← Books · Lectures in Church History

الفكرة المجمعية

The idea of a council

الفكرة المجمعية

‹ص ١٠›

المجامع الكنسية

إن رسائل العهد الجديد بما تضمنته، من حث على الفضيلة وتحذير من السقوط فى بعض الخطايا والإنحرافات اللاهوتية والعقيدية والروحية، إنما تظهر يقظة الكنيسة الأولى وحرصها على أن يكون جميع أعضائها مقدسين جسداً وروحاً، سالكين فى وصايا الرب بلا لوم مدققين فى حفظ الإيمان القويم الذى سلم مرة واحدة للقديسين.

والمسيحية كدين جديد صاعد منبثق من اليهودية، آلتقت أول ما التقت باليهودية نفسها. بل كان ينظر إلى المسيحية فى أول أمرها على أنها شيعة يهودية جديدة. وساعد على هذه النظرة حرص اليهود المتنصرين على الإستمرار فى ممارسة عوائدهم اليهودية، لكن سرعان ما حدث الصدام - الذى كان لا مندوحة عنه - بين المسيحية الناشئة واليهودية العتيقة المتأصلة صدام من الخارج ومتاعب من الداخل.

صدام من الخارج فى صورة الإضطهادات التى أعلنتها اليهودية المتعصبة على الجماعات المسيحية الناشئة.

‹ص ١١› ومتاعب من الداخل أثارها اليهود المتنصرون الذين نادوا بضرورة التمسك بالناموس الموسوى والعوائد اليهودية وإلزام الأمم المتنصرون بضرورة مراعاتها وإلا فلا خلاص لهم.

وما لبثت المتاعب أن ظهرت من ناحية الأمميين الوثنيين، بعد أن اتسعت دائرة الإيمان وكثر عدد المؤمنين منهم. أولاً عن طريق الإضطهاد الخارجى الذى أثارته الوثنية ممثلة فى الدولة الرومانية ضد الكنيسة المسيحية. وثانياً عن طريق المحاولات التى قام بها بعض المفكرين والفلاسفة الوثنيين المتنصرين لتفسير المسيحية على ضوء الآراء والفلسفات الوثنية لتقريبها إلى عقول الوثنيين غير المؤمنين، وما نتج عن تلك من إنحرافات فكرية وعقيدية.

كان أمراً طبيعياً إذن أن تواجه الكنيسة المسيحية الناشئة هذه المشاكل الإيمانية العقيدية مجتمعة، وكان لابد أن تجد لها حلاً، وقد أخذت الكنيسة - منذ أول عهدها - بمبدأ حل المشاكل التى تواجهها بواسطة مجامع دينية. وعلى هذا فيمكن القول أن الفكرة المجمعية قد إنبثقت فى الكنيسة الأولى نتيجة إحساسها بالحاجة إليها.

‹ص ١٢›

الفكرة المجمعية

أ - فى اليهودية:

وإذا أردنا تقصى النظام المجمعى المسيحى، فإننا نلمس جذوره فى اليهودية. ومن أمثلته المجامع التى عقدها كهنة اليهود ورؤساؤهم على السيد المسيح (أنظر مت٢٦: ٣، ٤؛ مر١٥: ١). ومن أمثلتها أيضاً المجامع اليهودية التى إنعقدت لتحاكم التلاميذ لكرازتهم بالإيمان المسيحى (أنظر أع٥: ٢١). وجدير بالذكر أن الرب يسوع فى قوله الوارد فى (مت١٨: ١٥- ١٧) "إن أخطأ إليك أخوك فاذهب وعاتبه بينك وبينه وحدكما، إن سمع منك فقد ربحت أخاك. وإن لم يسمع فخذ معك أيضاً واحداً أو إثنين.. وإن لم يسمع فقل للكنيسة. وإن لم يسمع من الكنيسة فليكن عندك كالوثنى والعشار" يستعمل عبارة "كنيسة" ويتحدث عنها كهيئة قضائية - كالمجمع اليهودى لها السلطة - بعد مناقشات - أن تصدر قرارات وتمارس نظاماً معيناً...

