائهم القومى ... فكانوا ينظرون إليهم على أنهم أدنى منهم دينياً، نتيجة إختلاطهم بالأمم الوثنية ... بل إعتادوا أن يضعوهم فى مرتبة طلائع الوثنية ... بين هؤلاء اليونانيين وجدت الكنيسة الأولى أكثر المهتدين إستعداداً لقبول الإيمان ...

العالم الوثنى

امتزجت الوثنية بالرذيلة ... حتى الديانة الاغريقية — وهى نتاج عقول مبدعة — كانت مليئة بالشر والفساد ... والحق أن الوثنية — بصفة عامة — كان ينقصها الإدراك الحقيقى لمعنى الخطية وبالتالى لمفهوم القداسة٣٤.

ونكتفى هنا بإلقاء بعض الضوء على الحالة الفكرية، والحالة الأدبية فى العالم الوثنى ...

١ - الحالة الفكرية:

لم تكن الفلسفة فى القرن الأول الميلادى حدثاً جديداً بل كان وراءها تاريخ طويل معقد. وكانت قد قطعت مراحل عدة فى أبحاثها النظرية ... وكان لدى ‹ص ٤٤› الأغريق القدماء منذ زمن سحيق عبادات وثقافات لم تشبع العقول الباحثة، فلجأت إلى تفكير جديد، وإلى أساليب من البحث والاستقراء، لعلها تبلغ الحق الذى تنشده ...

كان بعض الفلاسفة الأولين ملحدين، لكن أكثرهم آمن بوجود إله فى مكان ما، أو حتى آلهة كثيرة ... على أنهم لم يعبأوا بما قد تحدثه معرفة ذلك الإله أو تلك الآلهة فى أخلاق الناس وحياتهم العملية ... وسخر الفلاسفة من القول بالوحى والإلهام ... وحاولوا بالمشاهدة والتأمل، وبالعقل والفكر، أن يستكشفوا دخائل طبيعة الإنسان والكون المحيط به. ومن هؤلاء الفلاسفة المفكرين، برز جهابذة العقل الذى ابتكروا الآراء الجديدة، وجمعوا حولهم طوائف من التلاميذ والاتباع. وهكذا ظهرت «مدارس» الفكر المختلفة.

أخذ الرومان — سادة العالم وقتداك — فلسفتهم عن الأغريق. لكنهم لم يقبلوها كما هى، بل أحدثوا فيها تعديلات وتحويرات حسبما إستحسنت ملكاتهم العقلية وقواهم الفكرية، فأضافوا إليها وحذفوا منها ما أرادوا ... فقد كان الرومانى عملياً فى تفكيره، لا خيالياً. فأخذ من الفلسفة الأغريقية ما وجد فيه عوناً له فى حياته العملية، وتوطيداً لسلطانه وسيادته ...

وقد ذاعت فلسفات متنوعة فى القرن الأول المسيحى منها: الفلسفة الرواقية، والأبيقورية، وفلسفة المشائين أتباع أرسطو، والفيثاغورية، والأفلاطونية، والكلبية Cynicism وهى فلسفة ديوجينس٣٥ ... على أن أهم تلك المدارس الفلسفية شأناً فى فجر المسيحية، كانت الأبيقورية والرواقية٣٦.

الفلسفة الأبيقورية:

جاهرت الأبيقورية بنزعتها المادية وإلحادها الصريح بمعاداة الدين، ‹ص ٤٥› وتهجمت على قدسيته، لأنها إعتبرت إلتماس الأمان مثلها الأعلى. فأدى بها هذا النظر إلى أن التوقف عن الاعتقاد فى الدين، أدعى للأمان من الإيمان به. ومن ثم يصبح الإيمان بالدين خطية، بل أضحى عند بعضهم مبعث كل شر ...

حاول أبيقور أن يجتث الدين من أساسه، فاعتبر الخوف هو الباعث الرئيسى على الإيمان، فعمل على تحرير العقل البشرى من هذا الخوف، لينحل ما ترتب عليه من آثار..! ومضى فى نزعاته المادية، مؤكداً خلو الكون من كل حكم إلهى٣٧ ... وقد نادت الأبيقورية بأن الآلهة تستمتع بنعيمها، وتعيش بمعزل عن الناس ... لا تعبأ بأمورهم، ولا تعنى بحياتهم. لذا لا يليق بالبشر أن يرهبوا تلك الآلهة ... كما رفضت الأبيقورية القول بالعناية الإلهية ... على أن الفلسفة الأبيقورية كما مارسها الرومان، كانت عقيدة سلبية، إذ خلت من كل رجاء فى الخلود، ومن كل دافع من دوافع الخير، وكان شعارها: [لنأكل ونشرب ونطرب، فغداً نموت]٣٨.

الفلسفة الرواقية:

كانت الفلسفة الرواقية لدى الرومان فى مستوى أرقى من الأغريق، ولم تكن مجرد فلسفة بل غدت ديناً اعترف بإله واحد، روح إلهى، منه تصدر كل الأشياء، وإليه مصيرها ... وتؤمن الرواقية أن بكل إنسان شعاعة من الطبيعة الإلهية. ومهمة الإنسان أن يصون هذه الشعاعة، ويضرم نارها لتبقى مشتعلة منيرة ... وتؤمن أن أعظم هبة وهبها الإنسان هى العقل. ومن ثم فإنه يحق للبشر أن يكونوا أبناء الله ... وقد ألهبت هذه الفكرة نفوس الرواقيين، وأمدتهم بعزاء وهدى فى حياتهم اليومية ... وكانت الرواقية عقيدة الأقوياء وأصفياء النفوس، الذين مالوا بطبعهم إلى الخير، وإلى كل المعنويات الطيبة الجميلة ... كما أكدت كثيراً على ضبط ‹ص ٤٦› النفس وترويضها وتنمية الحياة الداخلية، أو الحياة المتناسقة كما يدعوها فيلسوفهم الأول زينون ... ولعل نواحى السمو فى فلسفتهم ترجع إلى أن الفكرة المحورية عندهم هى الحياة بمقتضى الطبيعة. والطبيعة فى اعتقادهم هى «اللوغوس» أو العقل الكونى. وفى رأيهم أن العقل الإنسانى ليس سوى جزء من هذا العقل الكونى ...

لقد جاء أولئك المفكرون بأفضل ما لديهم، لكن لم تخرج جهودهم عن نطاق التفكير النظرى، ولم تقو نظرياتهم على مغالبة الحياة وعثراتها ... وثمة أمر هام يجب الإشارة إليه، وهو أن الفلسفة لم تكن يوماً لعامة الناس، الذين لم تقو مداركهم العقلية على تفهمها ... وهكذا فشلت نظريات أولئك الفلاسفة المفكرون عن إمتلاك عامة الناس، ولم تمس إلاَّ عقول المفكرين والمثقفين وحدهم. هكذا وجدت المسيحية تربة حقل العالم مستعدة، لتزرع فيها زرعها الجيد، فأتى بثمر كثير ...