‹ص ١٣›

ب - فى كنيسة الرسل:

ولعل أول مجمع عقدته الكنيسة المسيحية هو مجمع أورشليم الذى يحدثنا عنه كاتب سفر الأعمال فى الإصحاح الخامس عشر. والذى التأم للنظر فى أمر الداخلين من الأمم إلى الإيمان المسيحى، وما إذا كان لابد لهم أن يتهودوا أولاً. وإلى أى حد يجب أن يلتزموا بالناموس الموسوى. أنعقد هذا المجمع سنة ٥٠م. وحضره بطرس وبولس ويوحنا وبرنابا وتيطس - وربما غيرهم من الرسل ممن لم يذكرهم كاتب سفر الأعمال. لكن إلى جانب هؤلاء الرسل كان بعض القسوس والأخوة العلمانيين (أنظر أع١٥: ٦، ٢٢، ٢٣) وقد رأس المجمع القديس يعقوب أسقف أورشليم بأعتباره أسقف المكان، وكان حله المؤقت الذى أرتأه هو الذى وافق عليه المجمع. والظاهرة الواضحة فى هذا المجمع أن روح الله كان يعمل به وفيه ولذا لا نعجب إذا رأينا - على الرغم من دقة الموضوع الذى كان يناقش - وحدانية القلب والروح والفكر.

وسنرى كيف أن المجامع الكنسية كانت وسيلة هامة لتدعيم وتقوية الوحدة المسيحية والكنسية وإقرار كل ما يتعلق بالإيمان والنظام. وهى -ولاشك- تحتل صفحة بارزة فى تاريخ الكنيسة ‹ص ١٤› المسيحية.

ج - ما بعد العصر الرسولى:

لا يقدم لنا التاريخ الكنسى دليلاً أكيداً على أى أثر لإنعقاد مجامع من نوع مجمع أورشليم قبل منتصف القرن الثانى الميلادى، حينما انعقدت مجامع فى أسيا الصغرى للنظر فى بدعة المونتانيين Montanists وهم أتباع منتانوس Montanus الذى زعم أنه هو البارقليط الموعود به من السيد المسيح.

وعقدت عدة مجامع فى أفسس فى أواخر القرن الثانى برياسة بوليكراتس Polycrates وفى فلسطين وبلاد ما بين النهرين Mesopotamia وفى بلاد البنطس وغالباً برياسة القديس ايريناوس Iranaous بخصوص موضوع عيد الفصح. وأول ذكر لأمثال هذه المجامع ورد فى رسالة من فرميليانوس أسقف قيصرية كبادوكية إلى القديس كبريانوس فى أوائل القرن الثالث. كما أشار إليها العلامة ترتليانوس فى بعض كتاباته كنوع من التنظيم الكنسى فى زمانه. ويشير إلى أن هذه العادات التى كانت متبعة فى الأقاليم الشرقية بدأت تسترعى أنظار اللاتين فى الأقاليم الغربية. على أن أول المجامع الغربية اللاتينية عقدت فى مطلع القرن الثالث ‹ص ١٥› الميلادى فى شمال أفريقيا برياسة كبريانوس. ومن الرسالة التى أرسلها فرميليانوس والتى أشرنا إليها آنفاً نتبين أن المجامع كانت تجتمع بأنتظام مرتين فى كل عام فى آسيا الصغرى فى أوائل القرن الثالث الميلادى كنظام كنسى ثابت.

‹ص ١٦›

عضوية المجامع

من له الحق فى عضوية المجمع، والحق فى التصويت بالنسبة لقراراته:

يرى البعض فى عضوية المجمع المسيحى الأول "مجمع أورشليم" وفئات المؤمنين الذين اشتركوا فيه وبالصورة التى إجتمع بها دليلاً واضحاً على أن من حق المؤمنين العلمانيين أن يسهموا فى إدارة الشئون الكنسية مع الإكليروس ويستندون فى ذلك إلى ما قاله كاتب سفر الأعمال فى معرض حديثه عن هذا المجمع "فأجتمع الرسل والقسوس لينظروا فى هذا الأمر". وبعد كلمتى بطرس ويعقوب الذى رأس هذا المجمع يقول القديس لوقا "حينئذ رأى الرسل والقسوس مع كل الكنيسة.." وحينما أقروا قرارت المجمع كتبوا بأيديهم هكذا "الرسل والقسوس والأخوة يهدون سلاماً إلى الأخوة الذين من الأمم فى أنطاكية وسوريا وكيليكية..." (أنظر أع١٥: ٦، ٢٢، ٢٣).

وفى المجمع الذى ألتأم سنة ٢٥٦ فى عهد القديس كبريانوس ‹ص ١٧› أسقف قرطاجنة لمناقشة موضوع إعادة معمودية الهراطقة كان حاضراً ٨٧ أسقفاً بالإضافة إلى عديد من الكهنة والشمامسة وجمهرة من عامة الشعب. وجدير بالذكر أن الأساقفة فى هذا المجمع هم الذين كان لهم وحدهم دون سواهم حق التصويت. ويتخذ البعض من ذلك دليل على أن العلمانيين والقسوس وليس لهم حق التصويت ولكن فى بعض المجامع المكانية الأخرى كان القسوس والشمامسة، يوقعون بأسمائهم بعد الأساقفة. وموضوع حق القسوس والشمامسة فى التصويت رسمياً فى المجامع الكنسية - خاصة فى المجامع الإقليمية - كانت ومازال موضوع جدل. لكن الواقع أنه - على غرار ما يحدث الأن فى الشئون السياسية - كان كل أسقف يصحب معه مستشاريه من القسوس والشمامسة وبعد التشاور معهم كان يعلن رأيه بصفته أسقفاً وإن كان هذا الرأى فى واقع الأمر يعتبر محصلة رأيه وأراء مستشاريه. ويؤكد هذا الذى تقوله رسالة بعث بها الاكليروس الرومانى إلى القديس كبريانوس أسقف قرطاجنة يتحدثون فيها عن المناقشات العامة المجمعية التى يجريها أساقفتهم مع القسوس والشمامسة والمعترفين والعلمانيين المعتبرين. على أن الأمر أصبح قاطعاً وواضحاً عقب مجمع نيقية المسكونى الأول سنة ٣٢٥م حيث أصبح للأساقفة وحدهم - بصفة ‹ص ١٨› عامة - حق الحضور والتصويت. وأصبح القسوس والشمامسة مجرد سكرتاريين أو مستشارين أو نواباً عن أساقفتهم.

ويمكن أن نقسم المجامع الكنسية بصفة عامة إلى ثلاثة أنواع رئيسية هى:

مجامع مكانية، مجامع إقليمية ومجامع عامة "مسكونية".

"١" المجامع المكانية Diocesan Councils

وهى التى يجتمع فيها الأسقف والقسوس والشمامسة فى مركز الإيبارشية لتدبير أمورهم الخاصة. وإن كان التاريخ لايمدنا بمادة عن إنعقاد أمثال هذه المجامع قبل القرن الثالث المسيحى لكن من المحتمل أن تكون قد إنعقدت مجامع كنسية من هذا النوع قبل هذا التاريخ لأن الدسقولية - وهى تعاليم الرسل - تقول فى الباب الثامن منها "يكون "أى" الأساقفة" إجتماعكم للأحكام يوم الأثنين. فإن كان ثمة خصومة فصلحتموها وتكونون متفرغون لذلك طول الجمعة إلى يوم السبت لتنقضى الخصومة. فإن كان يوم الأحد المقدس تكونون قد أصلحتم بين المتخاصمين. ليحضر معكم يا أساقفة، الشمامسة والقسوس.. إلخ".