٢ - الحالة الأدبية:

لعل خير وصف يمكن أن توصف به أدبيات العالم الوثنى إبان ظهور المسيحية، هو ما دونه القديس بولس إجمالاً فى رسالته إلى مؤمنى رومية، وفيه يصف فساد العبادة والأخلاق (رو١: ١٨-٣٢) ... أما تفسير كلام الرسول المجمل، فيمكن تبيانه بالنظر إلى النقاط التالية:

(أ) الفساد المتصل بالعبادة[^39]:

لم يقف الأمر بين الوثنيين عند حد عبادة الأصنام، وابدال مجد الله الذى لا ‹ص ٤٧› يفنى بشبه صورة الإنسان الذى يفنى والطيور والدواب والزحافات (رو١: ٢٣)، بل تعداه إلى شرور أخرى ... لقد شاع بين بعض الشعوب القديمة طقس تقديم الذبائح الآدمية إرضاء للآلهة ... فكان الصوريون والقرطاجنيون يلقون بأطفالهم فى النار كتقدمة للإله مولك Moloch٤٠. وفى غاليا (بفرنسا) كان الكهنة يذبحون الضحايا الآدمية ... وما لبثوا أن استبشعوا هذه الوحشية، وأبطلها مجلس الشيوخ الرومانى بقرار أصدره سنة ٩٥ ق.م. لكن بلينى الأكبر فى القرن الأول الميلادى، يرون لنا أن أمثال هذه الضحايا البشرية، كانت ماتزال تقدم فى أيامه!!

وليس هذا فحسب، بل أن طقوس الديانة الوثنية إمتزجت بالدعارة. بل أن العهارة كانت جزء من الخدمة الدينية عند البابليين وبعض الشعوب السامية وغيرها!! وكانت هذه الرذيلة جزء من عبادة أفروديت Aphrodite آلهة الجمال عند الأغريق فى معبدها فى كورنثوس. كما اتسمت أعياد بعض الآلهة بالاحتفالات التهتكية التى يندى لها الجبين ولا يليق وصفها ... ومن هنا نفهم سبب الإشارة إلى التهتك والدعارة وأنواع الشذود الجنسى التى ذكرها بولس الرسول فى أول رسالته إلى كنيسة رومية — تلك الرسالة التى أنفذها من كورنثوس، والشر ماثل أمام عينيه!!

والرومان — على الرغم من تقديرهم المبكر للحشمة واللياقة — أباحوا طقوساً مخالفة لذلك. وقصص الأساطير التى إستخدمت لإثارة الميول الدنيئة، مثلت فى صور وتماثيل، وزادت من شدة تيار الفساد، الذى حطم حواجز العفة ... ولا عجب، فقد كانت الآلهة الوثنية فى الشعوب الراقية، بشراً ولها أجسام وحواس ... يولدون لكن لا يموتون، يأكلون ويشربون، ينامون ويستيقظون ويسافرون ويخوضون غمار المعارك ... يتزوجون ويتناسلون، وحياتهم مملوءة غيرة ومشاجرات وحسداً وغضباً وكراهية وشهوة.

‹ص ٤٨›

(ب) وأد الأطفال[^41]:

يرجع الفضل فى الإحساس الحالى بالكيان الإنسانى، وحرمة الحياة الإنسانية إلى المسيحية ... فمن الأمور التى كان القانون القديم يقرها حق الوالدين فى إبادة أطفالهم، الذين يطن أنهم غير صالحين للتربية ... فى بلاد اليونان كان مثل هؤلاء الأطفال، أما يقتلون للفقر، أو يتركون حتى يهلكون جوعاً ...

ومما يثير الدهشة أن مفكرى الاغريق وفلاسفتهم لم يكونوا — فى هذا الأمر — أفضل من سائر الناس ... فلقد أقر أرسطو عادة تعريض الأطفال للموت، إذا أريد منع إزدياد عدد السكان. وكان يوصى بالإجهاض كشىء بديل، إذا وجدت أية موانع. وأفلاطون فى جمهوريته اعتقد أن الأطفال المولودين من آباء أشرار، والأطفال غير الشرعيين، وأطفال الوالدين المسنين، يجب إبادتهم بتركهم عرايا، إذ لا يجب أن يثقل على الدولة بهم ... أما الرومان فكان لديهم قانون يمنع وأد الأطفال، لكنه لم يكن نافذاً. ويروى لنا المؤرخ الوثنى سوتونيوس Suetonius فى القرن الأول الميلادى، كيف عُرّض للموت أطفال كثيرون مولودون حديثاً، بقصد تكريم جرمانيكوس Germanicus. أما الإجهاض الذى أباحه أرسطو وأفلاطون للأغريق، فقد كان شيئاً مألوفاً لدى الرومان، تخلصاً من مخاض الولادة، وتعب تنشئة الأطفال..!!

(جـ) مكانة المرأة[^42]:

ربما لا يوجد تناقض صارخ أكثر من وضع المرأة فى الوثنية ومكانتها فى المسيحية ... كان وضعها فى الوثنية محتقراً .. كانت خادمة الرجل، وليست ‹ص ٤٩› نظيره وشريكة حياته .. لم يفهم العالم القديم طبيعة الزواج الروحية، ونظر إلى المرأة على أنها للمتعة الجسدية فقط!!

كانت وجهة النظر التى سيطرت على أفلاطون — فيما يختص بالنساء — أن الهدف الأول من العلاقة الزوجية، هو تكوين مواطنين أقوياء فى البنية، ذوى عقل سليم، حتى أنه جعل مجتمع الزوجات إحدى مميزات الجمهورية المثالية ...

كان للمثقفين فى اليونان صديقات ومحظيات من العاهرات. وفى روما شاع الفساد، حتى قال المعاصرون، أن فضيلة الأنثى لا وجود لها فى روما ... أما الزيجات فكانت لا تستمر طويلاً، نتيجة كثرة حالات الطلاق بصورة مزعجة، حتى أن سينكا Senica فى القرن الأول الميلادى يقول: [أما النساء فلا يحسبن الزمان بعدد القناصل، بل بعدد أزواجهن]!! وفى نفس الوقت إستشرى الفساد الأخلاقى والزنا والدعارة، حتى غدا المجتمع الرومانى المعاصر بالوعة فساد ...

وثمة ظاهرة واضحة ميزت ذلك العصر، وهى إحجام الرجال عن الزواج، لأنهم فضلوا المتعة الطائشة على رابطة الزيجة ... وقد فشلت جهود أوغسطس قيصر للنهوض بالزواج، بإصدار تشريعات قانونية، تقدم بموجبها مساعدات مالية لمَنْ يتزوجون!! وفى حالات الزيجات، كان الأطفال قليلى العدد فقد فضل الوالدون — لأسباب مالية — أن يظلوا بلا أطفال تقريباً ...

وكان المثل الأعلى للفساد فى المجتمع الرومانى، هو الأسرة الإمبراطورية الحاكمة. يكفى ما دونه المؤرخ المعاصر تاكيتوس عن الشرور الخيالية التى كانت تفعلها ميسالينا Messalina زوجة كلوديوس الأول، لنعلم إلى أى درك من الخلاعة والفجور والتهتك والدنس، هبطت سيدة روما الأولى ... وقد كان هذا الفساد منتشراً فى الأقاليم كما فى العاصمة ...

‹ص ٥٠›

(د) الشذوذ الجنسى[^43]:

الشذوذ الجنسى الذى صوّره بولس الرسول فى الأصحاح الأول من رسالته إلى رومية، كان متفشياً بين الاغريق، وانتقل إلى الرومان عن طريقهم. ومن العجيب أنه يندر أن نلتقى بفيلسوف أو مفكر يونانى يندد بهذه الرذيلة، ويدين هذه العلاقة غير الطبيعية ... أما نتيجة هذه الخطية — حسبما لاحظ أفلاطون وبلوتارك — فهى تنفير الرجال من الزواج، وقلة عدد سكان بلاد اليونان، بالإضافة إلى تحطيم الشعب أدبياً.

وفى روما، ترعرعت هذ الخطية، وتلوث بها كثيرون من رجال السياسة والقضاة وقادة الجيش، بل والأباطرة انفسهم (مثل يوليوس قيصر) ... أما معظم الضحايا فكانوا من العبيد .. على أن الأمر لم يكن قاصراً على العبيد، بل كان متفشياً بين الغلمان الأحرار أيضاً ... والقصص التى تروى عن رجل كيوليوس قيصر واستمرائه هذه الرذيلة، تصوّر لنا إلى أى حدٍّ وصل هؤلاء الناس فى مضمار الرذيلة والدنس والإنحلال الأخلاقى.

(هـ) الرق[^44]:

كان الرق أحد دعامات الوثنية الأساسية، وجثم كلعنة على كل الشعوب، يستوى فى ذلك الشعوب المختلفة والمتحضرة كالاغريق والرومان ... كانت أعداد العبيد أضخم من المولودين أحراراً والمعتقين. ويقدر المؤرخ جيبون Gibbon عدد العبيد تحت حكم كلوديوس قيصر بما لا يقل عن نصف إجمالى سكان الإمبراطورية الرومانية — أى نحو ستين مليوناً!!

لقد أيد أعظم فلاسفة العالم القديم نظام الرق، كنظام طبيعى وضرورى. وأعلن أرسطو أن جميع البرابرة (غير المتحضرين) عبيد بالمولد، وأنهم ‹ص ٥١› لا يصلحون لشىء سوى الطاعة. وفى القانون الرومانى، ليس للعبيد كيان فى الحكومة، ولا اسم، ولا لقب، ولا سجلات ... ليس لهم حق الزواج، ولا حماية لهم ممَنْ يريد أن يرتكب معهم الفحشاء ... كانوا — كما يصفهم أحد الكتّاب [فى حالة أسوأ بكثير من الماشية] ...

لقد طرد كاتو Cato — عضو الشيوخ الرومانى الشهير — عبيده من البيت والوطن بعد أن طعنوا فى السن. وهدريان الذى يعتبر من أكثر الأباطرة الرومان عدلاً، قلع عن عمد عين أحد عبيده بقلمه!! كانوا ينظرون للعبد أنه بلا ضمير ... لذا إن دعى للشهادة فى أى أمر، كان لابد وأن يعذب مقدماً حتى ما يستنطقوه الحق .. قد تؤخذ منه زوجته لتصبح محظية سيده، أو لتصير عاهرة، دون أن يكون له حق الاعتراض!!!

أما الإماء، فكان الموت شراً أهون من العار الذى لصق بهن دائماً ... كان الرق يغذى العهارة والفسق فى كل صورهما .. كان للسيد الحرية المطلقة فى أن يبيع أَمَتَه وبناتها الصغار اللائى أنجبتهن منه إلاَّ إذا تفضل ورأى الإبقاء عليهن. وكان القانون لا يحمى الأمة من الدنس. لم يكن لها حرية الإختيار فى الدنس بالنسبة لسيدها، بل كان يمكنه أن يُعيرها — لنفس الغرض الشرير لمَنْ يشاء ... كانت المرأة الحرة هى وحدها التى يكفل القانون حماية شرفها، لأن القانون لم يكن يحمى سوى الأحرار ... أما العبيد فلم يكونوا فى نظر الرومان، سوى جسد فقط٤٥!!

(و) الرفاهية والإسراف والترفيه[^46]:

تميز هذا العصر بترفه وإسراف الموسرين والأشراف والتدبير لحياة الجسد. وحرصت الطبقات الراقية على إقتناء الحلى والمجوهرات والتحف الفنية، وإقامة ‹ص ٥٢› البيوت الفخمة، والتفنن فى كل ضروب البذخ .. كما تميز أعضاؤها بالشراهة فى تناول الأطعمة ... ويروى لنا شيشرون وصف مقابلته مع يوليوس قيصر فى منزله الريفى وكيف أنه تعاطى مقيئاً قبيل موعد الطعام، حتى ما يكون أكثر قابلية لتناول أكبر قدر من الأطعمة!! لم تكن هذه حادثة فريدة، بل كانت عادة يتبعها المترفون من الرومان ... وكانت موائد العشاء تمتد إلى ساعة متأخرة من الليل — وكانت تمتزج بالسكر والعهارة.

وإلى جانب نواحى البذخ المختلفة، قامت وسائل الترفيه .. وكانت وسائل الترفيه شيئاً أساسياً فى حياة الرومان، وتقف جنباً إلى جنب مع الخبز الضرورى لقيام الحياة ... وكان السيرك فى عهد يوليوس قيصر به مقاعد تتسع لمائة وخمسين ألفاً، أضاف إليها تيطس مقاعد لمائة ألف أخرى ... ومن المناظر التى ألفها الرومان وكانت تلذ لهم، المصارعات الدموية سواء بين البشر أو بينهم وبين الوحوش المفترسة. كانت مثل هذه المصارعات الدموية أكبر دليل على مدى الإحساس الأدبى لدى مجتمع ذلك العصر، الذى كان يقبل على هذه الألعاب بسرور متزايد ... ونحن نعجب كيف كان ممكناً لرجال ونساء أن يستمتعوا بمناظر الألم والموت، تلك التى مجرد ذكرها يثير فى النفس نوازع الفزع ...!!

الامبراطورية الرومانية٤٧

كانت ميزة للمسيحية المبكرة أنها ظهرت فى وقت كانت فيه بلاد اليهودية خاضعة للإمبراطورية الرومانية القوية المنظمة، التى كانت تعتبر بصفة عامة إمبراطورية عادلة ... ولا يمكن التكهن بمستقبل المسيحية فى فلسطين، لو كانت السلطات اليهودية تتمتع وقتئذ بحرية التصرف المطلق ... فالسلطات الرومانية هى التى مكنت بولس الرسول من السفر آمناً فى البر والبحار، ليبشر بالإيمان الجديد فى ‹ص ٥٣› بلاد سوريا وآسيا الصغرى وعبر البحار فى اليونان وإيطاليا وأسبانيا ... لذا من الأفضل أن نلقى ضوءاً سريعاً على هذه الامبراطورية فى القرن الأول الميلادى، فذلك يعيننا على فهم الكثير من مسئوليات وتصرفات السلطات الرومانية التى نقرأ عنها فى الأناجيل وسفر أعمال الرسل ...