‹ص ١٩›

"٢" المجامع الإقليمية Provincial Councils

وهذه بدأت تظهر مع التنظيم الكنسى وكانت تجتمع برئاسة مطران الأقليم "أى أسقف المدينة الأولى فى الأقليم". ونظراً لما تعرضت له الكنيسة من عواصف الإضطهادات العنيفة فقد عقدت هذه المجامع فى عاصمة الإقليم مرة أو مرتين فى العام برئاسة رئيس أساقفة الأقليم الذى كان له الأشراف على أساقفة الأقليم وإن كان هذا لم يمنع من عقد إجتماعات غير عادية لهذه المجامع كلما إستجدت ظروف تدعوا إلى ذلك.

والتاريخ ملئ بأمثلة كثيرة لهذه المجامع كالمجمع الذى عقده البابا ديمتريوس بالأسكندرية سنة ٢٣١ للنظر فى أمر أوريجانوس ومانسب إليه. وكالمجمعين اللذين عقدهما البابا الكسندروس ضد آريوس سنة ٣١٩، ٣٢١م وحكم فيهما بحرم آريوس ومن يتبعه.

"٣" المجامع المسكونية

وهذه إجتمعت منذ عصر قسطنطين الكبير أو بعبارة أخرى من وقت أن بدأت المسيحية تأخذ طريقها كديانة مسموح بها فى الدولة ‹ص ٢٠› التى أخذت تحتضنها نتيجة إعتناق الأباطرة لهذه الديانة الجديدة، وقد إجتمعت هذه المجامع العامة لضرورات حتمية تختص بالإيمان والعقيدة. وإن كانت قد بحثت أموراً أخرى تتعلق بنواحى التنظيم الكنسى وكان يحضر هذه المجامع أساقفة من أنحاء العالم المسيحى شرقاً وغرباً. والكنائس الأرثوذكسية تعترف بثلاثة مجامع عامة فقط هى مجامع نيقية والقسطنطينية وأفسس الأول. وهذه المجامع الثلاثة تعترف بها جميع كنائس العالم شرقاً وغرباً وتتمسك بما وضعته من قوانين تحفظ الإيمان المسيحى. وكإظهار لهذه الحقيقة تذكر كنيستنا هذه المجامع الثلاثة فى قداسها الإلهى "فى تحليل الخدام وفى مجمع الآباء القديسين".

الأحكام الباطلة لبعض المجامع:

تعترف الكنيسة القبطية بما للمجامع الكنسية الأرثوذكسية من سلطان فى إصدار القوانين سواء كانت هذه القوانين تنظيمية أوعبارة عن أحكام ضد المبتدعين والخارجين عن الإيمان السليم وهى تقبل هذه القوانين والأحكام بشرط ألا تتعارض مع الكتاب المقدس والعقيدة القويمة والقوانين الكنسية وإلا إعتبرت باطلة. وتاريخ الكنيسة به عينات كثيرة من المجامع الباطلة. ومن أمثلتها ‹ص ٢١› مجمع صور الذى إنعقد لمحاكمة البابا أثناسيوس سنة ٣٣٤ وقضى بعزلة من وظيفته الكهنوتية وبالنفى وذلك لأن أعضاء هذا المجمع كانوا من الأريوسيين. وعلى الرغم من أن الإمبراطور أمر بتنفيذ قرارات هذا المجمع فإن الكنيسة إعتبرته باطلاً وظلت متمسكة برئيسها الدينى البابا أثناسيوس على الرغم من نفيه. ومن أمثلتها أيضاً المجمع المكانى الذى إنعقد بالقسطنطينية على القديس يوحنا ذهبى الفم. وعلى الرغم من أن البابا ثاوفيلس البطريرك الأسكندرى ال٢٣ هو الذى رأس هذا المجمع إلا أن الكنيسة سرعان ما عادت فى عهد خلفه البابا كيرلس عمود الدين وإعترفت ببراءة يوحنا ذهبى الفم.

From Lectures in Church History: the Church Councils by Anba Youannis, Bishop of Gharbiya, first printing, 1994, printed at the Anba Ruways offset press, Abbasiyya, Cairo.

يُنشر هذا النص بإذن من إيبارشية الغربية.

Published with the permission of the Diocese of Gharbiya.