إمتدادها:

كانت الإمبراطورية الرومانية تمتد إمتداداً واسعاً وتضم ممتلكات فى قارات العالم القديم الثلاث المعروفة وقتذاك. كانت تضم داخل حدودها، ما يُعرف الآن باسم هولندا وبلجيكا وفرنسا وأسبانيا والبرتغال وسويسرا وجنوبى النمسا وإيطاليا، وكل شبه جزيرة البلقان، وآسيا الصغرى وسوريا وفلسطين ومصر وليبيا وتونس والجزائر والمغرب، والنصف الجنوبى من الجزيرة البريطانية. وكان البحر المتوسط يعتبر بحيرة رومانية.

ولاياتها:

باستثناء بعض الحالات الخاصة، فعلى الرغم من إتساع ممتلكات الامبراطورية، فإنها كانت تتكون من ولايات يحكمها ولاة فرضتهم السلطة المركزية فى العاصمة روما، ويخضعون للقانون الرومانى وأنظمة الضرائب الرومانية. كان من الطبيعى — والحال هذه — أن ينضوى تحت لواء الامبراطورية مجموعات ضخمة من السكان فى بقاع شاسعة، يختلفون فى طبائعهم ودياناتهم، ولا تتساوى حضارتهم وثقافتهم ...

كان نصف الامبراطورية الشرقى يقوم أساساً من اليونانيين، أو من الشرقيين الذين تأثروا بالحضارة الهيلينية، وتأقلموا معها ... وكان كثير من بلاد هذا الشرق لا يقل حضارة وعلماً عن روما، بل كان البعض — مثل الاسكندرية وأثينا — يفوقها فى هذا الشأن ... وبالإضافة إلى الاسكندرية ‹ص ٥٤› وأثينا، وجدت فى الشرق مراكز ثقافية هامة أخرى مثل أنطاكية وطرسوس وأزمير. أما فى الغرب فلم يوجد سوى مرسيليا ... كانت الحضارة الأغريقية هى المسيطرة، ولم تجد اللاتينية طريقها إلى الشرق. كان الرومان يحكمون هذا الشرق عسكرياً فقط، لكن لم يكن ممكناً أن يتحول سكانه إلى رومان. أما فى الغرب فقد إختلف الموقف، لأن الرومان تعاملوا مع شعوب أقل منهم حضارة وثقافة، فاستطاعوا أن يفرضوا عليهم لغتهم وحضارتهم، ويصبغوهم بالصبغة الرومانية.

حكومة الولايات:

كانت الولايات — سواء شرقية أو غربية — تلتزم ببعض المبادىء العامة من القانون والنظام الرومانى، لكنها لم تكن جميعها خاضعة لنظام موحد ... فقد وجدت الحكومة الرومانية أن من الحكمة فى بعض الحالات أن تترك شعباً وتقاليده وأنظمته وعبادته، طالما لا تتعارض هذه مع مصالح الدولة ... وكان يحدث دائماً عند بداية ضم ولاية جديدة إلى الامبراطورية، أن تحضر بعثة مؤلفة من عشرة أعضاء من مجلس الشيوخ الرومانى، للاستفسار ودراسة كل الظروف وأحوال هذه الولاية ... وبعد الدراسة اللازمة للنظم القائمة القانونية والمالية والإدارة المدنية، ومواردها وسكانها، كانت توضع خطة أو دستور للولاية تحدد صورة حكومتها المقبلة، بما يتلاءم مع النظام الرومانى الامبراطورى، ويحدد قدرتها وطريقة إسهامها فى ميزانية الامبراطورية.

كان المتبع أن أراضى البلاد المهزومة تصبح ملكاً للمنتصر. لكنها أبقيت فى أيدى أصحابها مقابل جزية يدفعها الأهالى إما مالاً أو منتجات. أما المناجم فكانت تنتقل ملكيتها للامبراطورية ... وإلى جانب ضريبة الأرض، دفعت الشعوب المقهورة «جزية الأفراد» ... وكان تكييف هذه الأنواع المختلفة من الضرائب يتطلب إحصاء منظماً. فإذا قرأنا فى إنجيل لوقا أنه فى وقت ميلاد السيد المسيح «صدر أمر من أوغسطس قيصر بأن تكتتب كل المسكونة» (لو٢: ١) نفهم أن هذا الإجراء كان من أجل الضرائب ...

‹ص ٥٥›

السلام الرومانى Pax Romana:

كانت الامبراطورية الرومانية فى القرن الأول الميلادى فى حالة سلمية مستقرة بصفة عامة ... كانت الطرق مأمونة، والبحار خالية تقريباً من القراصنة. وكان السفر عبر الامبراطورية أمراً ميسوراً، نتيجة للطرق الممتازة التى شقها الرومان عبر الامبراطورية، التى كانت تمتد ممهدة من مركز إلى آخر. واستطاعت الحكومة — عبر خطوط المواصلات هذه — أن تمد إشرافها الدقيق على الولايات الخاضعة لها، وترسل عند الضرورة إمدادات حربية لقواتها المرابطة ... هذه الطرق، وهذا السلام إستفاد منه الرسل والمبشرون فى تنقلاتهم ورحلاتهم التبشيرية عبر الامبراطورية.

حقوق المواطنة الرومانية:

حقوق المواطنة الرومانية٤٨، أو كما يسمونها «الرعوية الرومانية»، كان لا يتمتع بها سوى الأحرار. وبموجبها كان حاملها يتمتع ببعض الامتيازات وفى مقدمتها حماية القوانين له، وعدم الضبط بالقيود أو السجن بدون محاكمة رسمية (أع٢٢: ٢٩)، وعدم الجلد (أع١٦: ٣٧)، وحق المثول والتقاضى أمام محكمة قيصر بروما (أع٢٥: ١١) ... وكانت هذه الرعوية الرومانية، يحصل عليها إما بالشراء (أع٢٢: ٢٨)، أو بالخدمة العسكرية، أو بموجب منحة من الدولة. وكان هذا الامتياز الذى يتمتع به شخص ينتقل إلى أولاده أيضاً كما فى حالة القديس بولس الرسول (أع٢٢: ٢٨).

‹ص ٥٦›

أيام الانتظار ومولد الكنيسة

١ - بين القيامة والصعود:

أهم ما يميز مدة الأربعين يوماً بين قيامة السيد المسيح وصعوده، ظهوراته لتلاميذ ... ولقد كان لتلك الظهورات آثار هامة:

لقد أكدت لهم حقيقة قيامته من بين الأموات بما لا يدع مجال لأى شك (أع١: ٣)، ورفعت من معنويات الرسل، وملأت قلوبهم فرحاً وعزاء (يو٢٠: ٢٠) ... كما أن تلك الفترة كانت بمثابة فترة تمهيدية لأعمال الخدمة والكرازة فى المستقبل القريب، لقن فيها السيد المسيح تلاميذه كثيراً من المعلومات التى ما كانوا يحتملونها قبل ذلك (يو١٦: ٢٥؛ أع١: ٣) ... ويؤكد ذلك أن تلك اللقاءات لم تكن مجرد ظهورات خاطفة، بل إمتدت واستطالت. ومن أمثلتها الرحلة التى صحب الرب فيها تلميذى عمواس بعد ظهر يوم أحد القيامة، وقطع المسافة من أورشليم إلى عمواس، وهى ستون غلوة أى نحو سبعة أميال، وتستغرق أكثر من ساعتين مشياً على الأقدام. وخلال هذه الرحلة «إبتدأ من موسى، ومن جميع الأنبياء، يفسر لهما الأمور المختصة به فى جميع الكتب» (لو٢٤: ١٣-٢٧) ... وأيضاً الظهور الثالث الذى أظهر فيه ذاته لتلاميذه عند بحر طبرية، ومكث فيه معهم من الصباح حتى ما بعد الغذاء (يو٢١: ٤-١٥).

٢ - بين الصعود ويوم الخمسين:

بعد أن إرتفع السيد المسيح عن تلاميذه عند جبل الزيتون، وصعد إلى السماء، رجعوا إلى أورشليم بفرح عظيم (لو٢٤: ٥٢) ... وكان فرحهم لأنه صعد إلى الآب (يو١٤: ٢٨)، ولأنه سيأتى ثانية (أع١: ١١) ... وفى أورشليم اجتمعوا ‹ص ٥٧› فى العلية التى كانت فى بيت أم مار مرقس الكاروز .. وهناك كانوا يواظبون بنفس واحدة على الصلاة والطلبة مع نساء مؤمنات، فى مقدمتهن مريم العذراء ...

لقد أوصاهم الرب أن يذهبوا إلى العالم أجمع، ويكرزوا بالإنجيل للخليقة كلها، لكنه فى نفس الوقت أمرهم بالبقاء فى أورشليم، إنتظاراً لموعد الآب (الروح القدس) ... بل لقد حذرهم من مبارحتها قبل أن يلبسوا قوة من الأعالى (لو٢٤: ٤٩؛ أع١: ٤) ...

وفى هذه الفترة، كان لابد أن يختاروا تلميذاً خلفاً ليهوذا الخائن ... واشترطوا أن يكون أحد الذين اجتمعوا معهم كل الزمان منذ معمودية يوحنا إلى ذلك الوقت، حتى يشهد معهم بقيامة الرب المجيدة، التى ستصبح حجر الأساس فى العمل الكرازى الجديد كما سنرى ... فصلوا وطلبوا إلى الرب أن يظهر إختياره لأحد اثنين: يسطس أو متياس ... ثم ألقوا قرعة٤٩ فوقعت على متياس (أع١: ١٥-٢٦)، فصار واحداً من الاثنى عشر

٣ - يوم الخمسين:

فى اليوم الخمسين لقيامة السيد المسيح، وفى الساعة الثالثة بالتوقيت العبرى (التاسعة صباحاً بتوقيتنا)، أثناء إحتفالات اليهود فى أورشليم بأحد أعيادهم الكبرى — وهو عيد الخمسين — حل الروح القدس على الرسل والتلاميذ — جميع الموجودين بالعلية — بينما كانوا مجتمعين بها بنفس واحدة، إذ صار بغتة من السماء صوت كما من هبوب ريح عاصفة، وملأ كل البيت حيث كانوا جالسين ... وظهرت لهم ألسنة منقسمة كأنها من نار واستقرت على كل واحد منهم، وامتلأ الجميع من الروح القدس (أع٢: ١-٤).

‹ص ٥٨› لقد إختار الرب هذه المناسبة عند اليهود موعداً لمولد كنيسته، حيث تتم رموز وإشارات ... لذا يحسن أن نقف قليلاً لنعرف شيئاً عن هذا العيد عند اليهود ...

كان لهذا العيد اليهودى ثلاث تسميات: عيد الحصاد (خر٢٣: ١٦)، وعيد أوائل الثمار (عد٢٨: ٢٦)، وعيد الأسابيع (تث١٦: ٩، ١٠؛ لا٢٣: ١٥). وأطلق عليه عيد الخمسين لأنه يقع فى اليوم الخمسين بعد الفصح اليهودى ... كان هذا العيد من حيث تسميته بعيد الأسابيع، يبدأ مباشرة بعد عيد الفصح، بتقديم أول حزمة من حصاد الشعير، وينتهى فى عيد الخمسين بتقديم أول رغيفين من حصاد القمح. وكان يُحتفل بعيد الخمسين يوماً واحداً. وهو من أعياد اليهود الثلاثة الكبرى السنوية٥٠، التى كان على جميع ذكور بنى إسرائيل أن يظهروا فيها أمام الرب إلههم (تث١٦).

كان هذا العيد عن اليهود عيد فرح وبهجة. وكان يقع فى ألطف فصول السنة. ولذا كان يجذب أعداداً ضخمة من اليهود الزائرين من البلاد والأقاليم الأخرى إلى أورشليم. ويصف يوسيفوس المؤرخ اليهودى هذا العيد ويتكلم عن عشرات الآلاف الذين كانوا يجتمعون حول الهيكل فى هذه المناسبة٥١ ... وكان عدد كبير من اليهود الوافدين من بلاد بعيدة إلى أورشليم لحضور عيد الفصح، يبقون فيها حتى يحضروا هذا العيد أيضاً.

كان عيد الخمسين إذن — بحسب ما جاء فى الكتب المقدسة — هو عيد الحصاد أو عيد أوائل الثمار أو عيد الأسابيع ... لكنه كان أيضاً — طبقاً لتقليد الربيين فى التلمود — هو عيد الاحتفال السنوى بتذكار تسلم الشريعة فى ‹ص ٥٩› سيناء ... فقد قيل أن موسى استلم الشريعة فوق جبل سيناء، فى اليوم الخمسين لخروج بنى إسرائيل من مصر. ومن هنا جاءت تسميته بالعبرية «عيد البهجة بالناموس». كانت هناك عادة يهودية قديمة حرص اليهود عليها فى العصر الرسولى ... كانوا يقضون الليلة السابقة لعيد الخمسين فى تقديم الشكر لله من أجل عطية الناموس٥٢ ...

٤ - العيد التأسيسى للكنيسة:

لا شك أن الله الذى يتمم كل أموره بحكمة، إختار مناسبة هذا العيد اليهودى ليجعل منه عيداً لمولد الكنيسة، فأرسل روحه القدوس بقوة على رسله وتلاميذه، وأسس كنيسته على الأرض ... كانت فرصة هذا العيد اليهودى أكثر ملاءمة لتأسيس الكنيسة المسيحية من عدة وجوه، بالنظر للمدلولات اليهودية للعيد ...

لقد كانوا يحتفلون به كعيد لحصاد المزروعات، فأضحى عيداً لحصاد الزرع الجيد الذى هو بنو الملكوت (مت١٣: ٣٨) ... وكانوا يحتفلون به كعيد لأوائل الثمار الزراعية، فغدا فى المسيحية عيداً لأوائل الثمار الخلاصية، حين إنضم إلى الكنيسة فى ذلك اليوم ثلاثة آلاف نفس٥٣ .. هذا بالإضافة إلى ثمار الروح القدس التى تكلم عنها الرسول (غل٥: ٢٢) ... ثم أنهم كانوا يحتفلون به كتذكار لإعطائهم الشريعة المكتوبة على لوحين من حجر، فأصبح عيداً للروح القدس، ‹ص ٦٠› روح الحياة، الذى كتبت به وصايا الله٥٤ — لا فى ألواح حجرية، كما حدث فى القديم، بل فى ألواح قلب لحمية (٢كو٣: ٣).

وثمة نظرية أخرى ... فالعدد خمسين يشير إلى العفو والصفح ... ففى العهد القديم، كانت تقدس السنة الخمسون، ويعفى المدينون من ديونهم، ويحرر العبيد «وتقدسون السنة الخمسين، وتنادون بالعتق فى الأرض لجميع سكانها. تكون لكم يوبيلاً، وترجعون كل إلى ملكه، وتعودون كل إلى عشيرته» (لا٢٥: ١٠) كانت هذه السنة تبدأ بيوم الكفارة، حين يضربون بالبوق إيذاناً ببدء سنة اليوبيل ... فالعدد ٥٠ إذن كان ينطر إليه كرمز للعفو عن الديون ...

يقول فيلو الفيلسوف اليهودى عن عيد الخمسين [اليوم الخمسين بعد نهاية سبعة أسابيع، العدد المقدس للعفو والصفح] ... وكليمنضس الاسكندرى يرى فى العدد خمسين الصفح عن الخطايا، ويضرب كمثل أبعاد فلك نوح، فقد كان عرضه خمسين ذراعاً. ويقول كليمنضس أنه إستقى هذا الرأى من تقليد قديم٥٥ ... والعلامة أوريجينوس — فى مقالاته على سفر التكوين — يفسر أبعاد الفلك بطريقة رمزية فيقول: [عرض الفلك خمسون، وهو العدد الذى يدل على الغفران والصفح، وحسب الناموس، كان هناك زمان للمسامحة فى الديون كل خمسين سنة]٥٦. ويقول فى تفسيره لإنجيل متى٥٧ [العدد خمسون يتضمن الغفران بناء على سر اليوبيل الذى كان يقع كل خمسين سنة. أو العيد الذى يقع فى يوم ‹ص ٦١› الخمسين]٥٨.

ثم أن عيد الخمسين اليهودى، كان أكثر ملاءمة لتأسيس الكنيسة، من جهة الجماهير التى كانت تحضره. فقائمة الشعوب التى أوردها القديس لوقا فى (أع٢: ٨-١١)، كانت على وجه التقريب تشمل أنحاء الامبراطورية الرومانية التى كانت بدورها تضم معظم العالم القديم المعروف وقتذاك ... والغرباء الذين ذكرهم لوقا كشهود للحادث الكبير، كانوا تقريباً يمثلون كل الأقاليم التى غرست فيها المسيحية فيما بعد بواسطة كرازة الرسل ... ومما لا شك فيه أن أولئك الذين آمنوا فى يوم الخمسين، حملوا إيمانهم الجديد إلى إخوتهم، قبل أن يصل إليهم الرسل فى كرازتهم. وهذا يوضح لنا وجود مسيحيين فى دمشق قبل إيمان بولس (أع٩: ٢)، ووجود عدد كبير من المؤمنين فى روما، قبل أن يكتب لها بولس رسالته بوقت كبير (رو١: ٨).

كان إعطاء الشريعة فى سيناء مصحوباً برعود وبروق وسحاب ثقيل على الجبل، وصوت بوق شديد جداً، إرتعد منه كل الشعب الذى كان فى المحلة٥٩ ... لذا لا نعجب إن جاءت كنيسة العهد الجديد إلى الوجود أيضاً بعلامات عجيبة ملأت المشاهدين دهشة وحيرة (أع٢: ٦، ٧).

لقد صاحب حلول الروح القدس على الرسل والتلاميذ مظاهر ثلاثة: صوت كما من هبوب ريح عاصفة، وظهور ألسنة منقسمة كأنها من نار استقرت على كل واحد منهم٦٠، والتكلم بألسنة أخرى ... والريح فى كتاب العهد القديم نراها رمزاً للقوة الروحية الخلاقة٦١، ورمزاً للعمل غير المنظور (يو٣: ٨)، والحرية السامية التى للروح القدس «حيث روح الرب هناك ‹ص ٦٢› حرية» (٢كو٣: ١٧) ... والنار كانت معروفة لدى بنى إسرائيل. فقد حل الله على جبل سيناء بالنار (خر١٩: ١٨)، وهى تكتنف مجد الله (حزقيال ١: ٤). وهى تشير إلى عمل التطهير الذى للروح القدس (إش٦: ٦، ٧) ... والتكلم بألسنة٦٢ هو تصويب لما حدث قديماً عند برج بابل حينما بلبل الرب لسان هؤلاء الأشرار (تك١١: ١-٩). يقول أحد الآباء: [إن الكنيسة فى تواضعها، تعيد وحدة اللغة التى كسرتها قبلاً الكبرياء]٦٣ ومهما يكن من أمر، فإن حلول الروح القدس على التلاميذ فى ذلك اليوم وصيرورتهم هيكل لله ومسكن لروحه، لهو أكبر معجزة فى حياة البشر الداخلية، لأنهم به نالوا طبيعة جديدة عوضاً عن الطبيعة القديمة التى أفسدتها الخطية والإثم.

٥ - عظة بطرس:

وعظة بطرس التى ألقاها فى يوم الخمسين (أع٢: ١٤-٣٦)، هى عظة بسيطة، لكن روح الله الذى كان يصحب كلماتها، نخس قلوب السامعين ... فلما سألوا الرسل عما ينبغى أن يعملوه، أجابوهم: «توبوا وليعتمد كل واحد منكم على اسم يسوع المسيح لغفران الخطايا، فتقبلوا عطية الروح القدس» ... وهكذا إنضم إلى الكنيسة فى ذلك اليوم ثلاثة آلاف نفس ...

أما عن موضوع العظة، فباستثناء الربط الذى ربط به القديس بطرس أحداث تلك الساعة بنبوءة يوئيل النبى، نجد أن هدف العظة الكبير، هو إثبات أن يسوع الناصرى الذى قتله اليهود ظلماً وقام من الأموات، هو عينه المسيا الذى تنبأ عنه داود، وجاء من نسله حسب الجسد. لكن التركيز الأكبر فى العظة كان على قيامة الرب يسوع من بين الأموات (أع٢: ٢٤، ٢٧، ٣١، ٣٢).

‹ص ٦٣›

٦ - أثر يوم الخمسين:

«وامتلأ الجميع من الروح القدس» (أع٢: ٤) ... هذه هى الأعجوبة الحقيقية الداخلية، ومحور ما حدث فى يوم الخمسين ... ونلاحظ أن الروح القدس لم يحل على الرسل وحدهم، بل عل كل التلاميذ (كل المؤمنين) المجتمعين فى العلية منتظرين موعد الآب، وكان عددهم مائة وعشرين٦٤ (أع١: ١٥) ... كان ما حدث فى يوم الخمسين هو الوحى العظيم الذى أعانهم فيما بعد ليصبحوا معلمين ملهمين ذوى سلطان للإنجيل، سواء باللسان أو القلم ... وما كان غامضاً صار الآن واضحاً مفهوماً لهم ... لقد كشف لهم الروح القدس عن حقيقة الفادى وعمله على ضوء قيامته المجدية، وملك على عقولهم وقلوبهم ...

  1. ‹ص ١٩› (١) Schaff; Vol 1, pp. 198, 199.
  2. ‹ص ٢١› (٢) Schaff, Vol. 1, pp. 187-189; Carrington, Vol. 1, pp. 13-15.
  3. ‹ص ٢٤› (٣) يعبر القديس بولس عن ذلك بالقول: يهود وأمم، ختان وغرلة، يهود ووثنيين..
  4. ‹ص ٢٥› (٤) «الأمم» لقب أطلقه اليهود على الشعوب الوثنية، على نحو ما أطلق الرومان لقب «برابرة» على غير الرومان، وكما أطلق العرب لقب «أعجمى» على غير العربى.
  5. ‹ص ٢٦› (٥) Schaff, Vol. 1, pp. 63, 64.
  6. ‹ص ٢٦› (٦) عبر عن ذلك القديس يعقوب فى مجمع أورشليم حينما قال «لأن موسى منذ أجيال قديمة، له فى كل مدينة مَنْ يكرز به، إذ يقرأ فى المجامع كل سبت» (أع١٥: ٢١).
  7. ‹ص ٢٦› (٧) خضعت بلاد اليهودية منذ سنة ٣٣٠ ق. م إلى سنة ١٦٧ ق. م للحكم الاغريقى (الاسكندر الأكبر والبطالمة والسلوقيين). ثم قامت ثورات المكابيين (١٦٧ — ١٤١ ق. م) لأجل الاستقلال القومى. ثم أسس المكابيون دولة دينية (١٤١ — ٦٣ ق. م). ومنذ سنة ٦٣ ق. م خضعت للحكم الرومانى بعد أن دخلها القائد بومبى ظافراً.
  8. ‹ص ٢٧› (٨) انظر: أع ١٣: ٤٣، ٥٠؛ ١٦: ١٤؛ ١٧: ٤، ١٧؛ ١٨: ٧.
  9. ‹ص ٢٧› (٩) The book of the Acts of God, pp. 228, 229.
  10. ‹ص ٢٧› (١٠) Schaff, Vol 1, pp. 456-460.
  11. ‹ص ٢٨› (١١) لقد نهج القديس بولس نفس هذا النهج حينما كان يجمع من كنائس الأمم صدقات لفقراء أورشليم المسيحيين.
  12. ‹ص ٢٩› (١٢) مر ٥: ٣٦، ٣٨؛ لو ٨: ٤٩؛ ١٣: ١٤؛ أع ١٨: ٨، ١٧.
  13. ‹ص ٢٩› (١٣) مت ١٠: ١٧؛ لو ١٢: ١١؛ يو ٩: ٣٤؛ أع ٢٢: ١٩.
  14. ‹ص ٣١› (١٤) هى: تث ٦: ٤-٩؛ ١١: ١٣-٢١؛ عد ١٥: ٣٧-٤١.
  15. ‹ص ٣١› (١٥) لو ٤: ١٧-٢٠؛ يو ١٨: ٢٠؛ أع ١٣: ٥، ١٥، ٤٤؛ ١٤: ١؛ ١٧: ٢-٤.
  16. ‹ص ٣١› (١٦) يقابلها التاسعة صباحاً والثانية عشر ظهراً والثالثة بعد الظهر بتوقيتنا الحالى.
  17. ‹ص ٣٢› (١٧) هؤلاء الحسيديون كانوا ضد النفوذ الهيلينى (الأغريقى) الذى أخذ يتسرب وقتذاك إلى اليهودية بواسطة السلطات الاغريقية ومَنْ مال إليهم. ومن ثم فقد إتحد هؤلاء الحسيديون فى بادىء أمرهم مع المكابيين فى ثورتهم، وساندوهم لأنهم رأوا فيها محاولة جريئة للحفاظ على الناموس المقدس (مكابيين الأول ٢: ٤٢-٤٤). وكان المكابيون يؤلفون جماعة سياسية، تتطلع إلى قيام دولة دينية يهودية. لكن ما لبث الحسيديون أن انفصلوا عن المكابيين لكسرهم السبت بالحرب فيه (مكابيين الأول ٢: ٤١)، ولاخذهم رئاسة الكهنوت التى كانت وقفاً على نسل هارون... لكن ما لبث الحسيديون أن اختفوا من مسرح الأحداث، لكن مبادئهم وغيرتهم ظلت غير منسية.. وهكذا مهدوا لظهور جماعة الفريسيين — انظر: Sell, Samaritan and other Jewish Sects, pp. 30-32.
  18. ‹ص ٣٣› (١٨) كلمة sepher بالعبرية معناها كتاب، وهى نفس الكلمة المستخدمة فى العربية «سفر».
  19. ‹ص ٣٣› (١٩) L'Eglise primitive, p. 45.
  20. ‹ص ٣٤› (٢٠) Sell, Samaritan and other jewish sects, pp. 58, 59.
  21. ‹ص ٣٤› (٢١) كانت هناك مخازن ضخمة ملحقة بالهيكل اليهودى لخزن كميات كبيرة من البضائع فضلاً عن الذهب والفضة، لذا كانت تعين لها حراسة قوية، خوفاً من الناهبين. وشخص واحد يدعى مرقس كراسوس Crassus نهب منه ما يوازى اثنى عشر مليوناً من الدولارات ذهباً وفضة. أنظر: Josephus, Antiquities, 14.7; Karl Kautsky, Foundations of Christianity, p. 229.
  22. ‹ص ٣٦› (٢٢) أدخل اليهود بعد عودتهم من السبى بعض عادات وتقاليد غير مدونة فى الناموس المكتوب. ونسب الفريسيون هذا التقليد الشفوى إلى موسى. وقالوا إن موسى فى سيناء أخذ من الله ناموساً شفوياً إلى جانب الناموس المكتوب.
  23. ‹ص ٣٨› (٢٣) Vermes, The Dead sea Scrolls.
  24. ‹ص ٣٨› (٢٤) ويكتب بالنون Sanhedrin أو بالميم Sanhedrim — انظر: Sell, Samaritan and other jewish sects, pp. 83-85.
  25. ‹ص ٣٩› (٢٥) كان رؤساء الكتبة من الفريسيين. ومعنى ذلك أن الفريسيين كانوا ممثلين فى هذا المجلس الأعلى — انظر: L'Eglise Primitive, p.45.
  26. ‹ص ٣٩› (٢٦) Carrington, Vol. 1, p. 14.
  27. ‹ص ٤٠› (٢٧) Hill; pp. 56-59.
  28. ‹ص ٤٠› (٢٨) أصدر مجلس الشيوخ الرومانى فى (سنة ١٣٩ — ١٣٨ ق. م) قرارا بحماية اليهود، أرسل إلى إنحاء الدولة.. انظر: Harnack, The Mission ... p. 2.
  29. ‹ص ٤٠› (٢٩) Smith; Dictionary of the Bible, Vol. 3, pp. 940, 941; Hill, pp. 56-59; L'Eglise Primitive, p. 60.
  30. ‹ص ٤١› (٣٠) كالختان وحفظ السبت وعدم أكل الخنزير وبعض المأكولات، ورفض الأوثان... إلخ.
  31. ‹ص ٤١› (٣١) يغلب علىَّ الظن أن تلك القيود كانت هى نفس القيود التى فرضت فى العهد القديم على الغريب الذى يقيم بين بنى إسرائيل (انظر لاويين ١٧، ١٨).
  32. ‹ص ٤٢› (٣٢) انظر: أع ١٣: ٤٢، ٤٣، ٥٠؛ ١٧: ٤؛ ١٨: ٧.
  33. ‹ص ٤٢› (٣٣) Schaff, Vol. 1. p. 87; Weiss pp. 165-167; De Pressensé, Vol. 1.p. 54; Hill, p. 56; L'Eglise Primitive, p. 56.
  34. ‹ص ٤٣› (٣٤) Schaff, Vol. 1, pp. 72, 73.
  35. ‹ص ٤٤› (٣٥) Latourette; A History of christianity, pp. 26, 27.
  36. ‹ص ٤٤› (٣٦) ذكرهما القديس لوقا فى سفر أعمال الرسل، وتقابل بولس الرسول مع فلاسفتهما فى أثينا (أع١٧: ١٨).
  37. ‹ص ٤٥› (٣٧) توفيق الطويل، قصة النزاع بين الدين والفلسفة ص ٧٢، ٧٣.
  38. ‹ص ٤٥› (٣٨) أشار القديس بولس إلى ذلك فى (١كو١٥: ٣٢).
  39. ‹ص ٤٦› (٣٩) Fisher; Beginnings of christianity, p. 198.
  40. ‹ص ٤٧› (٤٠) انظر: لا١٨: ٢١؛ ٢٠: ٢-٤؛ ١مل١١: ٧؛ ٢مل٢٣: ١٠.
  41. ‹ص ٤٨› (٤١) Fisher; Beginnings of christianity, pp. 206 - 208.
  42. ‹ص ٤٨› (٤٢) Schaff; Dictionary of Biblical, Historical ... Theology, Vol. 3, p. 2548; Fisher; Beginnings of christianity, pp. 199 - 202.
  43. ‹ص ٥٠› (٤٣) Fisher, The Beginnings of christianity pp. 205, 206.
  44. ‹ص ٥٠› (٤٤) Schaff, Vol, 1, pp. 445, 446.
  45. ‹ص ٥١› (٤٥) De Pressensé, Vol, 1, p. 425.
  46. ‹ص ٥١› (٤٦) Fisher; The beginnings of christianity; pp. 202-205, 211-220.
  47. ‹ص ٥٢› (٤٧) The History of christianity in Light of Modern Knowledge, pp. 3 - 19.
  48. ‹ص ٥٥› (٤٨) Smith, Dictionary of the Bible, Vol. 1, Part 1. p. 612.
  49. ‹ص ٥٧› (٤٩) هذه هى المرة الوحيدة التى ذكر فيها إستخدام القرعة فى العهد الجديد.
  50. ‹ص ٥٨› (٥٠) الأول عيد الفصح (عيد الفطير)، والثانى عيد الحصاد (الخمسين) حيث يقدمون فيه أبكار غلاتهم التى يزرعونها فى الحقل، والثالث عيد المظال وهو عيد الجمع فى نهاية السنة عندما يجمعون غلاتهم من الحقل.
  51. ‹ص ٥٨› (٥١) Josephus; Antiquities, 14 13.4.
  52. ‹ص ٥٩› (٥٢) مازال اليهود حتى الآن يحرصون على هذه العادة، فيزينون بيوتهم ويتزينون هم أيضاً تعبيراً عن إبتهاجهم بأعطائهم الشريعة — انظر: Schaff, Vol. 1, pp. 225 - 227.
  53. ‹ص ٥٩› (٥٣) يقول القديس يوحنا الذهبى فمه [ما هو عيد الخمسين؟ هو الوقت الذى يعمل فيه المنجل للحصاد. لقد كمل الزمان لأن يوضع منجل الكلمة. لأنه كما أن المنجل حاد، كذلك انحدر الروح القدس. «ارفعوا أعينكم وانظروا الحقول، إنها قد ابيضت للحصاد». وأيضاً «الحصاد كثير والفعلة قليلون». وكأوائل ثمار هذا الحصاد، أخذ هو طبيعتنا وحملها إلى العلا. قدم ذاته أولاً بالمنجل]. انظر: John Chrysostom Homilies on the Acts, Hom. 4
  54. ‹ص ٦٠› (٥٤) فى صلوات السجدة التى ترفعها كنيستنا فى الساعة التاسعة (الثالثة بعد الظهر) يوم عيد الخمسين (العنصرة)، يقول فى مقدمة السجدة الأولى: «فى عيد الخمسين بعد الفصح أعطى الله الشريعة لموسى» ... والنبوة التى تقرأ فى هذه السجدة الأولى تتناول موضوع تسليم الشريعة لبنى إسرائيل. وفى نبوة السجدة الثانية تذكير بحفظ هذه الوصايا ... وفى نبوة السجدة الثالثة يتكلم عن الثلاثة أعياد الكبرى فى إسرائيل وهى الفصح والخمسين والمظال. (انظر كتاب اللقان والسجدة).
  55. ‹ص ٦٠› (٥٥) Stromata, 6.11.
  56. ‹ص ٦٠› (٥٦) Hom. Gen., 11.5.
  57. ‹ص ٦٠› (٥٧) Hom. Matt., 11.3.
  58. ‹ص ٦١› (٥٨) Jean Daniélou, The Bible and the Liturgy, pp. 324 - 326.
  59. ‹ص ٦١› (٥٩) خر١٩: ١٦؛ عب١٢: ١٨، ١٩.
  60. ‹ص ٦١› (٦٠) فى تقاليد اليهود القديمة، أنه ظهرت ألسنة من نار فى أول عيد خمسين احتفلوا به بعد خروجهم من مصر — انظر Smith, Dictionary of the Bible, Vol. 3, p. 1556 (footnote).
  61. ‹ص ٦١› (٦١) انظر: تك١: ٢؛ ١مل١٩: ١١؛ مز١٠٤: ٣، ٤؛ حزقيال ٣٧: ١-١٤.
  62. ‹ص ٦٢› (٦٢) عالجنا موضوع التكلم بألسنة بالتفصيل فى الفصل الخاص بالمواهب الروحية.
  63. ‹ص ٦٢› (٦٣) فى تقاليد اليهود القديمة أن كل كلمة خرجت من فم الله فوق جبل سيناء، كانت تنقسم إلى السبعين لغة التى لبنى البشر فى ذلك الوقت، وأن صدى صوت الله كان يسمعه كل إنسان بلغته — انظر: Smith; Dictionary of the Bible, Vol. 3, p. 1556 (footnote).
  64. ‹ص ٦٣› (٦٤) يقول القديس يوحنا الذهبى فمه [هل حل الروح القدس على الإثنى عشر فقط؟ كلا، بل على المائة وعشرين، وإلاَّ لما استشهد بطرس بما قاله يوئيل النبى (يوئيل ٢: ٢٨، ٢٩) — انظر Homily 4 on the Acts.

From The Christian Church in the Apostolic Age by Anba Youannis, Bishop of Gharbiya (first published in 1971 under his monastic name, Fr Shenouda al-Suriani), third edition, May 1987, printed at the Anba Ruways offset press, Abbasiyya, Cairo.

يُنشر هذا النص بإذن من إيبارشية الغربية.

Published with the permission of the Diocese of Gharbiya.